Skip to search.

Breaking News Visit Yahoo! News for the latest.

×Close this window

ziadjayyosi

The Yahoo! Groups Product Blog

Check it out!

Group Information

  • Members: 6326
  • Category: Names
  • Founded: Nov 4, 2007
  • Language: Arabic
? Already a member? Sign in to Yahoo!

Yahoo! Groups Tips

Did you know...
Hear how Yahoo! Groups has changed the lives of others. Take me there.

Messages

Advanced
Messages Help
Messages 174 - 203 of 213   Oldest  |  < Older  |  Newer >  |  Newest
Messages: Show Message Summaries Sort by Date ^  
#174 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Mon May 9, 2011 4:52 am
Subject: القط الذي علمني الطيران بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 





   أتساءل: ما الذي شدني بقوة إلى هذه الرواية؟ وكيف تمكن هاشم غرايبة بعد هذه السنوات الطوال، أن يهز الذاكرة بقوة، فيعيدني إلى ماضٍ بعيد تجاوز الثلاثة عقود ويكاد يقارب العقد الرابع؟!

  في سبعينيات القرن الماضي عشنا التجربة سوياً، وفي الرواية يرسم صورة تتغلغل في الروح الإنسانية وخباياها، في تلك المرحلة التي جمعتنا فيها المعتقلات والسجون، كل في إطار، لكن وحّدتنا المرحلة، عشناها معاً تكاتفًا وصراعًا، صراعاتنا الداخلية في الأنا لكل منا، صراعات القوى مع بعضها، وصراعنا مع الإدارات المختلفة التي تناوبت إدارة السجون.

   هنا الحديث كان عن سجن إربد، تشابه كبير بينه في الرواية وبين سجن المحطة، ألقاب المساجين المدنيين، لقب الرفيق للمعتقل الشيوعي، أسماء أقسام السجن كالدار البيضاء والقبو، شبك الزيارة الذي زرع لكل من عاش التجربة الكثير في تلافيف الذاكرة، الإنسان في داخل كل معتقل، معاناة الإنسان ولحظات الضعف والقوة، المعاناة في التحقيق الذي يهدف لتدمير الروح، التعذيب إلى حد يكاد يصاب فيه المرء بالجنون.

   هذه الرواية صورت الإنسان، الإنسان في كل مكان وكيف تعتمل بداخله الفكرة حتى يعتنقها، وكيف يتحمل المعاناة في سبيل الفكرة، يرفض أن يتنازل، يتحمل الألم والمعاناة لأنه يحلم بغد أفضل لغيره، لكي لا يعانوا ما عاناه، بحيث تتوحد فكرة المقاومة في الزنزانة ومقابل المحقق بين أصحاب فكرين متناقضين لا يمكن أن يتوحدا في الواقع أبداً.

  الرواية صورت حياة المعتقل السياسي، من الإدارة التي تسعى بكل جهدها لإسقاط المناضل، إلى مجموعات كبيرة لا علاقة لها بالنضال، هم السجناء المدنيون بأشكالهم وقضاياهم المختلفة، معظمهم ضحايا الفقر والمعاناة، ومنهم من هم كانوا أسياداً في الخارج، ويبقون داخل السجون أسياداً، فالمال يلعب دوره، العشيرة تلعب دورها، فتكون الطبقية في المجتمع الخارجي موجودة في مجتمع السجن، وهذه الصورة التي وصفها هاشم غرايبة في داخل السجن، كانت تعبيراً فعلياً عن المجتمع خارجه.

   الرواية وصفت الكثير، طرحت كماً  كبيراً من التساؤلات، ففي السؤال الذي يقول: (لماذا تحملت ثلاثة شهور من العناء في زنازين المخابرات؟)، يكون الجواب الذي سيستنتجه القارئ؛ إنه الحلم بالطيران، وهو العنوان الذي حملته الرواية (القط الذي علمني الطيران)، والقط هنا لقب لسجين احترف السرقة، هو نتاج للمعاناة التي حولته إلى منحرف، لكنه يمثل بشكل أو آخر معاناة المجتمع، فكان هو المعلم ليس كفرد، ولكن إشارة إلى أن المناضل يتعلم من الشعب ويقدم إليه ما تعلمه، من خلال عملية نضالية من أجل فكرة، الهدف منها هو الوطن الحر والشعب السعيد.

    في الرواية يصنف هاشم غرايبة السجناء إلى خمس طبقات، ولو دققنا فيها لوجدنا هذه الفئات تمثل الشرائح نفسها في المجتمع، وفي الوقت نفسه يتحدث عن أحلامه المتكررة كل صباح، الحصول على عفو ونيل الحرية، وهو الحلم الذي لا يفارق السجناء بغض النظر عن قضاياهم، فالحرية هي الحلم الذي يعيش عليه السجناء حتى ينهوا محكومياتهم، وفي الوقت نفسه لا يغفل دور السياسي المعتقل في تثوير أفكار السجناء وقيادتهم لتحقيق بعض من الانفراج في المعيشة الداخلية وتحسين ظروفها ولو بالقليل، وتتحقق كثيراً من هذه المطالب ويدفع  ثمنها المناضل بعقوبات الإدارة.

   فالمناضل خلف القضبان كما يقول هاشم بالرواية: (الآن هنا لا تراوده الأحلام الكبرى حول الحرية والتحرر، ويتراجع إحساسه أنه فاعل في تغيير الكون، وأنه جزء من مشروع إنساني يوحده مع أحرار العالم في كل مكان، ويكتفي بالإشفاق على أحوال المساجين)، وبغوص في نفسيات المساجين بغض النظر عن قضاياهم التي سُجنوا بسببها، فهم بشر أيضاً يفكرون ويحلمون، لكنه رغم كل هذه الأحاسيس يتحدى المحقق، المحكمة، إدارة السجن، وضغوطات المجتمع، والأحاسيس العاطفية التي تعتمل بداخله، فالمناضل هنا هو أولاً وأخيراً إنسان صوّره هاشم كما هو، ولم يضف عليه هالات الجبروت والعظمة، فهو لا يريد أن يكون بطلاً، لكنه يريد العيش بحرية وكرامة، إنسان يحلم ويعشق، فتشده زائرة للسجن فيعشقها وتصبح الحلم الذي يحلم به، حتى أنها لولعها به تنتمي إلى حزبه، ثم تختفي عن شبك الزيارة، ليتبين أن الحزب منعها من زيارته، فلا يكفي ظلم السجن وظلمته، فيحرمه حزبه حتى من محبوبته، حتى تغادر وطنها مع أهلها وهي تحلم به ويحلم بها، تتحدى الأسرة والحزب وتزوره لتودعه قائلة: (راجعة حبيبي. سأزرع لك شتلة ياسمين أينما ذهبت).

   هذه الحالة التي وصفها هاشم بدقة وحقيقة، عايشتها في حالات متعددة ومختلفة مع آخرين، وما زلت أذكر ذلك المناضل الذي صمد وحكم عشرة سنوات، حين تخلت عنه خطيبته المناضلة بالحزب نفسه ورمت له خاتم الخطوبة وغادرت، وكوفئت على موقفها وأصبحت ذات شأن في قيادة حزبها!، وأذكر كيف رسمت أنا لوحة زيتية ذات مرة فأصدرت قيادة التنظيم الذي كنت محسوباً عليه في المعتقل قراراً بإتلاف اللوحة لأن القائد (الجاهل) والذي لم يقرأ في سنوات سجنه إلا كتاباً عن الجنس، رأى في اللوحة أنها تخالف أفكاره المتخلفة.

   تناول هاشم غرايبة في روايته الكثير من القضايا، ربما مَن لم يعش التجربة قد يستغربها أو يعتبرها ضرباً من خيال كاتب، لكن من عانى منها وعايشها يستطيع أن يدرك قيمة الرواية ومحتواها الكبير، فهي من القلة من الروايات التي قرأتها أو القصص والتي يطلق عليها أدب السجون، لم تتحدث عن البطولات والجبروت، لكنها تعاملت مع الإنسان وروحه، فالرفيق المعتقل حين يهرب له الحزب منشوراً سياسياً ويقرأه، يشعر كم أن هذه القوى بعيدة عن شعبها ولا تلامس قضاياه ومشاكل معيشته، وتحلق بتحليلات سياسية ربما من كتبها كان يحتسي الفودكا ويدخن سيجاراً كوبياً وهو يكتب، ولكنه لا يعرف كم أصبح ثمن كيلو الخبز، ومع هذا يوجد دوماً (يهوذا) يبيع المسيح بدراهم معدودة، فيتعرض المناضل لحملة تفتيش شرسة من الإدارة بحثاً عن المنشور، الذي جرى تهريبه له في الوقت نفسه الذي يكون فيه (يهوذا) يبلغ عن الحدث.

   من يقرأ الرواية يشعر بكم المعاناة الإنسانية، فقد أبدعت روح هاشم غرايبة في الرواية، جال في الروح الإنسانية بدقة وتفاصيل، وثّق مرحلة مهمة، وكانت النهاية المفتوحة بفكرة (القط الذي علمني الطيران)، إشارة واضحة إلى أن الحكاية لم تنته بعد، ولا أحب الحديث مطولاً عن تفاصيل الرواية، فمن سيقرؤها سيرى الكثير فيها، وحين أعدت القراءة للمرة الثالثة، كنت قد عرفت بدقة لماذا شدتني الرواية، فقد وجدت نفسي فيها عبر سنوات طويلة عشتها في مرحلة وأد حرية، قرأت فيها الكثير، رسمت فيها الكثير، كتبت كثيراً للوطن والحلم والجمال، وفقدت محبوبة كنت أحلم بها، لكنها تبخرت فجأة ولم أكل من البحث عنها في رحلة الزمان والمكان، فشكراً لهاشم غرايبة، وشكراً للقط الذي علمنا جميعاً من عشنا المرحلة والتزمنا بإنسانيتنا (الطيران).

(رام الله 12/3/2010)


 

1 of 1 Photo(s)

1 of 1 File(s)


#175 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed May 11, 2011 6:13 am
Subject: صباحكم أجمل/ يأسرني سحر جنين
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

 صباحكم أجمل/ يأسرني سحر جنين

 (الخفقة الثانية)

 

يخفقها: زياد جيوسي

 

 

لم تتوقف جنين عن البوح بأسرارها؛ تهمس بأذني وتحدثني، وتضمني بكل حنان.. جدائلها تنسدل على كتفيها.. تروي الحكاية، ولا تتوقف إلا لتنظر في عينيّ، فترى فيهما كيف أن حبها يجتاحني، وخفقات قلبي تزداد وترتفع كدقات طبول إفريقية، فليس من السهل على من يجتاحه العشق أن يخفيه أبداً، فحين كنت أجول جنين كنت أشعر بالتاريخ يرافقني، ويهمس بأذني عن أسرار هذه الحورية الكنعانية التي ترخي شعرها ضفائر من ذهب، وشعرت بأرواح الجدود والجدات تهمس لي: هنا كنا فحافظوا على هذا الوطن، وحافظوا على ذاكرته، كي تروي لأحفادكم الحكاية.

كنت أحاول جهدي أن أخفي المشاعر التي تنتابني وأنا أجول برفقة المضيّفين لي من مركز محمود درويش الثقافي؛ المهندسة المتألقة دينا حمدان مديرة المركز، والشاب الجميل الذي تتدفق من روحه الطيبة كفاح أبو سرور. واصلنا التجوال في البلدة القديمة راوية الحكاية، وكل بيت من هذه البيوت يمتلك من الأسرار التي لو كتبت لشكلت ملحمة تاريخية عن قصة شعب لم يتوقف عن العطاء ولا عن الصمود، قصة نقشت التاريخ بالعرق والدم، ففي كل زاوية كنت أرى صور الشهداء الذين قدموا أرواحهم على مذبح الحرية والحلم بالصباح الأجمل، وفي أزقتها الكثيرة شعرت بالجدران تهمس لي عن تاريخ ضارب الجذور، وعن مدينة حضارية تشكل فيها أول مجلس بلدي في العام 1886م، وللحقيقة فإن المتعة بالتجوال في البلدة القديمة تجعل الإنسان يحلق في فضاء من الجمال، ويتنسم عبق التاريخ، ولا تكف عيناه عن التدقيق في كل أثر، فالنقوش القديمة على الحجارة تروي حكايات، وإن لفت نظري وجود عدد كبير من البيوت القديمة مهملة، وبيوت أخرى تنمو الحشائش والأعشاب بين حجارة جدرانها، وهذه الأعشاب إن لم تقاوم وتجري عملية إزالة لها ستمتد جذورها وتهدم هذه البيوت، إضافة إلى وجود ركام وأوساخ في أكثر من زاوية ومنطقة تحتاج جهود البلدية لإزالتها، وإلا أصبحت مرتعاً للحشرات والزواحف والجرذان، ومعالجة المسائل أولاً بأول يحفظ المنطقة وجماليتها، ولا يترك السلبيات تتراكم كي لا نصرخ بعدها: ما الحل؟

 

 

أنهينا الجولة في البلدة القديمة، وكم فرحت بأطفال البلدة وهو يرحبون بنا، أو يطلبون مني أن ألتقط لهم الصور، ثم اتجهنا إلى مبنى (مؤسسة الكمنجاتي) التي ستشهد أمسيتي الأدبية ولقائي مع قرائي وأبناء جنين فيها، والبناية تقع في واجهة البلدة القديمة، وفي الأصل كانت من قصور آل عبد الهادي، وقد أهملت فترة طويلة حتى اشتراها شخص ما وحولها لمكاتب وعيادات قبل أربعين سنة تقريباً، ثم تحولت إلى مكان لتربية الدواجن ومنجرة أخشاب، لتهجر بعدها وتتحول إلى مكان يمتلئ بالنفايات، حتى جرى التفاوض مع مالكها مطولاً واستئجارها لصالح مؤسسة الكمنجاتي، ورممتها (مؤسسة رواق) لتتحول إلى بؤرة مضيئة لتعليم الموسيقى، وفيها قاعة ممتازة للحفلات والأمسيات، وفي داخل المركز سعدت بلقاء الفنان الصديق إياد ستيتي، وهو مدير المركز في جنين، وتجولت برفقته في كل القاعات وشاهدت الطلاب يتدربون، فالمركز بدأ بأربعين طالباً، ليضم الآن مائة وأربعين طالبًا وطالبة من عمر ست سنوات حتى عمر أربع عشرة سنة، وكم فرحت وأنا أستمع للطفل أيهم عايش وهو يقول لنا: هنا وجدت نفسي، مع الموسيقى تغيرت نفسيتي وروحي، وأشعر بالتميز كعازف عود، وأصبحت حياتي أجمل، وأصبح لي أصدقاء أجمل، وأشعر أني الآن أنتمي لوطني وأقاوم المحتل أكثر.

 

 

   من (الكمنجاتي) اتجهنا إلى ربى جنين، وفي الشارع الرئيس مررنا بشرفة وقف عليها القائد العراقي محمود شيت خطاب في العام 1948 وألقى قصيدة قال في مقاطع منها:

"هذي قبور الخالدين وقد قضوا

شهداء حتى ينقذوا الأوطانا

أجنين إنك قد شهدت جهادنا

وعلمت كيف تساقطت قتلانا

إن الخلود لمن يموت مجاهداً

ليس الخلود لمن يعيش جبانا"

فترحمت مجدداً على أرواح شهداء العراق وشهداء الوطن، لنكمل الطريق إلى التلال والربوات، وقبل أن نبدأ الصعود إلى التلال تجولنا في أحياء المدينة، ولفت نظري أن معظم الشوارع تمتلئ بالحفر وتفتقد الأرصفة وعمليات التشجير، فأين البلدية من هذه الحفر التي تشوه وجه المدينة، وتمس بحياة المواطن والسلامة العامة له؟ ولماذا لا تتم عملية شاملة لصيانة الشوارع والأرصفة وتشجيرها؟ وهل نسي المعنيون أن جنين امتداد لمرج ابن عامر واشتهرت عبر تاريخها بالجمال والخضرة؟ وأن مجرى (عين نينا) كان يشقها حتى يصب في نهر الملح ووادي المقطع الذي كان يصب في حيفا؟ حيث كانت البيارات تملأ المنطقة إضافة إلى أشجار الكينا التاريخية العملاقة.. فرحمة بشوارع جنين وتاريخها ومساحاتها الخضراء التي بدأت تتلاشى يا بلدية جنين، فهذه المدينة أمانة في أعناقكم ستسألون عنها يوم القيامة.

 

 

ما أن بدأنا الصعود إلى ربوات جنين حتى بدأت أشعر بروحي تحلق في الجنان، فهناك وعلى تلك المرتفعات حيث الطبيعة الخلابة، لا يمكن للروح إلا أن تحلق في الفضاء، وفي منطقة السويطات توقفنا لألتقط الصور، وحين نزلت من السيارة بدأ سحر جنين يستلبني، فتنشقت الهواء النقي بملء رئتيّ، وحين وصلنا إلى بلدة (تلفيت) حيث بنيت الجامعة الأمريكية، ورأيت الطبيعة بجمالها الخلاب، حتى كان سحر جنين قد بدأ يسري في شراييني مجرى الدم، وهذه البلدة الصغيرة والجميلة، التي تضم بقايا حجارة منحوتة وأنقاضاً لآثار قديمة، تدل على أن هذا الموقع كان له دوره في التاريخ القديم، فوقفت بدهشة الطفل أمام هذا الجمال، وشعرت أن جنين تأتي إليّ وكأنها ريم الفلاة، تفرد شعرها الحريري وترخي جدائلها، فتنعكس الشمس عليه مانحة إياه لون الذهب، وشعرت بطيفي يرافقني كالعادة ويهمس لي: أكيد ستكون جولة رائعة لمسافر مثلك لا يحمل سوى حقيبة حب وعدسة ذكريات.. وماذا عن ذاك القلم؟ أطلق له العنان ليكتب كلّ ما يرى ويسمع،  دعه يكتب النّاس ومشاغلهم وأفراحهم وأحزانهم، ودعه يكتب كلّ شيء، ودعه يكتبك حتّى أنت، فالأشياء كما تحسّها أنت، هي أجمل ما قد يمكن أن يكتب.. فشكراً أنّك حملتني معك في حقيبة سفرك إلى ربوع جنين.. فهمست لروح طيفي: ما أجمل وطننا، وما أروع همساته تنساب كالموسيقى! لذا سأبقى عينيكِ في الوطن، وستشاهدين في المرحلة القادمة الكثير مما كتبت ووثقت عدستي.

 

 

اتجهنا إلى بلدة (تنين)، والتي لا تقل سحراً بطبيعتها عن (تلفيت)، وهذه البلدات بناها محمود عبد الرحيم إرشيد وشقيقه، فأراضي هذه المنطقة الشاسعة المساحة كانت ملكاً لآل إرشيد منذ زمن قديم، وما زالت مساحات واسعة منها تعود بملكيتها لهم، وأكملنا الطريق إلى بلدة (الزبابدة)، وهذه البلدة تعود في تاريخها إلى العصر البيزنطي، وتدل على ذلك بقايا قطع الفسيفساء التي تعود إلى العصر الروماني، وقد دمرت بالكامل في القرن السابع الميلادي بسبب الحروب الدينية المتكررة، وبقيت طوال الفترة غير مأهولة حتى عادت لها الحياة في القرن السابع عشر الميلادي، من خلال مجموعة قدموا من (طيبة) رام الله، وتملكوا أراضيها من آل جرار. والبلدة عبر تاريخها القديم والآثار المكتشفة فيها، كانت تحمل آثار المرحلة المسيحية وتأثيرها في المنطقة، ويوجد بها الآن أربع كنائس، أقدمها كان (ديراً) ويعود تاريخ بنائها إلى 528 م، وفيها مسجدين قديم وحديث، والحديث تعلوه ثاني أعلى مئذنة في الضفة الغربية. وما أن أطللنا على شارع الكنيسة وهو الشارع الرئيس في البلدة، حتى شعرت برهبة التاريخ، وحين دخلنا نجول البلدة القديمة، ووصلنا إلى كنيسة القديس (جارجيوس) التي بنيت في العام 1874، حتى بدأت أترنم بأبيات شِعر للشاعرة صونيا خضر تقول:

"قليل من الكلام كان يكفي

ليعبر الضوء

قمراً في نصف إغماءة..

وينام في.. سرير البدر."

وما أن أكملت ترنمي بهذه الأبيات حتى ابتسمت، فقد تذكرت أن الشاعرة صونيا التي تسكن رام الله، تعود عائلتها إلى بلدة الزبابدة.

أنهينا التجوال السريع في عبق تاريخ الزبابدة، عائدين من جديد مروراً ببلدتي تنين وتلفيت، وهناك وقفت ألتقط صوراً جديدة للسحر الغامر، حيث تظهر الجبال شرقي نهر الأردن، فشعرت بالحنين لأهلي وأسرتي هناك، وهمست لنفسي: لو أتيح لي لسكنت في صومعة صغيرة هنا، أمتع روحي بروعة الجمال، فمثل هذا السحر كفيل أن يحيلني من كاتب إلى شاعر. وأكملنا الطريق باتجاه مناطق ساحرة أخرى سيكون لها حديث في الخفقة الثالثة القادمة من جنين وخفقات قلب.

أقف إلى النافذة وأنظر نحو السماء وقد انتشرت فيها الغيوم، أحتسي قهوتي وطيفي الذي لا يفارقني، وأتذكر أمسيتي الأدبية ولقائي مع مجموعة رائعة من أهل جنين في الأمس، ورحلتي في أول الأمس، والتي ما زلت أواصل الحديث عنها، وأجهز نفسي لجولة اليوم، وأستمع لشدو فيروز: "رجعتَ في المساء/ كالقمر المهاجر، حقولك السناء/ حصانك البيادر/ أنا نسيت وجهي/ تركته يسافر/ سافرت البحار/ لم تأخذ السفينة/ وأنت كالنهار/ تشرق في المدينة."

صباحكم أجمل، وإلى لقاء في الخفقة الثالثة من خفقات القلب وسحر جنين عصفورة الشجن وريم الفلاة.

 (جنين 28/4/2011)

 

 

 

 


 

5 of 5 Photo(s)

1 of 1 File(s)


#176 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu May 12, 2011 4:34 am
Subject: دعوة ثقافية ولقاء مع الكاتب زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

دعوة ثقافية

مجلس بلدي كفر اللبد                 متحف آثار طولكرم الوطني

                        يتشرفان بدعوتكم لحضور الندوة الثقافية بعنوان

الأماكن التاريخية والأثرية بفلسطين

واللقاء مع الكاتب الفلسطيني

 زياد جيوسي

نائب رئيس اتحاد كتاب الانترنت العرب وأمين سر فرع فلسطين

وذلك  يوم الخميس الموافق 12/5/2011 في تمام الساعه الخامسة عصرا في قاعة بلدية كفر اللبد

تشريفكم دعم للثقافة والتراث

برنامج الندوة:

تبدأ الندوة في تمام الساعة الخامسة مساءً
عريف الحفل : كفاح كمال صبحه
1- السلام الوطني
2- القرآن الكريم
3- كلمة ترحيبية يلقيها رئيس بلدية كفر اللبد السيد زياد جبعيتي
4- فاصل زجل شعبي
5- كلمة تعريف بالكاتب تلقيها الأخت حنان جباره  أمينة متحف آثار طولكرم
6- نبذه عن تاريخ كفر اللبد يقدمه الأستاذ شاكر أبو خميش
7-  معزوفه تراثية على الشبابه  والعود
8- نبذه عن آثار طولكرم يلقيها السيد خالد الهمشري مدير متاحف الشمال
9- كلمة الضيف الكاتب زياد جيوسي وتجربته مع مقالاته صباحكم أجمل

10- دبكة تراثية تؤديها فرقة دبكة البلده  

11-  نقاش الجمهور

نتمنى لكم قضاء وقت ممتع وشيق برفقة الكاتب المبدع زياد جيوسي

 

 

1 of 1 Photo(s)

#177 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed May 25, 2011 7:44 am
Subject: دعوة ثقافية للقاء أدبي مع الكاتب زياد جيوسي في بيت لحم/ الخميس 26-ايار-2011
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 


تتشرف جماعة الباب الأدبية والثقافية

 بالتعاون مع وزارة الثقافة ورابطة خريجي جامعة بيت لحم ومؤسسة المجدل للثقافة والفنون بدعوتكم:

 لحضور اللقاء الأدبي والثقافي العاشر والذي سيعقد في مدينة بيت لحم يوم الخميس الساعة 5 مساء من تاريخ 26-ايار-2011 في مبنى مؤسسة "مجدل " قرب مدرسة الفرير/ مدينة بيت لحم
ويستضيف اللقاء الكاتب والأديب: زياد جيوسي

وقراءة في كتابه " أطياف متمردة"
ويتخلل اللقاء قراءات شعرية وفقرات ثقافية أخرى

 

1 of 1 File(s)


#178 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed May 25, 2011 8:24 am
Subject: صباحكم أجمل/ استلبت روحي كفر اللبد
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ استلبت روحي كفر اللبد

الحلقة الأولى

بقلم: زياد جيوسي

 


كفر اللبد: منظر عام وعدسة زياد جيوسي

 

   لقد استلبت روحي كفر اللبد. هكذا خاطبت الحضور في أمسيتي في هذه البلدة الوادعة التي تفيض حباً، وأكملت: كفر اللبد تعني في اللغات القديمة المكان المرتفع الكثيف الشجر، وقد ارتبطت كفر اللبد في ذاكرتي بعلمائها الأجلاء، ففي الوقت الذي كانت معظم البلدات والقرى في وطننا ترزح تحت سطوة الأمية والجهل، كان العلماء ينيرون الوطن والمنطقة من أبناء كفر اللبد، حتى أصبحت كلمة اللبدي نسبة للبلدة تشير في أذهان المستمع إلى أسماء العشرات من علماء البلدة الكرام، إضافة إلى ارتباطها بذهني بدورها المشرف في الثورات الفلسطينية، وما زالت اراضيها تضم مقابر شهداء من ثورة 1936، وأنا الآن، وأنا في بلدتكم وبينكم، أشعر أني أحلق فوق الغيوم، وأجول الفضاء فرحاً وبهجة، وبينكم أشعر أني فراشة تطير بين الأزهار والورود، وأعتقد أن رام الله بعد هذا العشق ستذهب بي للمحكمة الشرعية غاضبة، لكني أراهن على روعتها ورقة قلبها أن تعذرني، لأن روحي استلبتها كفر اللبد، كما عشق قلبي جنين وتاه ولهاً بعنبتا، وعشق كل البلدات التي التقاها في روابي الوطن..

   حين زرت عنبتا في زيارة سابقة، أتيح لي أن ألتقي بعض شبيبة كفر اللبد، وزرت بلدتهم زيارة سريعة وعابرة وعلى فنجان قهوة، ووعدتهم أن ألبي دعوتهم في زيارة خاصة للبلدة، وحين كنت ألبي دعوة اللقاء مع جنين، وفي أمسيتي الأدبية فيها، أبلغتني السيدة سوسن نجيب، والتي كان لي شرف اللقاء بها حين دعتني ورتبت زيارتي لبلدتها عنبتا الحورية الكنعانية، بتحديد موعد لي للقاء كفر اللبد، في الثاني عشر من أيار لهذا العام. وافقت بدون نقاش، فبلدة وادعة وجميلة ككفر اللبد، لا يمكن لروحي الا أن تلبي نداءها، وتحلم بلحظة معانقتها.

  في عصر الأربعاء الحادي عشر من الشهر كنت أمتطي مركب الريح متجهاً إلى طولكرم، فأنا الكرمي ابن جيوس تربطني بطولكرم علاقة عشق خاصة، فزرت بيت أخي الأكبر وسيم والتقيت بأسرته، وجلت الدروب الكرمية سيراً على الأقدام في المساء، لاستعد لبرنامج زيارتي لكفر اللبد في الصباح التالي، ومنذ السادسة صباحاً كنت أصحو من نومي وأحتسي قهوتي مع شدو فيروز، استعداداً لتلبية دعوة الإفطار في بيت الأصدقاء أبي فراس وزوجته سوسن نجيب، لألتقي هناك صديقي خالد الهمشري الذي سيرافقني التجوال في كفر اللبد، ومع إفطار تقليدي شهيّ أعدته السيدة سوسن، كانت مفاجئة لعلها أثمن من كل أوسمة الأرض؛ رغيف من خبز الطابون محشواً بالزعتر الأخضر، ومنقوشاً عليه بحروف نافرة اسمي، فأثارت هذه المفاجئة فرحي، فالزعتر الأخضر يرتبط بروحي وبشعبي إلى درجة كبيرة.

 

 

قلعة البرقاوي: وعدسة زياد جيوسي

 

   أنهينا الإفطار واحتسينا القهوة وحلقنا بإتجاه كفر اللبد، وفي الطريق كنت أشعر بروحي كفراشة محلقة، وما أن دخلت البلدة حتى لفت نظري حجم النظافة فيها، ووجود حاويات القمامة في أكثر من موقع في طريقنا، إضافة إلى الأرصفة المدهونة واليافطات المرورية، كما انتبهت للاهتمام بالشوارع المعبدة، وهذه حالة مميزة لبلدة صغيرة الحجم، ولا يزورها إلا من يقصدها، فهي ليست على طريق رئيس، وليست معبراً لبلدات أخرى، وفي العاشرة كنا في المجلس البلدي واستقبال جميل أضاف إلى ما كونته روحي عن البلدة وأهلها جمالاً آخر، فكان استقبال مميز من الأخ زياد الجعبيتي رئيس البلدية والأخ عبد الفتاح أبو ليلى، ومجموعة طيبة من شباب البلدة، لنتجه بعد اللقاء الطيب وفنجان القهوة إلى بداية الجولة من قلعة البرقاوي، ووجود القلعة في أعلى البلدة يدلل كم أن البلدة كان لها موقع استراتيجي مهم، وكم كان فرحي كبيراً أن أجد القلعة تحت الترميم، فهذه القلعة ترتبط بتاريخ المنطقة منذ العهد العثماني، وهي جزء من عدة قلاع حملت الاسم نفسه نسبة لأحد المشايخ الذين حكموا المنطقة بتلك الفترة، ففي فترة الحكم العثماني ظهرت مجموعة كبيرة من القلاع التي تحمل حتى الآن أسماء أشخاص أو عائلات، وكانت تحت إشراف عائلات إقطاعية تقوم بدور الوكلاء للحكم العثماني، وارتبط قسم منها بذاكرة المواطنين بالقمع والاضطهاد، وفي جوانب أخرى برجال قاتلوا ضد المستعمرين خصوصاً الفرنسيين في عهد نابليون.

 

 

هنا سكن الأجداد والجدات وحفروا الصخر بسواعدهم.. عدسة زياد جيوسي

 

   كفر اللبد بلدة ضاربة القدم، فهناك آثار رومانية ما زالت ظاهرة للعيان، وما زالت هناك مدافن قديمة وخزانات الماء المحفورة في الصخور، وعدد من الخرب الأثرية والكنائس والقلاع الرومانية المطعمة ساحاتها بالفسيفساء، وهذا يدلل كم أن تاريخ البلدة حفل بالأحداث التاريخية، وأن كفر اللبد تضم في جنباتها من الآثار ما يروي حكايات التاريخ، إضافة إلى دورها الثقافي والعلمي والأدبي من خلال عدد كبير من المتميزين بالعلم والأدب في تاريخها، ويكفي أن أشير إلى أن أحد كبار علماء الدين وممن لهم دور اساسي بنشر المذهب الحنبلي كان من مواليد كفر اللبد وهو الشيخ محمد بن أحمد بن سعيد عز الدين الذي ولد في العام 1370م، وهذا الشيخ واحد من عشرات من أبناء كفر اللبد الذين تركوا بصماتهم واضحة في المجال الثقافي والعلمي.

    قلعة البرقاوي تحمل في جوانبها المختلفة حكايات كثيرة، وقد تجولت في كافة أرجائها، وتأملت الحجارة الصلبة والضخمة التي تروي الحكايات، وجلت قاعاتها وأدراجها وأسقفها، ولم تتوقف عدستي عن التصوير، وكنت أشعر أني شاب في مقتبل العمر وأنا أتنقل بعنفوان وأقفز من زاوية إلى زاوية ومن موقع إلى موقع، فتذكرت في سري الشاعر أبو العتاهية وهو يهمس:

"ألا ليت الشباب يعود يوماً/ فأخبره بما فعل المشيبُ"

وقلت: لو أتيت يا شيخنا كفر اللبد وتجولت فيها، لما شعرت بالكهولة ولا بالمشيب، فهنا في عبق التاريخ، ستشعر بدم الشباب يتدفق حاراً في عروقك، ولن تذكر الشيب ولا المشيب.

 

 

تاريخ يروي الآف الحكايات في كفر اللبد وعدسة: زياد جيوسي

 

   من قلعة البرقاوي وبعد أن استأذن الأخ زياد الجعبيتي رئيس البلدية والأخ عبد الفتاح أبو ليلى لمتابعة شؤون البلدية وترتيبات الأمسية، أكملت الجولة مع الصديق خالد الهمشري والشباب الرائعين سامح صقر ونشأت محفوظ وانضم إلينا من القلعة شاب رائع اسمه مروان محمد حسن، وشعرت به رغم سنه وبساطته يحفظ تاريخ البيوت في البلدة، فزرنا معصرة ومطحنة قديمة كانت عبارة عن مشروع لعصر الزيتون وطحن الحبوب بوساطة الآلات، وهي الآن مهدمة، وآمل أن يحتفظ بما تبقى من آلاتها في متحف طولكرم، أو أن يتم بناء ملحق بالبلدية يضم مثل هذه الآثار التي تروي حكاية البلدة، لنكمل الطريق بكافة أرجاء البلدة القديمة، فمنها بيوت أصبحت مهدمة تماماً، وبيوت آيلة للسقوط، وبيوت ما زال يقطنها السكان، وكل بيت وكل زقاق من هذه البلدة تشعر بحجارته تروي حكايات عن الجدود والجدات، وآمل أن يتم ترميم بعض منها خصوصاً تلك التي تميزت بشكل البناء والمساحة، لتصبح مقرات ثقافية وفنية تخدم البلدة وتساهم بنشأة أجيال ينتمون لبلدتهم ويحمون تاريخها وتراثها، وحقيقة أستغرب مسألة في معظم البلدات التي زرتها، فالبيوت الجديدة مبنية بالأسمنت لأن التكلفة أقل من البناء بالحجارة، بينما يمكن الاستفادة من حجارة البيوت المهدمة لتكون أساساً للبيوت الجديدة، فنحافظ على روح التراث ونحافظ على جماليات بلداتنا بدلاً من هذا السيل الجارف من بيوت الأسمنت التي تفتقد روح التراث وتفتقد الجمال.

 

 

مع ذاكرة كفر اللبد والحاج (أبو فيصل) شاكر أبو خميش

 

   جلنا الدروب والأزقة، ودخلت عشرات البيوت التراثية، ورغم تحذير صحبي لي أكثر من مرة أن أنتبه ولا أغامر، إلا أن عناية المولى كانت تحميني، وكنت أشعر بأن أرواح الأجداد كانت تحيط بي وترف من حولي، تهمس لي حكايات كثيرة، وكنت أشعر بكفر اللبد حورية فلسطينية ترتدي الثوب الكنعاني المطرز، تضمني بكل الحب، وترويني من مياه آبار تجميع المطر، فلا أشعر بالتعب ولا بالجهد، وكنت أشعر أني فقط أريد أن أسابق الزمن لتزرع ذاكرتي في تلافيفها كل ما تراه وتشاهده وتستمع إليه، وواصلنا المسير حتى وصلنا إلى بيت الحاج شاكر أبو خميش (أبو فيصل)، هذا الكهل المتوقد الذاكرة، رواي التاريخ للبلدة، وهو من مواليد اليوم الأول من العام 1924، ورغم سنه ووضعه الصحي الا أنه يحتفظ بذاكرة متوقدة، فاستمعت منه إلى أحاديث كثيرة رغم ضيق الوقت، وهو من المناضلين القدامى، وقد شارك في العديد من المعارك العام 1947، وما زال يذكر تفاصيل دقيقة عن الثوار وتاريخ البلدة منذ كان طفلاً، وبمجرد أن عرف اسمي سألني عن عمي الشيخ محمد (أبو الطاهر) أطال الله بعمره، وقال لي لقد سجنّا في عكا معاً.

 

 

مقام الشيخ صالح وعدسة زياد جيوسي

 

   حين خرجنا من عند الحاج أبي فيصل قلت لصحبي: هذه الذاكرة الشفوية يجب أن لا تضيع، ويجب أن تسجل، وأعدت هذا القول في لقائي الأدبي في المساء، وكم فرحت حين اتصل بي أبناء البلدة وأعلموني أنه قد جرى تشكيل لجنة ستبدأ بتسجيل ذاكرة هذا الشيخ الجليل، وذاكرة الرجال الكبار الذين يحفظون في ذاكرتهم ثروة يجب أن لا تضيع، ومن بيت الحاج أبي فيصل اتجهنا إلى مقام الشيخ صالح، وهو يحمل اسمه نسبة إلى رجل من الصالحين، ودفن فيه العديد من العلماء الأجلاء ومنهم الشيخ عبد الباقي الراميني والعديد من ثوار 1936، وزرنا بئر (الخزق)، وقد أخذ هذا الاسم بعد أن قصف في عهد إبراهيم باشا، وحدث به (خزق) وهدم، وكما تعرض ومقام الشيخ صالح للقصف في عهد الاحتلال البريطاني في عمليات مطاردة الثوار، فالقائد عبد الرحيم أحمد تواجد فيه وقاد عمليات المقاومة من خلاله، وتجولنا على هذه التلة المرتفعة والتي تكشف الساحل ومنطقة (الخضيرة)، وقرأت الفاتحة على أضرحة الشهداء الثوار الذين استشهدوا في ثورة 1936 وما بعدها، وحقيقة هذه المقبرة مع المقام بحاجة إلى اهتمام كبير، وقد وعد السيد زياد الجعبيتي رئيس البلدية خلال الندوة وحديثي عن المقام بالاهتمام الفوري بالمنطقة، فأقل الواجب تجاه ثوارنا الذين قدموا دماءهم فداء للوطن أن لا نترك اضرحتهم نهباً للعوامل الطبيعية والإهمال، ومقام مثل مقام الشيخ صالح يرتبط بتاريخ تراثي قديم للبلدة وأصبح رمزاً للثورة ويمثل حكايات من تاريخ الوطن، علينا أن نوليه كل اهتمام، ومن هناك زرنا المسجد القديم وهو يحمل اسم المسجد العمري، وهذا الاسم منتشر في العديد من بلدات فلسطين، فقد وجدت مساجد قديمة وتراثية في أكثر من بلدة تحمل الاسم نفسه.
    الحديث عن كفر اللبد لم ينتهِ بعد، فالرحلة في أروقة التراث وحكايات التاريخ كثيرة، وفي الحلقة القادمة سيكون حديث آخر مع روايات عديدة روتها دروب البلدة وحجارتها، وروايات أخرى رواها تل (الشومر) الجميل...

   صباح كرمي جميل في هذا الصباح ويوم الجمعة، أستذكر تفاصيل رحلة الأمس وبلدة كفر اللبد، وأشعر بروحي لم تفارقها وما زالت تجول بها، وأن كفر اللبد عذبت قلبي بقصة حب وعشق جديدة. أحتسي قهوتي وروح طيفي ترافقني، ونستمع معاً لشدو فيروز وهي تشدو:

(ولي فؤاد إذا طال العذاب به

هام اشتياقاً إلى لقيا معذبه

يفديك بالنفس صبٌ لو يكون لهُ

أعزُ من نفسهِ شيءٌ فداكَ بهِ)

صباحكم أجمل مع النسمات الكرمية وعودة قريبة لاستكمال جماليات وتراث وعشق كفر اللبد.

(طولكرم 13/5/2011)


 

6 of 6 Photo(s)

#179 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sat May 28, 2011 6:32 am
Subject: المرشحون لانتخابات اتحاد كتاب الانترنت العرب
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

المرشحون لانتخابات اتحاد كتاب الانترنت العرب

17 مرشحا من كبار الكتاب والفكرين والإعلاميين العرب يترشحون للهيئة الادارية القادمة للاتحاد.


سناجلة: المرحلة القادمة ستشهد انخراط الاتحاد في ثورات الحرية والكرامة والأمل التي تجتاح العالم العربي.

 

عمان- أعلن اتحاد كتاب الانترنت العرب عن قائمة الأسماء التي ترشحت لانتخابات الاتحاد التي ستجري الجمعة 3 حزيران/يونيو القادم. وذلك بعد انتهاء المدة القانوية للترشح في 25 ايار/ مايو الجاري.

وضمت القائمة عددا من أبرز الأدباء والمفكرين والاعلاميين العرب المهتمين بالثقافة الرقمية وكانوا روادا في هذا المجال خلال السنوات الماضية.

حيث ضمت القائمة 17 مرشحا وهم:

د. سعيد يقطين، د. زهور كرام، د. عبده حقي، د. عبدالنور إدريس من المغرب، والدكتور ثائر العذاري، د. معن مشتاق، د. محمد حسين حبيب من العراق، والدكتور السيد نجم، أ. مصطفى عبد الله، أ. حسام عبدالقادر، الروائي منير عتيبة، أ. اشرف الخريبي من مصر. والأديب كمال العيادي من تونس، والأديب زياد الجيوسي من فلسطين. والشاعر موسى حوامدة والمحامي الدكتور غالب شنيكات ومحمد سناجلة من الأردن.

وحسب النظام التأسيسي للاتحاد ستقوم الهيئة العامة المكونة من 600 عضو بانتخاب هيئة ادارية مكونة من 12 عضوا لمدة سنتين قادمتين، اضافة الى مناقشة التقريرين المالي والإداري للاتحاد عن السنتين الفارطتين للهئية الإدارية السابقة.

 

وأكد محمد سناجلة مؤسس الاتحاد ان المرحلة القادمة ستشهد نشاطا كبيرا ومكثفا للاتحاد بما يحقق أهدافه من نشر مفاهيم الرقمية ويرسخ الأدب الرقمي في العالم العربي مشيرا الى ان الكتاب والمفكرين الذين ترشحوا لادارة الاتحاد قادرون على تحقيق ذلك بما يملكونه من رؤى وفكر وقدرة على العمل والانجاز.

واشار سناجلة الى وجود اتصالات حالية بين اعضاء الاتحاد بهدف التوصل لهيئة ادارية منتخبة بالتزكية إن امكن، والا ستذهب الهيئة العامة لانتخابات عبر الانترنت لانتخاب الهيئة الادارية الجديدة من الاسماء التي ترشحت.

وستقام الانتخابات عبر الفضاء الرقمي بشكل كامل وللاتحاد تجارب سابقة ناجحة في تنظيم انتخابات رقمية بالكامل. حيث سيتم توزيع قسائم انتخاب الكترونية على اعضاء الهيئة العامة كافة سيتم تعبئتها وارسالها بالايميل على ان تتولى لجنة الانتخاب فرز الاصوات واعلان النتائج  مساء الثالث من يونيو القادم.

 

واكد سناجلة ان المرحلة القادمة ستشهد انخراط الاتحاد في ثورات الحرية والكرامة والأمل التي تجتاح العالم العربي. موضحا ان الاتحاد هو ابن المستقبل العربي الحر والمشرق وقد تنبأ بكل الثورات الرقمية التي يشهدها الوطن الكبير من محيطه الى خليجه مؤكدا تفاعله الكامل مع هذه الثورات التي تسعى لغد حر ومشرق وموحد للأمة العربية.

 

 




1 of 1 File(s)


#180 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Jun 1, 2011 3:20 am
Subject: صباحكم أجمل/ جنين.. سحر وقصة عشق - الخفقة الثالثة
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ جنين.. سحر وقصة عشق

(الخفقة الثالثة)

 يخفقها: زياد جيوسي

 

هي جنين ورباها ما زالت تواصل سحرها التلقائي، وما زالت تسكب على روحي من الجمال ما يدهشني، فأنظر إلى هذه الروابي والتلال، وأتساءل بيني وبين نفسي: لمَ يذهب الكثيرون ممن يمتلكون المال للسياحة في الخارج ويتركون هذا السحر الخلاب؟

 

 

متحف التراث الفلسطيني في قرية حداد وعدستي

 

أكملنا الطريق باتجاه قرية حداد، وهي مشروع سياحي جميل ومتميز، فجلنا ومضيفيني ومرافقي جولتي المهندسة دينا حمدان مديرة مركز محمود درويش، والعزيز كفاح سرور، رحاب هذا المشروع الخاص الرائع، والذي مثل على هذه التلال المطلة والساحرة نقطة جذب سياحية، وموقع لراحة النفس من خلال أقسامه المختلفة وحدائقه، فمن المسارح وقاعات العرض المغلقة والمفتوحة، إلى برك السباحة النظيفة، بدون إغفال حديقة كبيرة للهو الأطفال والترفيه عنهم، وصولاً إلى فندق نظيف وراقٍ، و(شاليهات) مرتبة لمن يرغب أن يعيش أياماً من الخصوصية، وحدائق غناء واسعة، حتى أن أصحاب القرية لهم بيوت رائعة الجمال والتصميم في القرية نفسها، ولعل الأهم هو وجود متحف للتراث الفلسطيني في القرية على مساحة جيدة، يضم لوحات تمثل صوراً لكل أحداث المنطقة تقريباً، وصور العملات الفلسطينية المستخدمة قبل الاحتلال، إضافة إلى تماثيل تمثل الحياة الشعبية والأزياء التي كانت مستخدمة وتصورها، فمن صناعة الفخار حتى النجارين، مروراً بكل ما يخطر في البال من أدوات تراثية كانت مستخدمة، ومهن كانت منتشرة، فغمرني الفرح وأنا أجول وألتقط الصور، فالكثير منها أذكره في طفولتي، حتى أن الشاب الذي جال فينا أنحاء المتحف سرّ أيما سرور، وصافحني بحرارة حين أنهيت الجولة، متمنياً أن آتي لزيارة أخرى، فقد أعجب بالقصص التي رويتها عن أشخاص مارسوا هذا التراث في طفولتي، وما زالت ذاكرتي تحمل من حكاياتهم الكثير.

 


 

غابات جلقموس وسحرها وعدستي

 

من قرية حداد وجمالها انطلقنا إلى (تلة عابا)، ومن فوق التلال الأثرية كنا نرقب جنين من هذا الارتفاع، والقرى المنتشرة على التلال كنجوم منتشرة ومتلألئة في ليلة ربيعية، لنجول بعدها بين الأشجار والغابات فنصل إلى موقع كان يسيطر عليه الاحتلال ويزرع فيه مستوطنة كان يسميها (جانيم)، في محاولة لسرقة الاسم الأصلي لجنين الذي أسماها إياه أجدادنا الكنعانيون حين أنشأوها وسموها (عين جانيم) ومعناها عين الجنائن، وقد جرى الانسحاب من المستوطنة ضمن الاتفاقيات السابقة، فأتاح هذا الحركة للمواطنين بعد أن كانت المناطق بأكملها محرمة على أبناء الأرض، لنتجه بعد ذلك مباشرة إلى غابات بلدة (جلقموس) في طريقنا لمعانقة جنين من جديد بعد هذه الجولة الطويلة، وهذه البلدة تقع في موقع استراتيجي متميز، واسمها مشتق من اللاتينية وتعني أميرة التلال أو الوردة الحمراء، وهي تربط بين عدة بلدات في شرق جنين، منها بلدات (المغير وأم التوت والمطلة إضافة إلى قربها من قرية حداد السياحية والجامعة العربية الأمريكية)، ويوجد بالقرية العديد من الآثار التي تدل على تاريخها وعراقتها، ولعل ارتفاعها وإحاطتها بالأودية منحها مناخاً متميزاً، وحين مررنا بغاباتها شعرت بكم السحر الذي سكبته على روحي، وشعرت كم نحن مقصرون تجاه وطننا كمؤسسات وأفراد.

أنهيت اليوم الأول من زيارتي لجنين، وعدت في المساء إلى بيت الضيافة لألتقي بأصدقاء قدامى، فقد زارني صديقي أحمد العبوشي الذي لم أراه منذ سنوات طوال برفقة أصدقاء آخرين، لأفاجأ بولده عباس وقد أصبح شاباً يافعاً بعد أن تركته طفلاً، فهمست له: الآن أشعر أن والدك قد شاخ، أما أنا فأعتقد أني ما زلت شاباً، لذا سنكون أنت وأنا أصدقاء، وضحكنا واحتسينا القهوة في مقهى خاص بالشباب، ونمت تلك الليلة بعمق بعد جهد الرحلة من رام الله والتجوال الذي لم يتوقف طوال النهار.

 


 


السوق التراثي وعدستي

 

في الصباح كنت أصحو مبكراً، وبعد احتساء القهوة وشدو فيروز والحمام الصباحي، كنت أغادر بيت الضيافة لأجول الشوارع منفرداً، ألتقط الصور وأتحدث مع الناس، فاستمعت لهموم المواطنين وشكواهم من العديد من الأخطاء، فالسوق القديم يحتاج إلى عناية كبيرة، فهو سوق تراثي وشعبي، والمفترض أن يأخذ دوره كقبلة سياحية في البلدة، وأن يكون له دور مشابه لدور الأسواق الشعبية والتراثية في المدن العربية كأسواق الحميدية في دمشق، أو خان الخليلي في القاهرة وغيرها، فمدخل السوق من تحت المبنى القديم المستخدم كمكتبة للبلدية، لكن لا توجد يافطة تدل عليه، إضافة إلى أن الدرجات القليلة للدخول إلى السوق تقف أمامها باستمرار سيارة مرتفعة تعود للأمن، ما يحجب الرؤية من جانب عن السوق، ولا يجعل الزائر ينتبه لوجود السوق، فأنا في البداية ظننت أن الموقع هو موقع أمني يحرسه الجنود والدورية، فآمل أن تأخذ الدورية مكاناً آخر يبتعد ولو قليلاً عن مدخل السوق، وأن يطور المدخل حتى يشير فوراً إلى أن الموقع سوق تراثي وشعبي، وقد همس لي العديد من التجار أن السوق يفتقد دورات المياه رغم وجود زوايا يمكن أن تستخدم لهذا الغرض مقابل رسوم تغطي نفقاتها، كما أن السوق يفتقد الإضاءة ما حول بعض الزوايا المعتمة فيه وخصوصاً ليلاً إلى مكاره صحية، وأن شركة الكهرباء رغم أنها تأخذ ضريبة مقدرة بنصف شاقل شهرياً بدل إضاءة، إلا أنها لم تصلح خط الكهرباء المعطل، ولم تصلح (كابلات) الطاقة، ولم تغير (لامبات) الإضاءة التالفة، كما أن البلدية وعدت بسقف السوق ولم توفِ بوعدها، والعديد من المحلات حرقت ودمرت بالاجتياحات الإسرائيلية، ولم يعوض أصحابها إلا بمبالغ رمزية جداً، كما أن الاهتمام بتوجيه الوفود التي تزور المدينة لزيارة السوق معدوم، وفي حالات قليلة يأتي بعض الزوار مع المسؤولين في زيارات سريعة، وهذا أدى لإضعاف دور السوق وإمكاناته، فأصبحت نسبة كبيرة منه مغلقة ومستخدمة كمخازن، رغم تاريخية السوق الذي يعود لفترة (فاطمة خاتون)، وتوارثه الأبناء عن أجدادهم، والسيدة فاطمة خاتون هي ابنة محمد بك بن السلطان الملك الأشرف قانصوة الغوري وكانت زوجة للوزير لالا مصطفى باشا في عهد المماليك، أعدت وقفيتها المشهورة سنة 974هـ /1566م وتعتبر وقفيتها من أوسع الوقفيات في التاريخ الإسلامي من حيث مساحة الأرض، وقد أوقفتها على ذريتها ثم أصبح وقفاً عاماً بانقراض الذرية، وقد تركت أثاراً كبيرة في جنين حين مرت بها، بما في ذلك المسجد الكبير الذي سأتحدث عنه لاحقاً.

 

 

مدخل لشارع تجاري والفوضى تجتاحه وعدستي أيضا

 

ملاحظات المواطنين كانت كثيرة، ولعل من أهمها الحفر في الشوارع وافتقاد معظم الأماكن لسلال وحاويات القمامة، وأن (البسطات) في مدخل السوق التجاري وسوق الخضار تحد من الحركة وتحتل الأرصفة، وتؤثر على المحلات التجارية التي تدفع الضرائب والأجور، وقد استمعت لشكاوى متعددة منها أن هناك مدرسة شارعها غير معبد، وأن المدينة تعاني من مشكلات صحية ومشكلات في النظافة، إضافة إلى مشكلات التعليم والبنية التحتية، وأن أسلوب الترقيع لم يعد يجدي، والمدينة بحاجة إلى مشروع متكامل يحل كل مشكلاتها، خصوصاً أن المدينة تواجه شبح أزمة مياه في هذا الصيف، بعد تعطل مضخة البئر الأساس الذي يزود المدينة بالمياه، وأظن أنه بئر السعادة، حيث تعطلت المضخة التي عمرها عام واحد رغم أنها حديثة وكلفت الكثير، وذلك بسبب سوء الإدارة، إضافة إلى تعطل مضخات مياه أخرى، وقد همس لي أحد المواطنين بقوله: المواطن جريح ومتألم، ولكن لديه طاقة على الصبر، ولكن.. إلى متى؟

 

 

مكتبة بلدية جنين وعدستي

 

أنهيت جولتي وواصلت المسير إلى مركز محمود درويش، ومن هناك إلى مكتبة البلدية برفقة المهندسة دينا حمدان، حيث استقبلتنا السيدة ماجدولين حنتولي وزميلتها نهاية فحماوي، وقد تجولت السيدة ماجدولين معي في أرجاء المكتبة، والتي لاحظت أنها تحتاج إلى توسعة وتطوير، ففي عهد بدأنا فيه وهو مرحلة الثورة الرقمية، يجب أن تطور المكتبات بما يتناسب مع هذه الثورة، إضافة إلى أن الدرج الذي يصعد للمكتبة درج قديم ومتعب جداً، وهذا ما يعيق صعود الأطفال من جانب وكبار السن من جانب آخر. وبعد أن أنهينا الجولة احتسينا القهوة مع مدير المكتبة الأخ إسلام معروف وتحدثنا في هموم الثقافة، وبعد إنهاء الجولة طلبت الإذن أن اذهب للراحة قليلاً استعدادا لأمسيتي الأدبية في مؤسسة الكمنجاتي خصوصاً أن الجو كان حاراً جداً على غير عادة.

صباح عابق بجمال جنين وروعة أهلها، أستعيد ذاكرة أمسيتي في جنين واللقاء الرائع مع أهلها ومثقفيها وجمهور من قرائي، وجولة أخرى لبلدة عرابة وسهلها العامر والخصب، وهذا ما سيكون له حديث لاحق في الخفقة الرابعة من خفقات قلبي وجنين، وأهمس لطيفي: سأعترف.. لقد عشقت جنين، فصباحكِ جنيني أجمل وروحك تجالسني قهوة الصباح، وأنظر لأفق عينيكِ، فأنقش على شلال شعر منسدل على الكتفين قصائد عشق وحب، لرائعة هناك في البعيد وهنا هي روح ترافقني السفر وتذوق الجمال، فيهمس طيفي: شكراً لأنّك تجعلني دائماً حاضرة بقوّة بالرّغم من كلّ هذه الزحمة، كم هو جميل أن تجعلني أشاركك طقوسك كلّ صباح زياد، لقد عشقت جنين معك، فلننطلق للحياة ونستمع معا لفيروز تشدو: (وهبة ريح لاقوا الريح، شيلوا معاولكن وهزوها بوجه الريح، لاقوا الريح برقصة حلوة وغنوا مليح، وللجلسة الرضية ببيوت هنية خبوا الغنية).

صباحكم أجمل ولقاء قريب بالخفقة الرابعة من خفقات قلبي وجنين.

(جنين 29/4/2011)

 

 

 


 

5 of 5 Photo(s)

1 of 1 File(s)


#181 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Fri Jun 3, 2011 9:04 pm
Subject: خبر عاجل: سعيد يقطين رئيسا وسناجلة أمينا عاما لاتحاد كتاب الإنترنت العرب
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

سعيد يقطين رئيسا وسناجلة أمينا عاما لاتحاد كتاب الإنترنت العرب

 

عمان- أعلن اتحاد كتاب الإنترنت العرب عن انتخاب هيئة إدارية جديدة للسنتين القادمتين بالتزكية، وذلك بعد التوافق الذي تم بمحبة كبيرة بين الأعضاء الـ 17 المترشحين للهيئة الادارية الرابعة في عمر الاتحاد.

وقد تشكلت الهيئة الإدارية الجديدة من 12 عضوا حسب النظام الأساس للاتحاد حيث تم انتخاب:

·        الدكتور سعيد يقطين رئيسا للاتحاد

·        الأديب محمد سناجلة أمينا عاما للاتحاد

·        الدكتور السيد نجم نائبا أول للرئيس

·        الاستاذ زياد الجيوسي نائبا ثانيا للرئيس

·        الدكتور غالب شنيكات أمينا للصندوق

  • الدكتور ثائر العذاري رئيسا للجنة النقد والترجمة والدراسات الرقمية
  • الدكتورة زهور كرام رئيسة للجنة العضوية ومساعدا لرئيس لجنة النقد والترجمة
  • الأستاذ مصطفى عبدالله رئيسا للدائرة الاعلامية
  • الأستاذ أشرف الخريبي رئيسا للجنة العلاقات العامة
  • الأستاذ عبد حقي رئيسا للجنة الإنترنت والعلاقات الرقمية
  • الدكتور مشتاق عباس معن عضوا
  • الأستاذ موسى حوامدة عضوا

وفي تصريح صحفي خاص للدكتور سعيد يقطين بهذه المناسبة قال:

 "أن يتم تجديد الهيئة الإدارية لاتحاد كتاب الإنترنت العرب في هذا التاريخ ( 3 يونيو 2011) معناه أن الاتحاد ملتزم بتطوير ذاته وبنياته التنظيمية، من جهة،  كما أنه من جهة أخرى  معني بتحقيق تحول ضروري في مساره الثقافي. لقد راكم الاتحاد منذ تأسيسه سنة 2005 إلى الآن تجربة مهمة. وصار للاتحاد حضور متميز في المشهد الثقافي العربي. ويحق له الآن التخطيط لحقبة جديدة تدعم ما تراكم لديه من خبرات وتجارب، وتنحو بها صوب المستقبل".

وأضاف رئيس اتحاد كتاب الانترنت العرب الدكتور يقطين: "يتزامن تجديد الهيئة الإدارية للاتحاد مع تفاعلات الربيع العربي، الذي لعبت فيه وسائل الاتصال الجماهيري دورا هاما. ويؤكد هذا بجلاء الرهانات التي وضعها الاتحاد وهو قيد التأسيس، بإعلانه أننا أمام حقبة جديدة من التواصل والإنتاج والتلقي. كانت دعوة الاتحاد منذ البداية هي العمل على دخول العصر الرقمي وردم الهوة الرقمية. لقد أنجز الاتحاد خطوة جبارة في تأسيس فضاء للتواصل والتفاعل بين الكتاب العرب. وهو مدعو الآن للانتقال إلى إنجاز خطوة أخرى، وتتمثل في الارتقاء بالثقافة الرقمية العربية إلى المستوى المطلوب، وذلك بتطوير الوعي النظري والتطبيقي بآليات وتصورات العمل الرقمي، وفتح نقاش علمي حول مختلف الوسائط المتفاعلة ودورها في المجتمع العربي، ووظيفتها في تطوير علاقتنا بالتراث العربي، وثقافة العصر، بغية جعل الثقافة العربية الجديدة في تفاعل إيجابي مع ما يعتمل في الواقع العربي وتسعى إلى نقله من مستوى إلى آخر يسهم في تعزيز قيم الحوار والتواصل بما يخدم المستقبل العربي". 

من جهته أكد محمد سناجلة مؤسس الاتحاد وأمينه العام "أن الاتحاد بهذه ىالخطوة يمضي قدما في مسيرة ترسيخ الثقافة الرقمية في العالم العربي بعد مرحلة التأسيس، وأن الدكتور يقطين هو خير من يقود الاتحاد في المرحلة القادمة لما يمتلكه من رؤى معرفية وقدرة علمية على أخذ الاتحاد خطوات أبعد وأكثر تأثيرا وفعالية في مسيرة الثقافة العربية التي تواجه الآن تحديات لا مثيل لها، وليس أمامها سوى الانتصار في معركة التقدم والحياة والحرية ضد قوى الليل والعتمة والتخلف والديكتاتورية".

 


 

1 of 1 File(s)


#182 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Jun 8, 2011 4:04 am
Subject: (جمرة الماء) بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 


(جمرة الماء)
بقلم: زياد جيوسي

 

(جمرة الماء) عنوان يلفت النظر إلى قراءته منذ اللحظة الأولى، وحين الغوص داخل المجموعة الشعرية، يكتشف القارئ مدى إصرار الشاعر سميح محسن أن يبقى قابضاً على الجمر بيديه، فالجمر يحرق اليد، بينما الماء يبرّدها، فهل تحوّل الماء في حياة الشاعر إلى جمر؟ هذا السؤال الذي يخطر في البال يحتاج إلى قراءة متعمقة في ثنايا المجموعة للوصول إلى الجواب، ولهذا حرصت أن أقرأ كل جزء منها بتأني، وأربط بين أجزائها، فالمجموعة وعلى غير عادة المجموعات الشعرية التي اعتدنا، كانت موزّعة على ثلاثة أجزاء تحمل ثلاثة عناوين تنقلنا عبر ثلاث محطات:

المحطة الأولى وعنوانها "في توصيف الذي كان":

وهنا نجد الشاعر قد بدأ نصوصه بمخاطبة الشاعر الكبير محمود درويش، من خلال محاورة تستعرض الواقع وتطرح كماً من الأسئلة تبدأ بالسؤال: "لنا أم لهم"، ليكمل من خلال الأسئلة البحث في معاناة شعب عبر تاريخ طويل، فهو يسأل روح الراحل، ولكنه يخاطبنا جميعاً من خلال السؤال:

"لنا، أم لهم، حزمةُ الضوءِ، يا سيد القول"

"لنا، أم لهم، حكمةُ الجري وراء السؤال العنيد"

ليعطي الجواب الذي وصل إليه عبر القول: "لذا نحن هذي الحياةَ، وهم كل ما يفعلون"، بعد أن يستعرض عبر وصف شعري الواقع والمسيرة، من صناعة الفرح في الجنازات، وحتى تحويل القبور قلاعاً كي تكون "شواهدَ في وجهِ من ركبوا في الزمان البحارَ، وجاءوا غزاة إلينا"، ليواصل طريقه في رحلة توصيف الذي كان، ففي قصيدة (يمامٌ يحطّ على ظهر جميزة)، يروي رواية حزيران والهزيمة وما تلاها في رواية شعرية، يصور فيها الحدث، وكيف نفتّش عن مشجب نعلّق عليه هزائمنا، ويرسم صورة ما جرى بدون رتوش، ويلامس الروح مباشرة، ويعيد الذاكرة لمن واكب تلك الحرب، لينقلنا مباشرة إلى معركة أخرى؛ الهجوم الإسرائيلي على غزة واستشهاد وإصابة الآلاف فيها، بمجزرة قلّ وصفها، وساهم بها الجنون الداخلي، فيصف صوراً إنسانية "حين تكون النهايةُ في حجرِ أمٌ، وطفلٌ، وطائرةٌ، تزرع الموت في كل مكان"، فيصف استشهاد الأطفال، وبكاء الأم، والقتل على شواطئ بحر غزة وفي مياهه، ويخاطب الذين ضمتهم الغربة واللجوء، ويخاطب الأصدقاء، وكيف يخرج الجند لقتلنا "فقد أخذوا رخصة القتل، قبل الخروج من القاعدة".

ينقلنا الشاعر من أجواء الموت والغربة إلى أجواء الأسرى؛ غرف العزل، ومعاناة السجين وأحلامه، ويرى رغم كل هذه الصورة المعتمة فجراً آتياً، فهو يرى أنه على شواطئنا "يغتسلُ الماءُ في ساعةِ الفجر، قبل الآذانِ بوقتٍ قصيرٍ، بماء الحياة"، ويحلم أنه سيأتي "نهرٌ يسيلُ ويغسل ما كوّنته الطحالبُ، من عفنٍ في ثنايا الغبار"، رغم أن ما يسمّونه العالم الحر يغمض عينيه عن الأطفال وأوجاعهم في ردهات المشافي، ورغماً عن الذين "أتوا من بحارِ البلادِ البعيدة، في ليل أيارَ يغتسلون بنارِ البراءةِ"، وهو يؤمن بأننا  "سنبني على رجفةِ الروحِ ساريةً في الأعالي، ونكتب أغنيةً من غُسانِ القلوبِ".

المحطة الثانية وعنوانها: (جمرة الماء):

وفي هذا الجزء بدأت رواية أخرى؛ رواية شعرية تصور مرحلة أخرى من مراحل الحكاية، فهنا الفرح بدأ يرتسم، فمن ضحكات المقاهي يجري اشتقاق "أغاني الحصاد"، وهناك "على جمرة الماء أغنيةٌ لم يطلها الكلام"، حيث "على العشب تمشي القصائد"، وهذا الجزء هو الأقل مساحة من مساحات المجموعة، فهل لحظات الفرح في ظل مسيرة الألم هي الأقل، فكانت المساحة أقل رغم حجم الأمل فيها؟ مع ملاحظة أن عنوان المجموعة كان عنوان هذا الجزء، وهي إشارة ايجابية تشير إلى أن الفرح هو الحلم الذي يحلم به الشاعر رغم كل العتمة المحيطة.

المحطة الثالثة وعنوانها: "عن البحث في المكنون– أقرب إلى السيرة الذاتية):

إن عنوان هذا الجزء يشي بالمكنون، وإن رأيت فيه إضافة بعض من لمحات السيرة الذاتية. إنه يبحث في بعض محطاته في فلسفة الوجود وسر الخلق، فهو يقول: "أنا، من أنا، لست أدري"، بينما في مقطع سابق يقول: "أنا نطفة من علق، أكون، لأقسم باللهِ رب الفلق"، ويتساءل في نص آخر: "هل للحياة خِيار؟"، ويتساءل أيضاً: "قطرة الماء حياةٌ، والدم الممزوج بالأوجاعِ.. ماذا؟"، ويواصل سيل الأسئلة عن كيف يكون البكاء، وكيف يكون العويل، وعن حبة الرمل، ومن يؤنس وحدة الجبل، ويصور صور عدة تثير السؤال، كلها يمكن أن تدخل في إطار تساؤلات فلسفية.

بينما في لمحات أقرب إلى السيرة الذاتية تحدّث شِعراً عن مرحلة صعبة فيقول: "على من يضيق قميصي الجديد، ليصبح لي؟ ويصور مرحلة لاحقة حين يؤكد أنه رغم خوفه من الكلاب، لا يتوقف عن نبش عش الدبابير، في إشارة واضحة إلى مرحلة نضالية، ولا يتوانى عن الحديث عن مرحلة الدراسة في الطفولة، وعن أسلوب العيش في مراحل مختلفة، وعن وصف الكذب وادعاءات النصر في نشرات أحمد سعيد في حرب حزيران، بينما رأى على أرض  الواقع: "لقد سقطت في الظلام البلاد، وتاه العباد"، ولا يغفل الجانب السياسي الذي فرض نفسه على الواقع، فهو يصوره بجوانبه المختلفة؛ الزعامات، والشيوخ، وادعاءات النصر الكاذبة، ويخشى أن يحط الحمام على شاهد قبره ويبكي، فيتساءل: "فماذا سيفعل فينا الغراب"، منهياً هذه المسيرة باتخاذ القرار أن يبدأ حياة جديدة بقوله: "سأخرج من لعبة السردِ، أفتح نافذة القلبِ، تعبرُ من شفتيها الرياحُ، إلى عددٍ لا يحده الموت". 

وهكذا نرى أن الشاعر قد تمكن أن يرسم حكايات شعب، ومجمل هذه الحكايات شكلت بمجموعها رواية شعرية، لم تترك نبضة من نبضات شرايين الدم، وأنات الأرض بدون أن ترويها، وقد كانت معظم القصائد تشكل حالة متميزة من الأسلوب الشعري، سواءٌ في رسم اللوحات بالكلمات، أو جزالة اللغة وقوتها، إضافة إلى تمكنه من إثارة العديد من التساؤلات الفلسفية.

أما حول أسلوب الشِّعر فلم يكن الشِّعر خفيفاً، بل كان من القوة في العديد من القصائد، بحيث يجبر القارئ أن يكون في قمة تركيزه كي يصل إلى أعماق الكلمات، وأن يبحث فيما وراء السطور، والقارئ حين يكمل المجموعة يكتشف حجم الثقافة والحصيلة اللغوية لدى الشاعر، ومدى قدرة نزفه الروحي أن يترك أثره في المشاعر، وقد يقول البعض إن الأسلوب قد تأثر في بعض المناحي بشعر شعراء آخرين، لكني أرى أن حجم المطالعة والقراءة والثقافة أوجدت عنده مخزوناً كبيراً، شكلت لدى الشاعر قدرة كبيرة في رسم مدرسته الشِّعرية وتميزها، مستفيداً من تجارب ومدارس الشعراء الكبار، فكان سميح محسن في (جمرة الماء) حالةً من التحليق والإبداع. 

(رام الله 12/4/2011)

  

 

1 of 1 Photo(s)

#183 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Tue Jun 21, 2011 4:33 am
Subject: صباحكم أجمل/ عرابة.. عبق جِنينيٌّ آخر (الخفقة الرابعة)
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ عرابة.. عبق جِنينيٌّ آخر

(الخفقة الرابعة)

يخفقها: زياد جيوسي




جنين الجمال والبهاء – عدسة: زياد جيوسي


   ما زالت جنين تشدني! أستعيد ذكرى كل لحظة قضيتها في ربوعها، حيث السحر والجمال، وكان موعدي مساء الأربعاء للقاء مع قرائي الرائعين في الأمسية الأدبية التي دعيت إليها من قبل مركز محمود درويش الثقافي، وفي الموعد كنت في القاعة أستقبل قراء أعرفهم وآخرين لم ألتقي بهم، وأصدقاء حضروا من البعيد وشاركوني الفرح، وكالعادة فقد غابت دائرة الثقافة ممثلة الوزارة في المحافظة، وغابت معها باقي المؤسسات الرسمية المدعوة، فابتسمت وقلت: فرصة أن يكون الجمهور من المهتمين والمواطنين، فهذا سيعفيني من الصدام مع بعضهم، خصوصاً وأنني سأتحدث بشكل خاص عن التراث والمناطق الأثرية في الوطن، معتمداً على تجربتي وجولاتي وعرض للصور التي التقطتها عدستي، وهذا لا يعجب العديد من ممثلي المؤسسات الرسمية، فقد سبق أن اصطدمت أكثر من مرة ببعضهم حين كنت أتحدث، فيظهر أن استيعاب النقد حتى لو كان إيجابياً ما زال خارج ثقافتنا.

 غابت المؤسسات الرسمية وخصوصاً التي مهماتها الثقافة، ولكن هذا لم يزعجني أبداً، فليس أجمل من لقاء قراء عرفوني من خلال حرفي وعدسة تصويري. كانت القاعة تغص بالحضور الجميل، وشاركني الأمسية أطفال مؤسسة الكمنجاتي بالمعزوفات بين الفقرات، فأضافوا بإبداعهم الكثير من الجمال والروعة، وبعد أن قدمتني المهندسة دينا حمدان للحضور الكريم، قرأت عدداً من نصوصي التي تتماهى بين نثري وشِعر الشعراء.

   تلا ذلك حديث عن تجربة مقالات (صباحكم أجمل) من بداياتها في العام 2004، مترافقاً مع عرض للصور لعدة بلدات فلسطينية زرتها ووثقتها حرفاً وصورة، ليَلي ذلك نقاش طويل مع الجمهور والحضور، وكان لافتاً للنظر الحضور النسائي الجميل الذي قاد معظم الحوار والمناقشات، وقد أعجبني جداً مستوى الوعي والثقافة لدى الحضور الذين كانوا من مستويات أعمار مختلفة، وأعجبني الحوار والملاحظات النقدية، وشعرت بألم العديد من الحضور حين تحدثوا عن رام الله وكيف يرون أنها استلبت معظم الأشياء بما فيها الكتاب والشعراء والمؤسسات وأن باقي المحافظات تعاني من الإهمال ما استدعاني للتوضيح أن علاقتي مع رام الله تعود لطفولتي بها وأثرها على روحي، وليست مسالة سياسية، وتأثير دور المدرسة على صقل شخصيتي وتوجيهي من خلال مدرسين عظام نحو الأدب والثقافة.

   ساعتين ونصف استمر اللقاء مع أهل جنين وروعتهم بدون توقف، إلا بعض الراحة والتحليق مع عزف أطفال الكمنجاتي وجهود إياد ستيتي الواضحة عليهم، لأغادر بعدها مع صديقي عبد الرؤوف جرار لزيارة بيته واللقاء مع أبنائه الذين حملت بعضهم وهم أطفال لأجدهم الآن قد كبروا، ثم جولة مسائية في أنحاء البلدة، حيث وصلنا إلى بلدة (الجلمة) من ناحية، ونفق (بلعما) من ناحية أخرى، واستعدنا ذكرياتنا أيام كنا نقطن عمان، فتمتعت بالنسمات الحلوة بعد حر النهار، وعلى وعد أن نلتقي عصر الجمعة قبل مغادرتي جنين لزيارة بعض الأماكن، لأعود وارتاح بعد أن أصر أن نتناول العشاء معاً، استعداداً لزيارة عرابة في اليوم التالي الخميس.




عرابة ترحب بكم – عدسة: زياد جيوسي


   صباح الخميس كنت أخرج باكراً أجول في الدروب والشوارع، وألتقط الصور وأسجل الملاحظات التي أسمعها، وكان الجو ينذر بالمطر بعد ارتفاع الحرارة يوم الأربعاء، وفي ذلك اليوم استمعت لملاحظات عديدة من العديد من العاملين في البلدية، فكل من التقيتهم كانوا يتذمرون من مشكلة ما عرف تحت عنوان (التسكين الوظيفي)، فهي مشكلة يعانون منها منذ أكثر من عام، ويعيشون بسببها في قلق كبير، فلا أحد يعرف كيف تتم الأمور، وقد أبدى الكثير ملاحظات حول وجود محسوبيات وحسابات فصائلية تؤدي إلى وضع أشخاص غير مناسبين في مواقع لا علاقة لها بالمؤهلات والخبرة، واستمعت لقصص كثيرة بحاجة إلى تدقيق وتحقيق، إضافة إلى حديث حول أن البلدية تفكر بإلغاء مركز محمود درويش الثقافي، ولا تقدم أي شكل من الدعم المادي لنشاطات المركز، بينما الأصل أن البلديات تحمل رسالة كبيرة، والنهوض بالعمل الثقافي يخصص له موازنة خاصة في البلديات، وأعتقد أن هذه المسائل بحاجة إلى اهتمام كبير من قبل الوزارة المسئولة حتى لا يظلم أحد.

   حين الظهر تناولت الغداء برفقة المهندسة دينا حمدان مديرة المركز، والعزيز كفاح سرور من إدارة المركز  في أحد مطاعم جنين،  وكانت الأمطار قد بدأت بالهطول بقوة، وقد لاحظت للمرة الرابعة أن العصائر التي تقدم في هذه المطاعم إسرائيلية الصنع، وحين كنت أطلب صناعة محلية وعربية أواجه بالاعتذار، أو يحضرون لي عصيراً محلياً من أحد البقالات القريبة، فهل الصناعة الوطنية معيبة؟ هذا ليس لائقاً بمدينة قدمت عبر تاريخها هذا العدد الكبير من الشهداء، فأين الحس الوطني بمقاطعة المنتجات التي ينتجها الاحتلال؟ علماً أن أسعار الفواكه في جنين جداً متواضعة مقارنة بمناطق أخرى، فيمكن تقديم العصائر الطازجة من منتجات وخيرات أرضنا، أو من نتاج مصانع وطنية، وأن لا ندعم منتجات العدو التي يحيلها لدعم جيشه ومستوطنيه، والاستيلاء على الأرض، وتهويد القدس التي تصرخ ليل نهار: وامعتصماه.. ومعتصمو العصر لا يسمعون.

  احتسينا القهوة بعد الغداء في منـزل والد المهندسة دينا حمدان، وكان لقاء جميل مع هذا الرجل الذاكرة، فمربي الأجيال أبي الراغب (نهاد حمدان)، شخصية موسوعية وصاحب ذاكرة متقدة، وهو الذي عانى من الاحتلال ومنع من التدريس وأحيل للتقاعد تعسفياً من العدو بسبب مواقفه وصلابتها، وكم كان بودي أن أجالسه أكثر وأستمع لأحاديث أكثر، لكننا تأخرنا عن مضيفينا في عرابة.





عرابة التاريخ والحكاية – عدسة: زياد جيوسي


   ما أن أطللنا على سهول عرابة الخضراء، حتى شعرت بها تطوقني بالجمال والسحر، ورغم أنني لم أزرها سابقاً، إلا أنها مرتبطة بذاكرتي بالكثير، فهي بلدة عريقة الجذور، وعرفت منها العديد من الأشخاص ومعظمهم من المناضلين المشهود لهم، منهم من استشهد ومنهم من ما زال يواصل المسيرة، وضمتني مع الكثيرون منهم المعتقلات والسجون، ولعل الرابط الأكثر من بين الأصدقاء صديقي الشاب الشاعر عبد السلام العطاري، فهو كان لا يكف عن الحديث عن عرابة وسهولها وهضابها وبئر دوثان وطريق القوافل وجبل مهرون، وعن قصص كثيرة، ويهمس لي: متى حلت مشكلتك الأمنية واستطعت الحركة خارج رام الله، ستكون زيارتك الأولى لعرابة، وطبعا كالعادة لم يلتزم، فزرت عرابة بدون علمه، لأتصل به من نقطة مرتفعة فيها وأقول له: أنا في عرابة بلدتك يا (ولدي العاق)، فهل تريد شيئاً من أهلك؟  فصرخ كعادته اللطيفة وقال: أخ يا عطاري.. (انفضحت مع الجيوسي)، وضحكنا بفرح ضحكة من رام الله حتى عرابة.

   عرابة، وتلفظ بفتح أول حرف فيها وتشديد الثاني بلدة تمد جذورها عبر التاريخ، وهي في الأصل تقع على ربوة مرتفعة، ومع التوسع العمراني والزيادة السكانية امتدت مساحة البناء فيها على حساب الأرض الزراعية، وهي كانت ولم تزل من كبريات بلدات محافظة جنين، وهي من أقدم المناطق التي نشأت في المنطقة، فيعود تاريخها إلى عهد المؤابيين، وهم وحسب المؤرخ عبد الوهاب المسيري: (المؤابيون ساميون يرجع تاريخ استقرارهم في فلسطين إلى أواخر القرن الرابع عشر قبل الميلاد، أي أنهم أسبق من القبائل العبرانية بزمن طويل في فلسطين، وكان المؤابيون في البداية، مجموعة من القبائل المنقسمة؛ لكنهم كوَّنوا مملكة متحدة قامت في الربع الأخير من القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وذلك في فترة فقدت فيها مصر سيطرتها على فلسطين، وقبل أن تكون القوة الآشورية قد ظهرت بعد. وبلغت مملكتهم منـزلة رفيعة مع مطلع القرن التاسع قبل الميلاد، فدخلوا في حروب كثيرة مع جيرانهم (العموريين وغيرهم). وكان بين المؤابيين والعبرانيين حروب كثيرة. وقد بدأ الصراع حينـما منـع المؤابيون القـبائل العـبرانية من المرور بأراضيهم إلى فلسطين. وخضع العبرانيون لحكم ملك مؤاب مدة ثماني عشرة سنة في عصر القضاة، وكان مقرُّ الملك هو أريحا).

   وما أن تجاوزنا سهل عرابة حتى كان قوس حجري منقوش عليه: (عرابة ترحب بكم)، فهمست لنفسي بصوت مسموع: وأخيراً التقيك يا عرابة، وتذكرت همس صديقي الشاعر عبد السلام العطاري ابن عرابة وهو يهمس:

((عرّابة... التي وشمت على تلالِها خُضرةَ (بعلٍ) وجمال (عَنات) وصلابةَ (عوج بن عناق)... تستحق أن تبقى نشيدي اليومي، لانها ترفع اسمنا الكنعاني وشماً مطرزاً بحناء مرج بني عامر وسنابلِه العاشقة لتحانينَ المناجلِ وتراويدِ الحصاد))  .



عرابة: نور على نور – عدسة: زياد جيوسي


 وكان الجو مشمساً منذ غادرنا جنين إلى عرابة، لكن ما أن أوقفت المهندسة دينا السيارة وبدأنا التجوال في بداية البلدة القديمة، حتى بدأ المطر ينهمر بهدوء ليشتد بعدها، فقلت للمهندسة دينا والعزيز كفاح: استظلوا من المطر تحت تلك الشرفة، وواصلت مسيرتي تحت المطر بفرح، ألتقط الصور وأشعر بالتطهر الروحي ما بين قطرات المطر المنهمرة وعبق التاريخ، وأتأمل هذا الزقاق المبلط والأبنية المرممة وغير المرممة، وكنت أشعر بدهشة الطفل وفرحه في يوم عيد، حتى أبصرت ثلاثة أشخاص يقفون أمام المسجد مستظلين من المطر، وحين اقتربت منهم ناداني أحدهم وتبين لاحقاً أنه الفنان التشكيلي محمد شحادة: هل أنت الكاتب زياد جيوسي؟ فدهشت وقلت له: نعم أنا هو. فرحب بي وعرفني إلى صحبه الشاعر هشام أبو صلاح، والأستاذ سعيد حجة، وسألني: أين المهندسة دينا والأخ كفاح؟ فضحكت وقلت: لقد ذابوا تحت المطر..

   صباح جنيني آخر، أستعد فيه لمغادرة جنين والعودة إلى رام الله. أكتب واشعر أني أنزف بعضاً من روحي. يهمس لي طيفي الذي لا يفارقني: لقد حذرتك رام الله أن لا تقع في عشق جنين، لكن قلبك كان أضعف من احتمال سِحرها، ألم تقل لك: احذر أن تستلبك جنين مني، فتعشقها، وتوقعك في سِحرها. فهمست لها: وهل تمتلك جنين كـل هذه القدرة؟ فابتسمت وقالت: وهل زارها أحد منذ جدك كنعان ولم يقع في حبائل سِحرها والعشق؟ وها أنت الآن عاشق تزداد خفقات قلبه في كل لحظة.

 أقف إلى النافذة أحتسي القهوة وألقي نظرة الوداع على البلدة القديمة وأهمس لها: ما زالت خفقات القلب لم تتوقف، وفي الخفقة الخامسة القادمة سأكمل همسات عرابة والتاريخ، وسأعود إليك من جديد، وأستمع وطيفي لشدو فيروز وهي تشدو: (أنا صار لازم ودعكن وخبركن عني، أنا كل القصة لو منكن ما كنت بغني، غنينا أغاني ع وراق غنية لواحد مشتاق، ودايمن بالآخر في أخر في وقت فراق، يا جماعة لازم خبركن هالقصة عني، أنا كل شي بقولو عم حسو وعم يطلع مني، بكرا برجع بوقف معكن إذا مش بكرا البعدو أكيد، أنتو أحكولي وأنا بسمعكن حتى لو الصوت بعيد، كل ليلة بغني بمدينة وبحمل صوتي وبمشي ع طول).

صباحكم أجمل حتى نلتقي في الخفقة الخامسة من خفقات جنين وحكايات عرابة.

(جنين – السبت 30/4/2011)



 

4 of 4 Photo(s)

#184 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Jul 7, 2011 7:46 am
Subject: صباحكم أجمل/ كفر اللبد وعبق الشومر الحلقة الثانية
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 



صباحكم أجمل/ كفر اللبد وعبق الشومر

الحلقة الثانية

بقلم: زياد جيوسي

 

حين وقفت على تل مقام الشيخ صالح، كنت أنظر نحو الغرب والساحل، وأتنسم النسمات الغربية الآتية من بحرنا المستلب، وأهمس لنفسي: متى ستلفظهم الشواطئ وتستقبل النوارس التي هُجرت؟ وبعد وقفة ربما لم ينتبه صحبي للألم الذي كان يعتصرني، مررنا من بين الأزقة التي تروي الحكايات، لنلتقي بسيارة البلدية التي سيتجشم سائقها عناء نقلنا إلى تلة شومر، وما أن دخلنا السيارة حتى كان صوت العرب من القاهرة يتصل بي كالمعتاد ليجري معي حديثاً، فتحدثت؛ وعرّفت المذيع إلى صحبي عبر الهاتف، وسجل معهم بعض الأحاديث أيضاً حول ذكرى الهزيمة التي سميناها (نكبة)، وفقداننا الوطن، فأوقفت السيارة، واستغل السائق الطيب انشغالي بالحديث لينـزل ويحضر لنا العصير والماء، وهذه بعض من سمات الطيبة والكرم عند أهل كفر اللبد.

 

 

زياد جيوسي وخالد الهمشري في الكنيسة الرومانية

 في تلة الشومر بعدسة سامح صقر

 

صعدت بنا السيارة في طريق صعب جداً، ولولا أن السيارة ذات دفع رباعي ومصممة لمثل هذه الجبال، لكان يستحيل صعودها، لكني لم أشعر بصعوبة الطريق كثيراً، فقد كنت أتأمل التلال والطبيعة الخلابة وسحرها، والتقط الصور من خلال النافذة، وأستمع لشروحات صديقي خالد الهمشري عن المنطقة والعصور التي مرت بها، فهو بحكم دراسته للآثار وعمله كمدير لمتاحف الشمال يمتلك معلومات جيدة ومفيدة، بينما الأحبة الذين رافقوني الجولة متطوعين من أبناء البلدة وهم سامح صقر ونشأت محفوظ ومروان محمد حسن، يعرفون عن واقعها وحاضرها الكثير، واستمعت منهم لأحاديث لطيفة عن زيارات لهم للمنطقة، وكانوا يتخوفون أن تأتينا دوريات الاحتلال، فقد استولى الاحتلال على تلة بتلك المنطقة جعل منها محطة اتصالات، وفي مقابلها استولى على مساحات واسعة من الأرض وأنشأ مستوطنة (عناب)، في محاولة أخرى لتزوير التاريخ والاستيلاء على اسم (عنبتا)، وهي التي تحمل الاسم الآرامي الذي يعني قرية العنب، كما استولى على أراض أخرى وأنشأ مستوطنة أطلق عليها اسم (عيناف).

 

 

الهمشري يشرح وأنا أسجل الملاحظات ونشأت يستمع عن سرقة الفسيفساء من قبل الاحتلال وعدسة سامح صقر


توقفت السيارة التي تقلنا إلى أقرب نقطة سنصعد منها إلى القلعة الرومانية، والتي كانت في الأصل المبنى الإداري للحاكم الروماني للمنطقة، ثم تحولت إلى كنيسة رومانية بكل تفاصيلها، ولذا تسمى التلة أيضاً (خلة الكنيسة)، حيث المدرجات في قاعة الكنيسة، ومحرابها في الشرق، وساحاتها كانت مرصعة بأجمل أنواع الفسيفساء الملون، والتي قام بسرقتها الاحتلال بأكملها مدعيا أنها آثار إسرائيلية، ويقوم بعرضها الآن في متحف (تل أبيب) المقام على أرض تل الربيع الفلسطينية بجوار يافا، وحين بدأت بالصعود وصحبي كان السؤال في ذهني حول سبب التسمية (رأس الشومر)، ولكن سرعان ما زال التساؤل، فعبق نبتة الشومر أو الشمر كما تسمى في مناطق أخرى كان يفوح بالأرجاء، ففي هذه المنطقة تنبت هذه النبتة بكثافة بدون زراعة، وبالتالي تكون بأجمل نكهة طبيعية لها وبدون أسمدة، فهي هبة من الله لأبناء المنطقة، وقد اختار المعهد الألماني لتاريخ الطب، التابع لجامعة فورتسبورج الواقعة في ولاية بافاريا نبات الشومر ليكون النبتة الطبية للعام 2009.

 

 

القلعة الرومانية في خربة سماره وعدستي لا تتوقف عن التصوير
وعدسة سامح صقر

 

تجولنا في المنطقة، وكانت النسمات الغربية تهب علينا فتريحنا من تعب الصعود، وتجولنا في المكان، وشاهدنا آبار المياه القديمة، كما شاهدنا بقايا الفسيفساء، وشاهدنا المقابر الأثرية التي تحمل اسم (أبو لوقا)، ويلاحظ أن الاسم مسيحي وهذا ينفي أي وجود للإسرائيليين في المنطقة. إضافة إلى أن كل الشواهد والآثار لا صلة لها بهم أبداً، وأكملنا التجوال في (خربة سمارة) حيث الآثار الرومانية ما زالت بقاياها قائمة، فتجولناها جميعها، وشاهدت بقايا الأبراج والأسوار والبوابات بطرفي الحصن، فمنها من هو للمشاة ومنها ما هو للعربات، والمنطقة يوجد بها فوهات كثيرة لآبار المياه، وكان الشاب الطيب مروان محمد حسن يعرفها بالكامل، فينبهني كي لا أسقط بها، وأطعمني عدة مرات من عروق نبتة الشومر، فترك في روحي أثرا طيبا لطيبته.

بدأنا بالتحرك لمغادرة المكان، وقد شدد المزارعين المتواجدين في المنطقة أن يستضيفونا لنشرب الشاي من على نيران الحطب، لكننا اعتذرنا لضيق الوقت، وصعدنا التلة سيراً على الأقدام، وكان الهواء منعشاً رغم أن الوقت قارب منتصف النهار، وقد سررت أن وجدت أن أحد المواطنين قد رمم بيتاً قديماً وتراثياً على رأس تلة وأحاطه بالأشجار والورود، وأحاله إلى نقطة تجمعه مع لقاءات أسرته وضيوفه بين الوقت والآخر، وانحدرنا للوادي حيث كانت السيارات تنتظرنا للذهاب لدعوة الغداء التي أقامها مجلس البلدية، فصعدت بالسيارة مع الأخ عبد الخالق جبارة مدير بلدية طولكرم برفقة صديقي خالد الهمشري، وصعد صحبي بسيارة البلدية، لنتناول (المسخن) الوجبة التقليدية الرائعة في قاعة مبنى المجلس البلدي، وأحاديث على هامش الغداء مع العزيز زياد الجعبيتي ورئيس المجلس والحضور، وبعد الغداء غادرت برفقة أبو إبراهيم إلى عنبتا حيث ارتحنا قليلاً في بيت الأخ أبي فراس وزوجته السيدة سوسن نجيب المنتمية لبلدتها ووطنها إلى درجة الذوبان، لنعود في الخامسة إلى كفر اللبد واللقاء الأدبي والفني، وقد غمرني فيه أهلي في كفر اللبد بمحبتهم.





شكرا لسامح الذي وثق زيارتي بعدسته وأنا أجول

 أمام القلعة الرومانية في خربة سماره

 

في قاعة البلدية الرحبة والمجهزة كان اللقاء الأدبي لي مع أهل كفر اللبد، وكان العلم الفلسطيني يغطي الواجهة بالكامل، وفي مستطيله الأبيض كانت عبارة الترحيب بي بحجم كبير، ما كاد يسقط دمعات فرح من عيني، وبعد ترحاب كبير من أهل البلدة والحضور رحب بنا الأخ كفاح صبحة عريف الحفل، لنقف بعدها باحترام للسلام الوطني ونقرأ الفاتحة على أرواح الشهداء، ونستمع لتلاوة من القرآن الكريم، ومن ثم رحب بنا رئيس البلدية الأخ زياد جعبيتي، وقدمتني للجمهور، وتحدثت عن سيرتي الذاتية الأخت حنان جبارة أمينة متحف طولكرم، ثم قدم السيد خالد الهمشري مدير متاحف الشمال نبذه عن آثار طولكرم، ليلي ذلك حديث مرفق بعرض الصور على الشاشة عن تجربة صباحكم أجمل والأماكن التراثية والتاريخية التي زرتها في الوطن، ومنها عنبتا وجنين والجيب واسكاكا والعديد من البلدات، مركزا على أهمية المحافظة على التراث والتاريخ والذاكرة، وتحدثت عن الذاكرة التي يحتفظ بها كبار السن وضرورة تسجيلها، وأشرت إلى منطقة المقام وضرورة المحافظة عليها وتنظيفها، ومما أفرح قلبي أن القرارات من رئيس المجلس بخصوص ما ذكرته اتخذت فوراً، وآمل فعلا أن يكون تم الاهتمام والتنفيذ، وكان من الجميل أن مشاركات ونقاشات من المغتربين تمت عبر الشبكة العنكبوتية، فكان المغتربون وأهل البلدة والضيوف جميعاً مشاركين في هذا اللقاء الذي ابرز كم أن أهل كفر اللبد يعشقون بلدتهم الوادعة الجميلة.

وبعد اللقاء الأدبي فوجئت بحفل فني ترحيب بوجودي من فرقة الدبكة التي أبدعت وأثارت حماسي للمشاركة والحضور في الدبكة الجميلة، وقد لمست كم هذه الفرقة مميزة ومبذول عليها جهد كبير، وآمل أن تلتفت لها وزارة الثقافة ووزارة السياحة في اللقاءات والأمسيات، وفي مهرجانات الثقافة والسياحة في داخل الوطن وخارجه.

قبل أن أودع كفر اللبد تحدثت مع عدد من شباب البلدة، واستمعت لأمالهم وأحلامهم، ولمست كم هم يعشقون بلدتهم ويهتمون بها، وقد كان من مجال فرحي حديث مع الأخ أمين برهوش أمين سر مؤسسة الشيخ حسن للثقافة والعلوم، وقد تمت تسميتها نسبة للأسير الفلسطيني الشيخ حسن اللبدي الذي أسر وحكم عليه بالإعدام في العام 1942 في عهد الانتداب البريطاني حين قاوم الجنود البريطانيين الذين دنسوا الأقصى، وقتل ضابطاً بريطانياً، وخفض حكمه للمؤبد بعد الضجة التي ثارت، وبقي في المعتقلات الإسرائيلية بعد انتهاء الانتداب البريطاني، بدون أن يعرف عنه أحد شيئاً، وبعد الحرب في العام 1967 تمكنوا بعد معاناة طويلة من العثور عليه، وبعد معاناة أكبر استمرت حتى العام 1983 تمكنوا من الحصول على قرار للإفراج عنه بحكم تردي أوضاعه الصحية، وأعادوه لهم بأوضاع صحية ونفسية سيئة بعد أن تجاوز الثمانين عاماً قضى أكثر من نصفها في الأسر، دون أن يتاح له الاطلاع على أية أحداث في العالم أو قراءة صحيفة، فخرج للحرية وقد توقف الزمان لديه منذ فترة طويلة، حتى انتقلت روحه إلى الرفيق الأعلى.

وهذه الجمعية تهتم بقضايا الأسرى عامة وأسرى كفر اللبد خاصة، من خلال الإعلام والمؤسسات التي تعنى بحقوق الإنسان، وتهدف لجمع تراث الأسرى وكتبهم، وتعمل على بناء مكتبة متخصصة، والاهتمام بأهالي الأسرى وأسرهم، وقد اشتقت اسمها من الشهيد الأسير الشيخ حسن اللبدي، تكريماً له وتكريماً لكل الأسرى ووفاءً لهم.

غادرت كفر اللبد ومشاعر مختلفة تسود روحي، ما بين الفرح الذي غمرني به أهل كفر اللبد، وما بين مشاعر الم أنني مضطر للمغادرة تاركاً بعض من روحي فيها، فعدت لطولكرم لبيت أخي، وفي اليوم التالي أصر أصدقائي أبو فراس وزوجته سوسن نجيب على أن أتناول الغداء عندهم، وكالعادة أبدعت السيدة سوسن بطبخة (العكوب) التي أحبها وأطعمة أخرى، فشكرتهم وعدت إلى طولكرم بعد أن غمروني بمشاعرهم وطيبتهم وكرمهم، لأغادر صباح السبت إلى رام الله مع شقيقي الأكبر وسيم بسيارته، فينسكب المطر مدراراً علينا طوال الطريق.

صباح راميّ جميل مع همسات طيفي الروحية من البعيد، أذكر وطني وذكرى احتلاله فيما اصطلح عليه بعام النكبة في مثل هذا اليوم وأهمس: لا بد من الحرية يوماً وموعدنا معها الصبح، أليس الصبح بقريب؟ أحتسي قهوتي مع هديل الحمام الذي يحط على نافذتي وأحواض زرعتها بالورود والنعناع، أستعيد رحلتي إلى بلدة كفر اللبد بتفاصيلها أمكنة وبشر، فأهمس: ما أجملك يا وطني من شمالك إلى جنوبك ومن شرقك إلى غربك، ما أجمل كفر اللبد وما أطيب أهلها، وحقيقة أشعر أن كفر اللبد استلبت روحي، فأهمس لحمامة بيضاء تحط على نافذتي: إن طرتِ لكفر اللبد فأبلغيها محبتي، وحلمي أن أزورها مرة أخرى، وقدمي شكري وعبري عن امتناني لكل من فيها، أحبة وأصدقاء: زياد جبعيتي رئيس المجلس البلدي وصحبه والعاملين في المجلس جميعاً والذين كانوا مثالاً للانتماء لبلدتهم، وللشباب الذين رافقوني التجوال وتعبوا معي خالد الهمشري وسامح صقر ونشأت محفوظ ومروان محمد حسن، ولشباب كفر اللبد من متطوعي الهلال الأحمر والذين كانوا أول من وجه لي الدعوة لزيارة كفر اللبد بعد أن التقيتهم ورافقوني التجوال أثناء زيارتي الأولى لعنبتا، سامح ومحمد برهوش، وعرجي على عنبتا واشكري السيدة سوسن نجيب على جهودها وأسرتها على روعتهم وكرمهم وحسن ضيافتهم. تشدني الذاكرة إلى جولتي كثيراً فأستمع لشدو فيروز تشدوا: (بقولوا زغير بلدي، بالغضب مسور بلدي، الكرامة غضب، والمحبة غضب، والغضب الأحلى بلدي، وبيقولوا قلال، ونكون قلال، بلدنا خير وجمال، وبيقولوا يوقولوا، شو هم يقولوا، شوية صخر وتلال؟ يا صخرة الفجر و قصر الندى، يا بلدي يا طفل متوج عالمعركة، غالي يا بلدي، يا زغير وبالحق كبير يا بلدي).

 

صباحكم أجمل حتى نلتقي في رحلتي القادمة وذاكرة وطن.

 

(طولكرم ورام الله 14- 15 /5/2011)

 




 



 

4 of 4 Photo(s)

#185 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sat Sep 10, 2011 8:18 am
Subject: حرية بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

حرية

بقلم: زياد جيوسي

 

 

   أجواء رمضان والاستعداد لعيد الفطر تطغى على رام الله، فمنذ ما بعد الإفطار تصبح الشوارع مكتظة بالعربات والباعة المتجولين، ويضيف المشاة ازدحاماً هائلاً لشوارعها الرئيسة، خصوصاً حين تم إغلاق الشوارع الرئيسة في وسط المدينة في وجه المركبات، لترك الحرية للمشاة والمتسوقين والباحثين عن قليل من الراحة النفسية، بعد جهد الصيام والجو الحار نهاراً.

   فضلت الخروج من هذه الأجواء والاستجابة لدعوة من مسرح المجد الحيفاوي، دعوة وصلتني من بطل العرض إياد شيتي لحضور المسرحية على خشبة مسرح القصبة، وإن كنت قد عانيت منذ فترة بتدني مستوى عدة مسرحيات حضرتها، ولكني أملت أن تمنحني مسرحية (حرية) بعضاً من جماليات المسرح التي افتقدتها منذ فترة، وتمنح قلمي حرية الكتابة بعد توقف عن كتابة قراءات عن المسرح.

   خشبة المسرح كانت تمتلك ديكوراً ينطق مسبقاً عن حيثيات العرض، فالحبال وواحد منها يحمل شكل عقدة المشنقة كانت على خشبتين تمثلان الديكور الأساس، وبرميل فارغ وآخر نصف برميل، ومجموعة من الأكياس، إضافة إلى بعض القطع خلف الحبال، وكذلك اسم المسرحية، كانت تشير بشكل أو آخر  إلى العرض وماهيته، وكنت أنتظر كيف سيجسد النص مع الممثل فكرة الحرية التي حملها اسم المسرحية.

   المسرحية وهي تأليف وإخراج ناظم شريدي كانت عبارة عن خمسة وعشرين مشهداً صورت المشهد الفلسطيني منذ العام 1935 حتى مرحلة الستينيات من القرن الماضي، قام بها جميعا الممثل إياد شيتي، فصورت مشاهد النضال الفلسطيني والمعاناة، من التظاهرات ضد الاحتلال البريطاني مروراً بمشهد إعدام أبطال فلسطين جمجوم والزير وحجازي، وصورت مشاهد لثورة 1936 وزنازين الاستعمار البريطاني، وصولاً إلى مرحلة الهجرة وبيان بعض أسبابها، وتمسك البعض بالأرض حتى لو كان الموت ثمناً للتشبث بالأرض، وصولاً إلى بدء الحركات النضالية بأشكال مختلفة ممن تبقوا في فلسطين، والقمع الذي واجهوه من قبل سلطات الاحتلال الذي مورس منذ البدايات ولا يزال مستمراً.

   لعل كل لوحة من هذه اللوحات تمثل بحد ذاتها عملاً فنياً مختصراً، يصور مرحلة من مراحل مسيرة الشعب الفلسطيني، قبل وبعد نكبة فلسطين وضياع معظم الوطن وتشرد الشعب الفلسطيني في المنافي والشتات، ويلاحظ أن النقد للعديد من الممارسات في تلك الفترة كان يختبئ في مشاهد المسرحية، إضافة إلى تأريخ المراحل الزمنية، فقد تمت الإشارة إلى أن أحد قادة الثورة كان يحكم بالإعدام على المناضلين لمجرد الشك في وطنيتهم أو بمجرد الوشاية عليهم بدون التحقق والبحث، ويلاحظ أن المسرحية ركزت على دور بلدة أم الفحم من خلال التركيز على دور أحد أبنائها المناضلين قبل وبعد مرحلة النكبة، وركزت على دور الشيوعيين في تلك البلدة، وهذا أعطى المسرحية في مشاهد ما بعد النكبة بالذات توجهات خاصة وليست عامة، فأم الفحم شهدت حركات نضالية متعددة بعد وقبل النكبة، لم تقتصر على الدور الذي قام به الشيوعيون الفلسطينيون.

   الإخراج كان متميزاً في المسرحية، فعلى الرغم من العدد الكبير للمشاهد إلا أنني لم ألمس حصول قطع بين مشهد وآخر، وهذا يدلل على تركيز المخرج على كل لحظة في المسرحية، وأن يكون التواصل بين المشاهد قائماً على الرغم من اختلاف المشاهد عن بعضها، مضافاً إلى ذلك أن اللهجات المستخدمة في المسرحية وخصوصاً اللهجات الفلسطينية لم تشهد خللاً في الأداء، إضافة إلى أن القوة في الأداء وحجم الإتقان للأدوار المختلفة التي أداها إياد شيتي كانت متميزة، وتدلل على قدرات رائعة لدى الممثل.

   وفي النهاية أجد أنه لا بد من الإشارة إلى أن المسرحية قد تمكنت أن تخرجني من حالة الملل الذي سببته لي العديد من المسرحيات الضعيفة فنياً في الفترة الأخيرة، فحلقت بي في أجواء قناعاتي أن المسرح يجب أن يكون له رسالة، وأن هذه الرسالة يجب أن تصل إلى أعماق المشاهد، وتتركه بعد العرض لا يتوقف عن الحديث عن العمل الفني، واستعادة المشاهد والبحث عقلياً عن رمزية العمل والمشاهد، وأعتقد أن دعم المسرحية من قبل كل من المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "ايسيسكو"، واللجنة الوطنية الفلسطينية للتربية والثقافة والعلوم، كان دعماً يستحق الاحترام والشكر، آملاً أن يتاح لهذه المسرحية أن تعرض أكثر من مرة وخصوصاً في البلدان العربية وفي مخيمات الوطن ومخيمات الشتات، فهي مسرحية تستحق من حيث الأداء والمضمون، وكي يبقى حلم الحرية مستمراً على الرغم من رداءة الأوضاع السياسية التي يمر بها شعبنا تحت الاحتلال.

(رام الله 26 آب 2011)   

 

 


 

1 of 1 Photo(s)

#186 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Sep 28, 2011 7:43 am
Subject: صباحكم أجمل/ اللبن الشرقية أحلام حمامة بيضاء
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ اللبن الشرقية أحلام حمامة بيضاء

الحلقة الأولى

بقلم: زياد جيوسي





اللبن الشرقية بعدسة: زياد جيوسي


   أحلام حمامة بيضاء توشح ريشها بحصاد القمح الذهبي، هكذا كنت أصف بلدة (الِلبن الشرقية) حين مروري من جوارها مغادراً رام الله باتجاه بلدات فلسطين ومدنها شمال الضّفة الغربية للنهر المقدس أو عائداً إليها، وفي كل مرة مررت بجوار اللِبن الشرقية كانت تشدني مروج القثاء (المقاثي) وبيادر القمح لأنظر إليها من نافذة السيارة التي أركبها، وأنظر إلى تلك البيوت التي تعتلي سفوح التلال من البعيد، لكن لم يسمح الظرف أن أدخل البلدة أو أجول فيها ولا مرة، فكنت أكتفي بالنظر بشوق لهذه الحمامة البيضاء البهية، حتى كان ذلك اليوم الذي وجهت لي الدعوة لزيارة اللبن الشرقية من قِبل رئيس مجلسها البلدي الأخ جمال ضراغمة (أبو علاء)، وكان قد اطلع عبر وسائل الإعلام والشبكة العنكبوتية، على بعض من سلسلة (صباحكم أجمل) التي أكتبها منذ سنوات طويلة، والتي توثق المكان والزمان والتراث بالكلمة والصورة، فدفعته غيرته ومحبته لبلدته للاتصال بي ودعوتي لزيارة البلدة، فحقق رغبة كامنة في روحي تنتظر لحظة الانطلاق.

   وافقت على الدعوة، ولكني طلبت التأجيل قليلاً حتى أتمكن من إنجاز دعوات أخرى كنت قد ارتبطت بها في رحاب الوطن الجميل، حتى جاء يوم الثلاثاء/ الحادي والعشرون من حزيران، حيث لبيت الدعوة بفرح، وغادرت رام الله صباحاً هامساً لها: لن أتأخر فسأعود في المساء فلا تقلقي، وأعدك أني لن أغيب عدة أيام كما اعتدت في جولاتي الأخيرة، فابتسمت وودعتني بكل حنو وحب.

   ما أن اقتربت السيارة التي ركبت بها من مشارف اللِبن حتى اتصلت بصديقي عبد الحليم ضراغمة أعلمه باقترابي، فوجدته ينتظرني على بوابة البلدة، فنـزلت من السيارة وسلمنا على بعضنا بحرارة، وركبت بسيارته ولم أترك الفرصة تفوتني بالتقاط الصور لمدخل البلدة والجمال، لنتجه معاً إلى المجلس البلدي للقاء رئيس المجلس الذي استقبلني بحرارة وطيبة وبشاشة وجه تدل على خلق طيب، وما أن وصلت حتى حضر الأخ عبد الجبار ضراغمة (أبو خالد) شقيق أصدقائي عبد الرحيم وعبد الحليم، مرحباً ومصرّاً على دعوتنا جميعاً للغداء، فشكرته بمحبة فقد أصر بكرم وأصالة الأخ رئيس المجلس على الغداء عنده لجميع الحضور من قبل أن أصل البلدة، وحضر الأستاذ حامد الهندي وكان لقاءً طيبًا فاحتسينا القهوة لنبدأ الجولة في الِلبن تلالا وسهول وبيادر، تاريخ وتراث وحضارة، بعد ان اتفقنا أن نبدأ الجولة من الأطراف المرتفعة لنعود بعدها إلى القلب حيث ترقد الحمامة البيضاء، اللبن الشرقية بجمالها وتاريخها وأهلها المضيافين والرائعين.

   اللبن بلدة ضاربة في القدم، ويقال إن اسمها جاء من اللغة السريانية (لبانوتا) وتعني صناعة اللبن، وإن لم تتوفر معلومات كثيرة عن تاريخ البلدة، إلا أن مشاهداتي للكهوف المحفورة في التلال تؤكد أن تاريخ البلدة يسبق الفترة الرومانية، واللبن الشرقية سميت بالشرقية لتمييزها عن اللبن الغربية، وهي بلدة صغيرة المساحة على الطريق بين نابلس ورام الله وتقع جنوب مدينة نابلس على مسافة تقارب الخمسة والعشرين كيلومتراً، وتحيط بها مجموعة من الخرب والجبال ولعل أعلاها جبل طاروجة، وقريب منها خربة عمورية وتحيط بها أراض تابعة لبلدات سلفيت وعبوين وعارورة، وواضح من البلدة القديمة التي تقع آثارها تحت البلدة الحالية، أن اللبن كان لها تاريخ ودور مميز وموقع استراتيجي يسيطر على الطريق باتجاه نابلس.





مقام طاروجه بعدسة: زياد جيوسي


   بدأت جولتي بصحبة الإخوة جمال ضراغمة رئيس المجلس وصديقي عبد الحليم ضراغمة والأستاذ حامد الهندي بالصعود إلى جبل طاروجة، وهناك فوجئت بجمال التلة وحجم الأشجار فيها وإطلالتها البهية والمرتفعة، فهي تصلح لأن تكون نقطة جذب سياحية، وبالإمكان استثمار المنطقة لمنتجع سياحي لطيب الهواء فيها وارتفاعها، وفيها يقع مقام مجهول صاحبه ويقول أهل المنطقة إنه من بلدة عرورة، ويسمى (طاروجة) وهي مشتقة من عبارة (طار وجاء)، ومعتمدة على أسطورة منتشرة عن شيخ مات وحين حاولوا دفنه طار النعش إلى منطقة أخرى ودفن فيها، فنجد هذه الأسطورة في دمشق في حي الساروجة، وهي مشتقة من (سار وجاء) وفي فلوجة فلسطين (فل وجاء) وفي فلوجة العراق أيضاً، وفي مناطق أخرى في الوطن العربي، وجرى الاشتقاق من اللهجة المحكية (طار وأجى، فل وأجى، سار وأجى)، وبكل أسف وجدت المقام مهمل، حيث سكن البدو الرحل المنطقة وحولوا المقام إلى مخزن لمخلفات الأغنام والتبن، والمنطقة بأكملها لمنطقة ملوثة بالأوساخ، مضافاً إلى ذلك أن القبر جرى هدمه، فهل أجد وأهل المنطقة جهة رسمية تستمع وتعمل على المحافظة على هذا المكان الجميل والمتميز؟





ما تبقى من قبر شيخ طاروجه بعد عبث العابثين بعدسة: زياد جيوسي

   مضافاً إلى ذلك تشوّه الرؤية وتمزق الروح وتثير الغضب المستوطنات الاحتلالية، حيث تقع مستوطنة (معاليه لبونه) وهي قامت على الاستيلاء على أراض من اللبن الشرقية، وتعني (اللبن العليا) في محاولة لسرقة الاسم التاريخي للمنطقة والبلدة ونسبتها إلى تاريخ عبري غير موجود في المنطقة، وكذلك مستوطنة (عيليه) والأصل العربي للاسم هو (وادي علي) في محاولة أخرى لتزوير التاريخ، ومقامة على أراض تتبع اللبن الشرقية والساوية.   من طاروجة نزلنا باتجاه خربة عمورية، وهي بلدة صغيرة جداً وتتبع مجلس بلدي اللبن، وعدد سكانها قليل جداً، ، ويعتقد أن اسم (عمورية) تحريف لكلمة (عمرية) السريانية، ومعناها سكان الأديرة من الرهبان، وأعتقد أن هذا التفسير صحيح حيث شاهدت أثناء تجوالي في المنطقة كهف قديم ولكنه مهمل، ومدخله تحول إلى مكب نفايات، وقد دخلت إلى داخل الكهف فوجدته يدل على أن المنطقة كانت مسكونة، فهو على شكل مساحة مربعة، وتوجد حفرية في الصخر على جوانبه تدل أنها مكان للجلوس، وخلفها على ثلاثة جوانب أيضاً حفريات على شكل أقواس بالصخر، ربما كانت خوابي للغذاء والتخزين، واستمعت إلى حكاية أن السكان وجدوا  في هذه المغارة صندوقاً حجرياً مغلقاً، فثار نزاع بينهم، وأن موشيه دايان وزير الدفاع الصهيوني بتلك الفترة حضر بنفسه مع قوة من الجيش واستولوا على هذا الصندوق ولم يعرف ما بداخله، والسؤال الذي ثار في داخلي: من أبلغ الاحتلال عن هذا الصندوق ليحضروا بسرعة ومع طائرة مروحية ويستولوا عليه؟ كما توجد في المنطقة العديد من هذه الكهوف والآثار، وإن جرى توجه حقيقي من الجهات الرسمية المعنية بذلك، فبالتأكيد سيتم اكتشاف آثار كثيرة تروي لنا الحكاية.


كهف تاريخي محفور بالصخور سرق ما وجد فيه  الاحتلال بعدسة: زياد جيوسي

     من خربة عمورية انحدرنا باتجاه خربة (دار ذيب) وقسم منها يسمى (خربة دار الهندي) وهم يعودون بنسبهم إلى دار ذيب، حيث أوقفنا السيارة في منطقة مرتفعة لصعوبة نزولها المنحدر ووعورة الأراضي، ونزلنا سيراً على الأقدام على الرغم من ارتفاع درجة الحرارة، إلا أن النسمات الغربية خففت علينا بعض من الجهد، وكان المشهد العام رائعاً بجماله، حيث الطبيعة الخلابة وأشجار الزيتون، ومشهد الوادي الذي كانت تنتشر فيه ينابيع المياه، وهذه الخربة سيكون لها حديث في الحلقة القادمة وحكاية التاريخ وأسطورة الذهب ولصوص الآثار.  

  أقف إلى نافذة صومعتي في هذا الصباح الجميل بجمال رام الله، أحتسي فنجان قهوتي الصباحية وروح طيفي ترافقني، أستذكر رحلة الأمس وحكاية التاريخ في اللبن الشرقية ومحيطها، فأرى أن بلادنا عبارة عن متحف تاريخي، كل ما فيها يروي حكايات وروايات، وكلها تؤكد على تاريخ حضاري متميز وجميل، منذ وطأت أقدام أجدادنا من كنعان ويبوس هذه الأراضي التي عمروها ونقشوا بعرقهم وبأياديهم العارية الحكاية، وأرى حجم الإهمال تجاه هذا التاريخ إضافة إلى دور الاحتلال؛ فأشعر بالألم، ولكني أرى الأمل من جانب آخر في السواعد الشابة والحوريات الكنعانيات، فهم مستقبلنا المشرق الذي سيعيد بناء الحكاية كما هي الحقيقة، ويبنون لنا الصباح الأجمل، وأستمع لشدو فيروز وهي تشدوا:

(بيضل فيها اتنين، عيون حلوه وايد يعمروا من جديد، ضيعتي الخضرا ع مد العين، وزغيره ومشيره ع الغيم بتزوغ وبتحكي عصافيرها، شو بيمرقوا عليها رياح وضيم وبتضلها تلاقي نواطيرها).

 فحتى ألتقي بكم في استكمال حكاية الحمامة البيضاء والحلقة القادمة أهمس لكم: ليكن صباحكم أجمل.

(رام الله 22/6/2011)

 

4 of 4 Photo(s)

#187 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Oct 5, 2011 6:48 am
Subject: صباحكم أجمل/ بهاء وجمال في اللبن الشرقية
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ بهاء وجمال في اللبن الشرقية
(الحلقة الثانية)
بقلم: زياد جيوسي

 

 

بهاء وجمال في اللبن الشرقية وعدسة زياد جيوسي


   حين وقفت في أعلى التلة أنظر إلى الواد، نحو ما تبقى من (خربة  ذيب) من أراضي اللبن الشرقية،
كان المشهد في عمومه رائعاً بجماله، حيث الطبيعة الخلابة وأشجار الزيتون، ومشهد الواد الذي كانت تنتشر فيه ينابيع المياه، فشعرت بالبهاء والجمال، وتنشقت الهواء النقي بقوة، فهنا الهواء بكر غير ملوث إلا بوجود الاحتلال، وهذه الخربة ساد حولها الكثير من الأساطير المتعلقة بالذهب وما زالت تأثيراتها على عقول الناس قائمة، وإن كنت قد رأيت الذهب بأرضها وموقعها وزيتونها الرومي القديم، فهذا هو الذهب الحقيقي، فحين وقفنا في أعلى التلة حيث المسافة التي تمكنت السيارة من السير فيها محدودة، رأيت الجمال وسحر الطبيعة والأرض، وفي أعلى التلة توقفنا عند (الكبارة) وتلفظ الكاف بمزج الجيم مع الشين حسب اللهجة المحلية، وهي عبارة عن حفرة ضخمة محاطة بالحجارة، وتوضع بها الحجارة الجيرية وتشعل النيران لعدة أيام حتى تحترق وتتحول لمادة الجير (الشيد)، ولها استخدامات عدة وخصوصاً في طلاء المنازل قبل أن تسيطر الدهانات بأنواعها على الأسواق، إضافة على مقاومة الآفات الزراعية في جذوع الأشجار، وقد أنشأها كل من محمد أحمد الحامد والد الأستاذ حامد الذي رافقني الرحلة مع صحبه، وكذلك أحمد موسى ضراغمة، ومن هناك انحدرنا سيراً على الأقدام باتجاه الخربة، ومن بين أشجار الزيتون على الرغم من وعورة المنطقة، إلا أن التجوال بين الصخور والأشجار وبقايا البيوت التي تهدمت كان له متعة خاصة لا يعرفها إلا من اعتاد التجوال في الجبال والارتباط بالأرض.

 




ما تبقى من بنيان خربة ذيب في اللبن الشرقية وعدسة زياد جيوسي

 

    من طبيعة الحجارة في المنطقة، يتضح أن المنطقة كانت مأهولة في عهد الرومان، ومن طبيعة الكهوف يتضح أن المنطقة كانت مأهولة منذ ما قبل الرومان، فمثال لذلك مغارة الشيخ هندي وداخلها عبارة عن أقسام محفورة بالصخر، ويظهر أنها استخدمت بعد ذلك كمدفن حيث وجدت في داخلها عظام بشرية، وهناك العديد من الكهوف في المنطقة تدلل على تاريخ ضارب في القدم، وصخور منحوتة وحجارة بناء ضخمة، تعب عليها الأجداد عبر عصور حتى وصلت إلى آل ذيب، فتركوا خلفهم أسطورة الذهب المتداولة منذ فترة زمنية طويلة، وقد لاحظت في أكثر من موقع حفريات قام بها لصوص الآثار، وقد لاحظت حفرية لم يمر عليها أكثر من ليلة، فالتراب كان نديّاً، ووجدت بجوار التراب زجاجة ماء بلاستيكية ما زالت نظيفة من الخارج، والماء متعرق بداخلها، فالمؤسف أن لصوص الآثار ما زالوا يصولون ويجولون، يخربون ويدمرون ويسرقون، وجل ما يسرقونه من تراثنا يبيعونه لتجار الآثار من المحتلين الصهاينة للتجارة من جانب، ولمحاولة خلق تاريخ وهمي يدعم أسطورة كاذبة أن وطننا هي الأرض الموعودة.

 


 

خربة ذيب في اللبن الشرقية

لصوص الآثار مروا من هنا وبقايا فخار حطموه وعدسة زياد جيوسي

 

   وحسب الروايات التي استمعت لها فإن آل ذيب استقروا فيها، وكانوا أثرياء من خلال تجارتهم بالمنتجات الزراعية، ويجمعون الذهب الذي يحصلون عليه من هذه التجارة الرابحة في جرار فخارية، وقال لي الحاج أبو باسل وهو من رجالات البلدة الكبار في السن، وقد استضافنا على أكواب من الشاي بكرم وطيبة، إن جده محمد الحسن وكان مختاراً في المنطقة مع ابن شقيقه وبعض من رجالات الأسرة، قاموا بدفن أربعة من جرار الذهب في مكان ما من هذه الخربة، مستنداً كما غيره لرواية عن الحاجة زهرة رحمها الله، وكانت طفلة حيث أكدت أنها كانت مع النساء اللواتي حملن جرار الذهب إلى أعلى الخربة، ثم استلم الرجال الذهب منهن وأعادوهن إلى البلدة، وقاموا بإخفاء ثرواتهم، ثم سافروا إلى بلدة (طفس) في سهول حوران السورية، حيث قتلوا هناك ودفن سرهم معهم، وما زال الواهمون بأحلام الذهب منذ تلك الفترة ينقبون ويبحثون.



 

خربة ذيب في اللبن الشرقية

ومن هنا مر لصوص الآثار والحفريات داخل الكهف وعدسة زياد جيوسي

 

   غادرنا المنطقة متجهين إلى أعلى التلة حيث تركنا السيارة، وفي كل خطوة سرتها كنت أتأمل مساحات من الصخور التي تروي حكايات التاريخ والأجداد، وحقيقة وعلى الرغم من ارتفاع درجة الحرارة وزحف سنوات العمر، إلا أنني كنت أشعر بنفسي شاباً في مقتبل العمر وأنا اقفز بين الصخور متأملاً جمال المنطقة، ومستمعاً لهمسات أرواح الأجداد تروي لي الحكايات، يضيف لها أصدقاء الرحلة وأصحاب الدعوة الكثير من المعلومات، فكانت الرفقة ممتعة بصحبة الإخوة جمال ضراغمة رئيس المجلس وصديقي عبد الحليم ضراغمة والأستاذ حامد الهندي، لنمر بتلة الراس وهي تلة مرتفعة ومرت بها مراحل تاريخية متعددة كباقي المنطقة ما يعرضها لتنقيب لصوص الآثار، ثم نواصل المسير باتجاه البلدة، حيث حكايات أخرى ترويها اللبن الشرقية، هذه الحمامة البيضاء الهادئة والتي تحمل خلف صمتها الآف الحكايات.


 


مغارة الشيخ هندي في خربة ذيب في اللبن الشرقية وعدسة زياد جيوسي

 

   مثل كل بلداتنا فالأماكن والمباني التراثية تعرضت للإهمال وللتلف والدمار والخراب، وهجرها أهلها إلى مباني جديدة بأغلبها بيوت إسمنتية، والبعض منها من الحجارة البيضاء التي تشتهر فيها فلسطين، وبكل أسف أن الحجارة القديمة لم تستغل لبناء المباني الجديدة كي تحمل في ثنايا حداثتها روح التاريخ والتراث، علماً أن الاحتلال يحاول دائماً الحصول على هذه الحجارة، ويبنيها من جديد ويدعي أنها بعض من التراث العبري، بينما نحن أولى أن نحافظ على هذا التراث، كما يحاول الحصول على الزيتونات الرومانية من خلال الخلع والمصادرة، ليعيد زراعتها مدعياً أن أجدادهم الموهومون هم من زرعوها.

 

 

المسجد العمري في اللبن الشرقية وبناء يروي الحكاية وعدسة زياد جيوسي

 

   بدأت الجولة في ربوع البلدة القديمة برفقة صحبي، وبدأت الزيارة للمسجد العمري القديم، وبكل أسف كان بحالة غير مريحة، فالمسجد الجديد برونقه وحداثته استولى على الاهتمام، وهذا المسجد يعود بأصوله إلى كنيسة رومانية، وهذا يدلل على عمق تاريخ بلدة اللبن، والمفترض أن يتم المحافظة على هذا الأثر التراثي والتاريخي، وأن لا يتم إهماله حتى يؤول للخراب، ومن ثم مررنا بديوان لأحد العائلات، وانتبهت أن البناء يحتوي بين الاسمنت المبني به على أعمدة رومانية، وتحت المبنى وحسب ما تحدث به صحبي يوجد نفق مغلق يمتد حتى خلف المسجد الجديد، وحسب الوصف فهو عبارة عن حجرات محفورة على جانبي النفق، ما يدلل أنه سوق ومكان للسكن في مراحل قديمة من التاريخ، وأن اللبن التراثية بنيت فوق البلدة الأقدم التي غمرتها الأتربة والهجرات والحروب، ويتوارث الناس مقولات وأساطير عن هذا النفق أن الناس كانوا يختبئون به حين تهب (ريح صرصر) كما يسمونها، وأنا تمنيت لو أن النفق غير مغلق لأدخله بنفسي وأوثقه بالصور، فحسب مشاهداتي وقراءاتي، فهذا النفق هو البلدة الأصلية الضاربة جذورها في التاريخ.

 

 

الأعمدة الرومانية ضاعت بالبنيان الحديث وعدسة زياد جيوسي

 

    الحديث يطول عن نواحي بلدة اللبن وبهائها والجمال، فأقف لنافذتي في هذا الصباح الجميل، أروي ورودي وحوض النعناع وأستذكر جماليات الرحلة في ربوع هذه الحمامة البيضاء التي تفرد جناحيها على التلال، حيث كل ما فيها يروي حكايات وروايات، وكلها تؤكد على تاريخ حضاري متميز وجميل، بناه الأجداد بعرقهم وأياديهم العارية، وحق لأرواحهم أن نحافظ على هذا التراث وفاءً لهم ولتاريخنا، ولأجيال قادمة لم تعش ما عشناه بعد، لتروي لهم حكاية شعب كنعان عبر التاريخ، فأتنشق الهواء الطلق البكر قبل أن تلوثه عوادم السيارات، وأستقبل اليوم الأول فلكياً من الصيف، وأحتسي فنجان قهوتي مع روح طيفي التي تلازمني بحبها، وأستمع لفيروز وسحر صوتها تشدو: (سلال الزراعين تلال الوعر علالي الشيح ضيعتنا، غناني الحطابين صخور السمر حراش الريح ضيعتنا، يا مطارح شربين بيادر حصادين شبابيك الحلوين ضيعتنا، يا قمر يا عالي يا معلق بالشجر، يا حلو يا غالي يا لافي من السفر، خبرني خبر عن ليلة السهر عن قصة القمر عسطوح ضيعتنا)

  وحتى ألتقي بكم في استكمال حكاية اللبن الحمامة البيضاء والحلقة الثالثة أهمس لكم: ليكن صباحكم أجمل..

(رام الله 23/6/2011)

 

 

7 of 7 Photo(s)

#188 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Oct 12, 2011 12:27 pm
Subject: رؤى (ماريا مارينا) وذاكرة المكان.. بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

رؤى (ماريا مارينا) وذاكرة المكان

 

بقلم: زياد جيوسي

 

   مرت فترة طويلة لم يتح لي فيها حضور معرض فني في رام الله، فبعض المعارض صادف أن كان وجودي خارج الوطن، ومعارض أخرى لم أعلم بها، حتى كان ذلك الصباح حين دق هاتفي الجوال من رقم لا أعرفه، وإذا بصوت شابة جميل ورقيق يهمس لي: أنا صابرين من قاعة جاليري الحلاج، يسرني أن أدعوك لحضور معرض للفنانة الإسبانية (ماريا خيسوس مارينا) مساء الخميس السادس عشر من الشهر الحالي كانون أول لاختتام العام 2010، فشكرتها على دعوتها ولطفها، وأكدت حضوري، فقد رأيت بالدعوة فرصة لحضور معرض لفنانة غير عربية وفي مدينتي رام الله، وخصوصاً أن زيارتي الأخيرة لعمّان في الفترة الأخيرة لم تخل من حضور معارض جميلة لأكثر من فنان.

   وصلت القاعة مبكراً، وبدأت التجوال بين اللوحات؛ شعرت أني أعيش ذاكرة للمكان، ذاكرة رسمت بألوان جميلة، فأخذت اللوحات وقتاً طويلاً معي في التجوال، لأعود بعد يومين مرة أخرى وأجول في جمال اللون والصورة، شاعراً بالأسف أن اليومين السابقين عطلة أسبوعية والقاعة فيها مغلقة، وحقيقة وجدت في المعرض ما يشدني، ففي اللوحات المختلفة لا نجد مجرد انطباع عن المكان، لكننا نجد روحاً تجول وتحلق، تعطي للمكان الفرصة ليتحدث بنفسه ويروي الحكاية، ورغم البساطة التي تعطيها اللوحات للمشاهد في المرحلة الأولى، إلا أن التدقيق في اللوحات، يحملنا إلى التحليق في فضاء المكان والبحث عن مدلولات اللون، التدقيق في رمزية بعض اللوحات، والبحث في الروح التي سكبت مشاعرها لوحات وألوان.

   يمكن تقسيم المعرض إلى خمسة أقسام، وكل قسم فيها يستحق الكثير من الاهتمام، وسأتناول هذه الأقسام ابتداء من اللوحة الأولى التي تحمل روح المعرض، حتى اللوحة الأخيرة التي ترف أرواحنا فيها..


 

القسم الأول: نجد فيه ثلاث لوحات كانت منها لوحتان تحملان التراث الفني الإسباني ورقصة الفلامنكو، في اللوحة الأولى وهي أول لوحة على جدار صالة العرض كانت تصور (سارة) راقصة الفلامنكو وهي ترفع يديها أعلى من الكتف قليلاً وكأنهما جناحان لطير متوثب في لحظة استعداد للتحليق، بعيون مغمضة توحي بالحدة، وملامح وجه صارمة، ولون يتشارك بلمعان اللون الأسود مع الرداء الذي ترتديه، وفي أسفل اللوحة تظهر دوامة لونية أشبه ما تكون بعاصفة هوجاء قوية، هو القسم الأسفل من الرداء بلون أحمر قوي موشح باللون الأسود، وخلف ظهر الراقصة ينطلق من قلب العاصفة إعصار يمازج الأحمر باللون البني وتوشيحات باللون الأسود، بحيث تحملنا اللوحة في تحليق يؤكد على حجم ذوبان الراقصة بفنها وحجم انتمائها لتراثها وهويتها، بينما في لوحة ثانية لم يظهر إلا القسم العلوي من ظهر الراقصة، وهي تقف وكأنها في حالة تحفز ويدها اليمنى ممتدة أمام وجهها، وقد اعتمدت الفنانة في هذه اللوحة دقة التفاصيل والتعبير باللون، فنجد أصابع الراقصة ممتدة بانشداد، وشعرها ملتف خلف رأسها بشكل فني متميز، ومن خلال اللون برز أن النصف الأيمن من الظهر، كان اللون فيه أكثر نصوعاً بالاحمرار المتمازج بالبياض، بينما في الجانب الأيسر كان اللون أكثر دكنة، بحيث ظهرت اللوحة في منطقة الظهر وكأنها تعبر عن جسدين مختلفين في جسد واحد، ولعل هذه إشارة إلى مدى الانصهار في روح جسد الراقصة بين ما قبل الانصهار وخلاله، كون هذه الرقصة مرتبطة بالتراث الشعبي الإسباني، ويعطي إشارة واضحة لحجم الارتباط بين الفنانة ماريا ووطنها، بينما اللوحة الثالثة في هذه المجموعة كانت لجدار حجري معلق عليه منتجات تراثية، وهذه اللوحة واضح أنها انطباع من مكان ما في إسبانيا، وبين القطع المعلقة تظهر قطعة فرحة باللون والنقوش عليها، واللوحة مع اللوحتين السابقتين تظهران مدى التزام الفنانة بتراث بلادها.

 

 

 القسم الثاني: مكون من ست لوحات عن الطبيعة، وفي هذه اللوحات كانت المدرسة الانطباعية في الفن تترك تأثيرها الكبير على روح الفنانة، ويلاحظ في اللوحات الست أن البحر كانت له مساحة كبيرة من اللوحات، وقد اعتمدت الفنانة إظهار التلال خلف البحر والسماء فوقها، وكانت الألوان فيها زاهية مفرحة، والنظر إليها وتأملها مريحاً للنفس بشكل كبير، وفي لوحتها أوبرا على البحر اعتمدت توسيع المساحة المعطاة للشاطئ بمساحة أكبر من مساحة البحر، واعتمدت تدرجات اللون الأصفر للشاطئ، وظهر مباشرة خلفها على التلال مشهد أقواس منحوتة في الصخر، فظهر المشهد في اللوحة وكأن الشاطئ ساحة عرض فنية، والتلال مدرجات كالتي اعتدناها في آثار المدرجات الرومانية، واعتماد الفنانة أربعة ألوان رئيسة في اللوحة أعطاها بعداً جمالياً خاصاً، فبينما كان البحر بلون أزرق قاتم، كان اللون الأصفر يعطي ابتهاجاً للروح، وكانت التلال باللون البني الفاتح اللون، وتعلو المشهد زرقة السماء متمازجة باللون الأبيض للغيوم، ما يجعل المشاهد يشعر بالفرح والراحة، بينما لجأت إلى تلوين التلال في لوحة تصور تلال البحر الميت على الجانب الأردني بلون يغلب عليه اللون الأحمر ومازجتها بتوشيحات مختلفة بين الأصفر والأزرق وتدرجات اللون البني، بينما كان البحر أكثر قتامة عما هو لون البحر الميت فعلياً ما يجعل الروح المشاهدة تشعر ببعض الضيق، لكن الفنانة تخفف هذا الشعور باللون الزاهي للسماء، بينما كانت اللوحات الأربع الأخرى، تنقل صورة من فرح سادت روح الفنانة وعكستها على روح المشاهد من خلال اللوحات، وهذا يظهر جلياً بطائرات ورقية وكأنها مشاهد لرايات تحلق مقابل التلال وفوق البحر، ولوحة أخرى ركزت على مساحة كبيرة من البحر منعكسة عليها أشعة الشمس، وبشكل عام كان هذا القسم من اللوحات مثيراً للفرح باعثاً على التأمل.




القسم الثالث: وهو مكون من لوحتين فقط، لوحة تمثل مدينة البتراء الأثرية في الأردن، برز فيها عمق التاريخ وجمالية اللون، وخرجت فيها الفنانة عن المألوف برسم مشهد الخزنة، إلى مشهد لنحت في الصخر وبروز التلال جرداء في المشهد، مع الأفق والسماء من بين التلال والخيالة يتجهون في الوادي، وكأنها تقول: هنا التاريخ وفي الأفق المستقبل، بينما اللوحة الثانية كانت لمدينة يافا الفلسطينية المحتلة، وقد ظهرت مئذنة مسجد حسن بك التاريخي في زاوية الصورة على شاطئ البحر محاطة بالأشجار الخضراء، وفي مواجهة التاريخ الذي مثله المسجد، ظهرت (تل الربيع) والتي أسماها الاحتلال (تل أبيب)، وليست أكثر من أبنية شاهقة وحديثة، ولكنها بدون أية روح وبدون أية أشجار، وكأن باللوحة تهمس للموج الغاضب: التزوير لا يمكن أن يحجب الحقيقة أبداً.






 

القسم الرابع: وهذا القسم ركز على القدس القديمة فقط، وقد تكون من ثماني لوحات جميلة ومتميزة، كان لمسجد قبة الصخرة فيها أربع لوحات بأشكال وزوايا مختلفة، ولعل اللوحة التي تظهر القبة مشرقة في وسط اللوحة، بينما تتدلى الأسلاك الشائكة على جانبي اللوحة، هي الأكثر تميزاً بين اللوحات الثلاث، فهي قد روت الحكاية بدون كلام، وصورت صمود القدس رغم الاحتلال، والنور القادم في يمين اللوحة رغم العتمة في يسارها، بينما لجأت إلى أسلوب آخر في لوحة ثانية وهو رسم المشهد على لوحتين منفصلتين، وحين يتم لصقهما بجوار بعضهما يصبحان لوحة متكاملة، وهناك لوحة بانوراما تصور القدس ليلاً مضاءة بالأنوار وأيضاً بالأسلوب السابق نفسه، اللوحة مقسومة لقسمين يمثلان لوحة متكاملة بجوار بعضهما البعض، وهذه اللوحة أخذت المنظور من زاوية تطل على المدينة المقدسة من جهة الأقصى الشريف، وكانت متميزة بالجمال والألوان المستخدمة، والمشاهد التي حفلت بها اللوحة، فساحات الأقصى كانت متميزة بالإنارة، والشجرة الباسقة المطلة من البعيد على القدس منحت اللوحة انطباعاً جمالياً خاصاً، إضافة إلى أن السماء لم تكن معتمة رغم المشهد الليلي، بل كانت وكأنها في وقت الغروب، واللون الأصفر المتمازج مع الأبيض يعطي روح الفرح والأمل في اللوحة، ويضفي على المدينة التي تحلم بالحرية جمال الحلم القادم، وحظيت كنيسة القيامة بثلاث لوحات جميلة، ولعل الرمزية في اللوحة التي مثلت مئذنة مسجد عمر مع قبة الكنيسة، أعطت إشارة واضحة إلى التمازج العربي في المدينة عبر التاريخ بغض النظر عن الديانة، بينما اللوحة التي رسمت كنيسة القيامة من خلال البوابة كانت لوحة متميزة بجمالها وتفاصيلها الدقيقة، بينما حظيت جدران الأزقة بلوحة واحدة متميزة بالجمالية وخصوصاً بمن يستندون إلى الجدران ويرتاحون، فكانت رمزاً أن مدينة السلام هي الواحة للراحة والأمان لم يرتادها أو يسكنها.

   وأسلوب الرسم بوساطة تقسيم اللوحة إلى قسمين منفصلين، يمثلان لوحة واحدة حين وضعهما بجوار بعضهما البعض، لفت نظري باستخدامه ثلاث مرات، في لوحة لمسجد الصخرة المشرفة، وفي مشهد بانوراما للقدس، وفي مشهد لجدار من جدران المدينة المقدسة، فهل كانت المسألة أسلوباً فنياً مجرداً، أم كانت أسلوباً يطرح فكرة تقسيم القدس؟

 



القسم الخامس: كان عبارة عن بوابة خشبية رسم على الواجهة الأولى منها بوابة خشبية مغلقة بالعوارض الخشبية، وتنمو الزهور البيضاء الربيعية في أسفلها، بينما في الواجهة الأخرى رسمت الجدار الذي بناه الاحتلال لتقسيم الوطن، ومرسوم عليه الشعارات الوطنية التي يكتبها أبناء شعبنا في عملية رفض للجدار، ورفض للاحتلال، وفي أسفل الجدار لفت نظري عبارة: الانتفاضة الثالثة، فهل رأت الفنانة أثناء تواجدها في وطننا المحتل أن الجدار ممثلاً للاحتلال هو الذي يحجب العبور من بوابة الزهور؟ بوابة الفرح والوطن الحر، فرأت في الجدار شرارة ستشعل الانتفاضة الثالثة؟!



   من زاوية فنية محايدة رأيت في المعرض حكاية تروى، تبدأ بالتراث الإسباني في أول لوحة معروضة، وتنتهي بالسؤال في لوحة بانوراما القدس وهي آخر لوحة على جدران قاعة العرض، وشعرت أن الفنانة تمكنت من أن تشدني للغوص في جمالية معرضها، وأن كان هذا لا ينفي أن أشير إلى أن بعض اللوحات شهدت بعضاً من الخلل في استخدام اللون، فقد ظهرت بعض من بقع القماش شبه عارية من اللون في بعض الزوايا والجوانب، بينما كان المفترض أن يكون هناك انتباه وكرم أكثر في استخدام اللون، بينما في بعض الزوايا الأخرى، كانت هناك بعض البثور اللونية ناتجة عن انسكاب زائد في اللون، كما أن الفنانة رغم اهتمامها بمبدأ الثنائية في لوحاتها، إلا أنها وقعت في أخطاء تتعلق بعملية إسقاط الظلال في بعض زوايا اللوحات، ومن الملاحظ في المعرض أن أسماء اللوحات والمعلومات عنها كانت باللغة الإسبانية، وهذا يمنع معرفة أية إشارة لمن لا يجيد اللغة الإسبانية قليلة الاستخدام في وطننا، ومع هذا أعتقد أن هذه التجربة كانت ناجحة بالتعبير عما جال في روح الفنانة أثناء تجوالها في منطقتنا، وأظهرت بوضوح مدى شفافية وحساسية الروح التي تمتلكها الفنانة الاسبانية ماريا.

 

(رام الله 4/2/2011)

 

 

7 of 7 Photo(s)

#189 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Oct 19, 2011 5:37 am
Subject: صباحكم أجمل/ انثيال الذاكرة في اللُّبن الشرقية
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ انثيال الذاكرة في اللُّبن الشرقية

الحلقة الثالثة

بقلم: زياد جيوسي

 

 

اللبن الشرقية انثيال الذاكرة  وعدسة: زياد جيوسي

 

   كنت أجول دروب اللبن الشرقية وذهني محلق في فضائها، فكل ما رأيته من آثار وأبنية تراثية، شعرت به يهمس لي بالحكايات، يروي لي قصة الأجداد الذين حفروا الصخر بأظافرهم، وبنوا لنا هذه الذاكرة التي نراها بسواعدهم السمراء الشابة، وكنت أشعر أن الحجارة تتألم من الإهمال الذي لحق بها، فحتى الأبنية الحديثة يمكن استخدام الحجارة التاريخية بها، بدلاً من أن تذهب هدراً أو يسرقها الاحتلال، وبإمكاننا أن نحافظ على روح التراث بالأبنية الحديثة سواء من حيث الشكل وتطعيمها بهذه الحجارة التي تروي الحكايات، كما يمكننا ومن خلال المجالس والبلديات، أن نقوم باستئجار بعض البيوت التراثية المتميزة، والاتصال بجهات مهتمة بترميم الأبنية التراثية، لكي ترمم ويتم استخدامها لمؤسسات ثقافية وفنية ونسويه.

 

 

اللبن الشرقية وأنات المباني التراثية بعدسة: زياد جيوسي

 

   كنت أشعر بكل مبنى يئن ويتألم وهو يروي لي حكايته ويبوح بأسراره، فمن بيت المختار أبي هدرة الذي يئن من الوحدة والإهمال والخراب الذي زحف عليه، حيث لم يتبق في البلدة من ورثة المختار أحد، مروراً بـ (بد) دار أسعد ودار ذيب وكان يعصر فيه الزيتون، وصولاً إلى (علّية) وصفي دراغمة، وشكوى بيوت آل سمارة وبيت عبيد الله، وحكايات و(سواليف) بقالة أبي عفيف، وقد كانت أقدم بقالة والوحيدة في البلدة، ولصاحبها فضل إدخال أول جهاز تلفاز للبلدة، وغيرها مما تبقى من آثار الأبنية، وكل منها يروي حكاية ربما تحتاج إلى مجلدات لسرد الحكايات والتاريخ الشفوي كاملاً، ولعل أهمها معصرة الزيتون أو ما تبقى منها، وهي تعود للمرحوم والد أصدقائي من آل ضراغمة الكرام، وقد دخلت مدخلها المغلق بالأتربة والركام والتقطت الصور للحجارة الدائرية الضخمة التي كانت تستخدم بها، وأظن هذه الحجارة من أهم ما تبقى، ولذا آمل أن تنقل إلى وسط البلدة، لتكون نصباً تذكارياً مبنية قاعدته من الحجارة القديمة، كي يروي حكاية البلدة وبعض من روايتها التاريخية.

 

 

ما تبقى من معصرة الزيتون التراثية بعدسة: زياد جيوسي

 

   ليس من السهل الحديث عن حكايات وتاريخ كل مبنى أو ما تبقى منه، وقد أكون قد تمكنت من توثيق معظمها بالصور التي التقطتها عدستي، حتى وصلنا إلى ديوان آل ضراغمة حيث في ساحته شجرة التوت العملاقة، والتي بدأت تهمس بأذني حكاية المكان، فقالت لي إن هذا المبنى حين أقيم وحفرت أساساته منذ زمن طويل، وجدت تحته مغارة أثرية لها مدخل حجري، وتم أخذ بعض من الحجارة لبناء الديوان، وخصوصاً المنقوشة أعلى بوابة المغارة أصبحت فوق بوابة الديوان، والجميل أن المبنى محافظ عليه ربما لأن استخدامه للعائلة والمناسبات فرضت هذا الأمر.

 

 

بوابة ديوان آل ضراغمة التي بنيت من آثار وجدت تحت البناء بعدسة: زياد جيوسي

   حان موعد الصلاة، وكنا قد أنهينا تجوالنا في البلدة القديمة أو ما تبقى منها، لنذهب للصلاة في المسجد الحديث، وهذا المسجد تعرض لحرقه بالكامل من قِبل رعاع وحثالة المستوطنين، وتم إعادة إعماره بالكامل، وقرب المسجد لفت نظري مركز صحي تم بناؤه وتجهيزه بالكامل على نفقة أبناء المرحوم عبد الله الخطيب عن روح والدهم، فترحمت عليه، وشعرت بالسعادة لهذا الاهتمام من أبناء المرحوم بإيجاد صدقة جارية عن روح فقيدهم، وفي الوقت نفسه دلالة مهمة على الانتماء لبلدتهم، فيا ليت هذا التقليد يسري في كل بلداتنا من المقتدرين منها، فعندها ستكون بلداتنا جنائن وجمال.

   من الصلاة اتجهنا نحو (الخان) وهو مبنى قديم بني في عهد الأتراك، وكان مكاناً لاستضافة المسافرين والتجار، ثم أصبح مكاناً للحامية التركية، وبعدها مقراً لقوات الاحتلال البريطاني، وتحول بعد هزيمة 1948 إلى مركز للشرطة الأردنية، وكان موقعه على الطريق القديم لبلدة اللبن التي عرفت باسم (معرجات اللبن) قبل أن يتم تغيير الطريق إلى الطريق الجديدة، وأثناء توجهنا وصحبي إلى الخان، تذكرت الشهيد أبا محمد شهيد الوطن وابن اللبن، والذي كان سائق حافلة ركاب في مرحلة الانتداب البريطاني، وقد أجبره الإنجليز المحتلين على نقل حمولة الحافلة كاملة من الجنود البريطانيين المدججين بالسلاح باتجاه اللبن الشرقية، وفي الطريق عرف من الهمسات أن الجنود متجهين لخوض معركة ضد المجاهدين ونصرة قوات الاحتلال البريطاني المحاصرة، فثارت به العروبة والوطنية والإيمان، فتشهد وصرخ الله أكبر واتجه بالحافلة من أعلى المعرجات لباطن الوادي، ليستشهد بطلاً في سبيل الله والوطن ويقتل كل الجنود المحتلين، فرحلت روحه الطاهرة إلى السماء في الوقت الذي كان ابنه يخوض مع المجاهدين معركة شرسة ضد المحتلين البريطانيين، وهذه الصفحة ليست إلا بعضاً من صفحات البطولة لأبناء شعبنا يجب أن توثق وتورث للأحفاد ولا تنسى أبداً.

 


 

الخان، بعض من ذاكرة اللبن الشرقية بعدسة زياد جيوسي

 

   وصلنا الخان الذي يروي حكايات منذ عهد الخلافة العثمانية والمراحل التي تلتها بين البساتين وجنائن الأرض، فهو مبني على طراز تراثي يؤدي الغرض المطلوب منه، فمن الغرف والمنامات، إلى إسطبل الخيل الضخم، والبستان الخلفي، والمكان يعاني الإهمال، وقد حاول المستوطنون الاستيلاء عليه بكذبة من أكاذيبهم المعتادة، وهي كذبة ارتبطت بعين الماء التي ادعوا قدسيتها بتاريخ لم يكن يوماً في بلادنا، وعين الماء فيه تروي حكايات منذ القدم، وعين الماء هذه والمعروفة باسم عين الخان كانت قوية جداً ومقسمة إلى ثلاث حصص، ثلث لأهل البلدة، وثلث لأصحاب الأرض، وثلث لعابري السبيل، وقد حاول المجلس البلدي بتمويل إسباني سحب الماء لخزان في البلدة، وحين بني الخزان وبدأت عملية تمديد أنابيب المياه الناقلة، تدخل الاحتلال ومنع المشروع وأوقفه، وما زالت آثار (بد) لعصر الزيتون قائمة في المنطقة، وعيون الماء في اللبن الشرقية لها حكايات كثيرة، فمن عين مخيمر التي استولى عليها الاحتلال وحولها لمنتجع للمحتلين، إلى عين الشاعر وعين الراعي وعين الجديدة (القناطر)، وعين الدرة وعين السامرة على حدود عبوين، وكانوا يحضرون الماء منها على ظهور الدواب، وعين الزلف وعين الباشا، وهذه الأخيرة لوثتها الخنازير التي يطلقها المستوطنون لتخريب الأرض والزرع وإبعاد المزارعين عن أراضيهم، وما زالت معظم العيون فعالة وإن ضعفت بسبب شح الأمطار من جانب، وسحب المياه الجوفية من قبل الاحتلال من جانب آخر، فالاحتلال يسعى للاستيلاء على الأرض وما عليها وما تحتها، ويبيعنا مياهنا بالقطارة، ومستوطنيه يملؤون خزانات المياه وبرك السباحة.

 

 

الشيخ والأستاذ حامد الهندي وجنته الصغيرة بعدسة: زياد جيوسي

 

   عدنا إلى البلدة واتجهنا نحو بستان الشيخ والأستاذ حامد الهندي رفيقنا في التجوال، وحقيقة أن البستان على الرغم من مساحته المحدودة كحديقة منـزلية، إلا أن حجم العناية فيه جعلته جنة مصغرة، فتذوقت أطيب أصناف المشمش والفواكه، واحتسينا القهوة، ومن ثم اتجهنا إلى خزان المياه المركزي أعلى البلدة، وصعدنا ما يعادل أربعة أو خمسة أدوار على الدرج إلى سطح الخزان، وما أجمل المشهد من هناك حيث تفرد الحمامة البيضاء جناحيها على السهول الموشاة بذهب القمح، وحيث الهواء العليل، لنتجه بعد ذلك لدعوة الغداء التي أصر عليها السيد جمال ضراغمة (أبو علاء) رئيس المجلس، فحفلت المائدة بمشهيات الطعام من تحت يدي سيدة البيت الأخت أم علاء، وأشهد لها بطيبة النفس وروعة الأصناف التي قدمتها، لأعتذر بعد الغداء والقهوة من أجل المغادرة، فقد تأخر الوقت كثيراً، وكنت قد أصبت بالتعب بعد طول التجوال.

   غادرت بيت أبي علاء مودعاً بالحفاوة التي استقبلت بها، وطلبت من صديقي عبد الحليم أن أزور والدته قبل أن أغادر البلدة، فهي بمقام أم لنا جميعاً، فزرت هذه الأم الرائعة وتمتعت بالجلسة معها واحتسيت القهوة قبل أن أغادر اللبن عائداً إلى رام الله، وأنا أهمس لنفسي: كم تأخرت عن زيارة الحمامة البيضاء، ولكن أن آتي ولو متأخراً خير من أن لا آتي أبداً..

   صباح رامي آخر، إنها بداية الصيف ومع ذلك فالنسمات المنعشة تسود صباح رام الله، فأخرج لأجول في الطرقات في هذا الوقت المبكر، أتنسم عبق الياسمين، وأهمس لها بمشاعر الحب، وأعود وطيفي لصومعتي، نحتسي أنا وروحه التي ترافقني دوماً القهوة، أتذكر رحلتي التي لا تنسى للحمامة البيضاء كما لقبتها تلك الوادعة اللبن الشرقية، وأترحم على أرواح الأجداد الذين بنوا وعمروا، وأستمع لشدو فيروز تشدو: (وحدن بيبقوا مثل زهر البيلسان، وحدهن بيقطفوا وراق الزمان، بيسكروا الغابة، بيضلهن مثل الشتي يدقوا على بوابي).

   فأهمس: أيا أبناء كنعان، أرواحكم ستبقى خالدة، وتراثكم سيبقى أبداً، وأهمس لكم جميعا: صباحكم أجمل حتى نلتقي في رحلة جديدة لبلدة ومكان آخر في الوطن.

 

(رام الله – الجمعة 24/6/2011)

 

6 of 6 Photo(s)

#190 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Oct 27, 2011 7:05 am
Subject: صباحكم أجمل/ بيت لحم.. باب ومجدل وسلام
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ بيت لحم.. باب ومجدل وسلام

الحلقة الأولى

بقلم: زياد جيوسي

 

 

بلدة العبيدية كعروس في أبهى حلتها تركب هودجها، وعدسة زياد جيوسي

 

   منذ الطفولة كان لديّ حلم خفي أن أزور بيت لحم وأجول فيها، ولعل ذلك ارتبط بذاكرة الطفولة حين كنت وأسرتي في رام الله، وانتقل والدي للعمل بشرطة السير الأردنية في بيت لحم، وكنت أسمع أحاديثه عن بيت لحم لوالدتي رحمها الله وأطال بعمر الوالد، فيجتاحني شوق لزيارة هذه المدينة التي اجتاحت روح الطفولة عندي، وأن أجول دروبها وأزقتها وأديرتها، وأتنسم عبق التاريخ، وكثيرة هي الأحلام، ولكن ليس كل حلم يتحقق، واعتدت في حياتي أن الكثير من أحلامي تأتي اللحظة لتحققها، فأتيح لي أن أمر من أطراف بيت لحم مروراً باتجاه الجنوب مرتين لمناسبات اجتماعية، وحين زرت بلدة (جناتا) مع حملة لنا جذور، أتيح لي أن أدخل ساحة المهد لوقت قصير بدون دخول كنيسة المهد أو التجوال، فاعتبرت كل هذه إشارات نحو تحقق الحلم.

   وكانت اللحظة حين وجّهت لي دعوة من جمعية الباب الثقافية عبر صديقي الروائي نافز الرفاعي، فلم أتأخر عن تلبية الدعوة التي أتت تحت عنوان مناقشة كتابي (أطياف متمردة) في قاعة مؤسسة المجدل الثقافية يوم الخميس 26أيار2011، وبرفقة صديقة طيبة تكرمت بمرافقتي لبيت لحم وتأمين عودتي منها بسيارتها، كنت أتجه مبكراً إلى بيت لحم، فقد كنت معنياً أن أجول قدر الإمكان فيها ولو لوقت قصير لن يشفي غليلي، وأن أحضر معرضاً للفنانة التشكيلية سمر غطاس، فغادرنا رام الله مارين بجوار القدس التي يحرمها الاحتلال على طيورها، متجهين إلى بلدة (أبو ديس) ومن هناك عبر طريق وادي النار باتجاه مدينة ميلاد المسيح عليه السلام.



 

دير ابن عبيد (دير القديس عطا الله- ثيودسيوس) للروم الأرثوذكس، وعدسة زياد جيوسي

 

   من لحظة الصعود من أسفل وادي النار؛ هذا الطريق الصعب والخطر الذي فرضه الاحتلال علينا منذ إغلاق الطريق إلى بيت لحم عبر القدس، كنت أنظر لبلدة العبيدية، وكنت أراها كعروس في أبهى حلتها تركب هودجها، وتفتح ذراعيها للقادمين من رحلة صعبة لترحب بهم وتمنحهم الراحة والأمان، فتمنيت لو أن الوقت يسمح أن أجول عبق التاريخ بها، فهي بلدة تمتد عبر التاريخ، ونالت اسمها من (العبيدي فارس) من أقحاح العشائر العربية، وتضم في جنباتها أديرة من أهم الأديرة مثل دير (مار سابا)، ودير ابن عبيد (دير القديس عطا الله- ثيودسيوس) للروم الأرثوذكس، وحين اقتربنا من هذا الدير همست صديقة الرحلة: أتمنى أن أزور هذا الدير، فكلما جئته وجدته مغلقاً، فقلت لها: توقفي، فلدينا بعض الوقت وسأفتح لك بوابة الدير لنـزوره معاً، ونزلنا من السيارة ودققت جرس البوابة فرد عليّ شخص من الداخل يسأل: من بالباب؟ فقلت له: أنا زياد جيوسي كاتب وإعلامي قادم من رام الله وأرغب بزيارة الدير، فقال أهلاً وسهلاً، وفتح بوابة الدير، ورافقنا في جولة سريعة لأنهم كانوا بانتظار حجيج قادم من روسيا حضروا أثناء وجودنا.

 

 

هنا كان سيدنا المسيح عليه السلام وسيدتنا العذراء مريم في الكهف الذي أوت إليه، وعدسة زياد جيوسي

 

   ما أن دخلنا الدير حتى شعرت بعبق التاريخ يفوح بالأرجاء، ويبدأ بالبوح لي عن عظمة الأجداد وتاريخنا، وهمست لنفسي: كم هو مجال فخار لك أن تكون هنا حيث كان سيدنا المسيح عليه السلام وسيدتنا العذراء مريم في الكهف الذي أوت إليه، وأن تتنشق عظمة الأجداد الذين بنوا الدير وجعلوه مكان عبادة ومنارة علم، فالدير بناه القديس عطا الله والملقب (ثيودسيوس) في أواخر القرن الخامس ميلادي ودفن فيه في العام 520 ميلادية، وأما الدير الحالي فقد بني في العام 1900 ميلادية، وقد بني على بقايا الدير القديم الذي ما زالت آثاره قائمة، ومنها الحوض الحجري القديم لمعصرة الزيتون، وقد تجولنا الدير بالكامل، ونزلنا إلى المغارة التاريخية والتي يقال إن سيدتنا مريم أوت إليها مع سيدنا المسيح عليه السلام، والتي كانت بداية إنشاء الدير حين استقر بها القديس عطا الله متعبداً، وقد كانت في الدير مدرسة لاهوت درس فيها البطريرك (صفرونيوس) الذي سلم مفاتيح القدس للخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن ثم غادرنا الدير بعد أن شكرنا بحرارة الشخص الذي استقبلنا بكل ترحاب وخلق، وحين غادرنا همست لصديقتي: ألا ترين كم كان أجدانا عظماء ورائعين؟ فحجم الإصرار لديهم هائل، فالقديس عطا الله أتى إلى هذه العزلة بإيمان وبقعة أرض لم تكن مأهولة، ولا تعيش فيها إلا الوحوش الكاسرة، ولا يحمل بقلبه إلا الإصرار والإيمان، ولا يمتلك من الدنيا شروى نقير، ولكنه أسس الدير وتبعه أجدادنا وعاشوا وتحملوا واضطهدوا وقتلوا من الغزاة، ولكنهم لم يفقدوا الإيمان والصمود، إنهم الرائعون أجدادنا أبناء هذه الأرض وأبناء فلسطين، والآن هذا الدير وكافة الأديرة التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس، العرب الأقحاح وأبناء فلسطين وأحفاد كنعان مستولى عليها من اليونان، فأملاكها وريعها والتبرعات التي تصلها تذهب لليونان، وتخضع لسيطرة كاملة منهم، وما زالت في الذاكرة عملية بيع لأراض للاحتلال الإسرائيلي من قبل بعض القائمين على أملاك الكنيسة الأرثوذكسية، وقد أتيح لي أن أشارك في بعض فعاليات من أجل تحرر الروم الأرثوذكس وأديرتهم وكنائسهم من هذا الاحتلال، فهذه قضية وطنية يجب أن لا نتوقف أبدا عن التضامن والتعاون من أجلها، فالأرض لنا والتاريخ لنا، وهذا الوطن بمساجده وكنائسة وأديرته التاريخية لنا بغض النظر عن الديانة، ويجب أن نكون ونبقى يداً واحدة من أجل تحرر الوطن من كل الاحتلالات.

 

 

بيت ساحور ترحب بالجمال بزوارها، وعدسة زياد جيوسي

 

   اتجهنا إلى بيت لحم عبر بلدة بيت ساحور والمعروفة بحقل الرعاة، وهي مدينة قديمة تعود آثارها إلى العصر الحديدي والبرونزي، وقطنها الكنعانيون أجدادنا الأوائل، وعرفت بحقل الرعاة بسبب إقامة الرعاة فيها لرعاية مواشيهم في سهولها، وهم الذين بشروا بولادة سيدنا المسيح عليه السلام من قبل الملائكة كما تورد الديانة المسيحية، بينما اسمها يعود إلى اللغة الآرامية وتعني (بيت ساهور) أي بيت الساهر كون الرعاة كانوا يسهرون بها لرعاية مواشيهم، والبعض يقول إن الاسم مشتق من كلمة (المسحور) نسبة للرعاة الذين سحروا ببشارة الملائكة، وإن كنت أميل للغة الآرامية فهي أم اللغات السامية، فمعظم البلدات التاريخية مشتقة أسماؤها من هذه اللغة، وكان من المفترض أن أزور بيت ساحور قبل أكثر من عام بدعوة من صديقي الشاعر طلعت شعيبات خفيف الظل ثقيل الوزن، ولكن في اليوم المقرر اضطر طلعت للسفر للالتحاق بعمله في الخارج، فأخذ مني وعداً أن لا أزور بيت ساحور وأجولها بقصد الكتابة بدون ضيافته، ولكن لا أعرف كم سألتزم بهذا الوعد بعد أن طال بقاء صديقي طلعت في ظل الغياب، وإن كان هو اعتبر دعوتي لبيت لحم من خلال مؤسسة الباب الثقافية خيانة للوعد، فذكرته أن الوعد ارتبط ببيت ساحور فقط.

 

 

بيت لحم مدينة كنعانية أصيلة، وعدسة زياد جيوسي

 

   وصلنا بيت لحم هذه المدينة الكنعانية الأصيلة، والتي بناها أجدادنا الكنعانيون قبل أكثر من ثلاثة الآف سنة، ويعود اسمها إلى (بيت لخمو) وهو إله الخصب عند الكنعانيين، وفي اللغة الآرامية وردت تحت اسم (عفراتة) بمعنى الأرض الخصبة، وجذور المدينة تعود للعصر الحجري، وقد وردت في رسائل تل العمارنة المصرية في العصر البرونزي المتأخر، ولكنها أخذت أهميتها كونها مهد سيدنا المسيح عليه السلام، فأصبحت قبلة للزوار من كل أنحاء العالم، وأنموذجاً للتعايش العربي الإسلامي والمسيحي، فالدم واحد والتاريخ واحد والأرض واحدة، فجميعنا أحفاد كنعان وأبناء فلسطين هذه الأرض المقدسة، وبيت لحم تشتهر بخصوبة أراضيها وسهولها المحيطة بالمدينة على امتداد أراضي المحافظة، وقد شكلت السياحة فيها مصدر دخل أساسٍ، وتميزت بالمنتجات التقليدية من خشب الزيتون والمطرزات الفلسطينية التي تعود جذورها للكنعانيين.

 

 

مهد سيدنا المسيح عليه السلام، وعدسة زياد جيوسي

 

   ما أن وصلنا المدينة حتى اتجهنا فوراً إلى كنيسة المهد، فلا معنى لزيارة مدينة السلام بدون زيارة مهد رسول السلام سيدنا المسيح عليه السلام الفلسطيني الجليلي، وما أن دخلت البوابة حتى همست بنفسي بالسلام وقرأت الآية الكريمة (والسلامُ عَلَىَّ يَوم وُلدتُ وَيَومَ أَموتُ وَيَومَ أُبعثُ حيّاً)، وبدأت التجوال تحكمني رهبة المكان وذاكرة الزمان، وشعرت بكل حجر من حجارة المهد يهمس لي بالحكايات ويروي لي حكاية شعب وأرض، فهذا المكان الطاهر مكان مقدس شهد ولادة سيدنا المسيح عليه السلام، وفوق مغارة المهد بنيت كنيسة من أقدم الكنائس في العالم، فقد بنيت على يد الإمبراطورة البيزنطية (القديسة هيلانة) تحقيقاً لرغبة ولدها الإمبراطور قسطنطين الكبير في أوائل القرن الرابع الميلادي ما بين الأعوام 326-339م، بعد اعتناقهم المسيحية وزيارة القديسة هيلانة للمهد كمكان له قدسيته.

   أصحو من نومي مبكراً كالعادة على الرغم من أنه يوم جمعة، أجول دروب رام الله القريبة وأعانق الشمس وهي تنـزع عن أكتافها سدل الليل، أتنشق عبق ياسمينات رام الله ومن ثم أعود إلى صومعتي، وذهني يدور في أحداث الأمس وزيارتي لبيت لحم وكنيسة المهد وكل ما رأيته وعايشته، من معرض الفنانة سمر غطاس التي أسرتني بفنها وإبداعها، وصولاً إلى الأمسية الأدبية الرائعة بمشاركة أناس أروع، فأقف إلى نافذتي أروي حوض النعناع وأحواض الزهور، أحتسي وطيفي المشاكس قهوتي الصباحية، وأستمع لشدو فيروز: (يا مغارة كلها بيوت تلمع مثل الياقوت، كيف جبتي عالدار ثلج شرايط وأقمار، مين اللي جاي بعيد عم بيرش مواعيد، يدق بواب الناس و يمشي والخير علينا يزيد).

   فأهمس: ما أجملك يا بيت لحم، وما أروع تاريخنا، وحتى التقيكم في الحلقة الثانية من همسات بيت لحم وقصة كنيسة المهد، "أناديكم وأشد علي أياديكم" وأهمس لكم: صباحكم كما الوطن أجمل.

(رام الله، صبيحة الجمعة 27/5/2011)


 

6 of 6 Photo(s)

#191 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Nov 3, 2011 6:11 am
Subject: صباحكم أجمل/ بيت لحم - أطياف متمردة
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/  بيت لحم - أطياف متمردة
الحلقة الثانية

بقلم: زياد جيوسي


 

المهد من الداخل وعدسة زياد جيوسي

 

   ...، ومن يمكنه أن يقف في رحاب التاريخ وعبق القدسية ومهد المسيح عليه السلام بدون أن يشعر بالرهبة؟ فكيف أنا وقد شعرت بكل حجر من حجارة المهد يهمس لي بالحكايات ويروي لي حكاية شعب وأرض؟! فهذا المكان الطاهر مكان مقدس شهد ولادة سيدنا المسيح عليه السلام، وفوق مغارة المهد بنيت كنيسة من أقدم الكنائس في العالم، فقد بنيت على يد الإمبراطورة البيزنطية (القديسة هيلانة) تحقيقاً لرغبة ولدها الإمبراطور قسطنطين الكبير في أوائل القرن الرابع الميلادي ما بين الأعوام 326-339م، بعد اعتناقهم المسيحية وزيارة القديسة هيلانة للمهد كمكان له قدسيته.

 

 

البازليكا الأصلية حين بناء المهد، وعدسة: زياد جيوسي

 

    كنيسة المهد تعرضت عبر تاريخها لأحداث كثيرة، فقد تعرضت للتدمير في العام 529م خلال ثورة السامريين ضد البيزنطيين، ولكن الإمبراطور البيزنطي (يوستينيانوس) أعاد بنائها من جديد، ولكن شكل البناء تغير من نظام الهيكل المثمن إلى نظام (بازيلكا) على شكل صليب، وقد سلمت المهد من التدمير على يد الفرس بسبب لوحة من الفسيفساء تظهر المجوس بزيهم الفارسي التقليدي، وحوفظ على الكنيسة بفترة الخليفة عمر بن الخطاب بعد أن سلمه (صفرونيوس) بطريرك الروم الأرثوذكس مفاتيح القدس وكتب الخليفة العادل العهدة العمرية التي مثلت الإخاء العروبي بغض النظر عن الديانة، وصلى منفرداً في جنوب الكنيسة. وفي فترة الحروب الصليبية تعرضت المهد لسيطرة الصليبين الغزاة حتى حررها القائد صلاح الدين وسلمها لأهلها، وقد خضعت الكنيسة عبر تاريخها لتعديلات وترميم خصوصاً بسبب الزلازل، وهي الآن تخضع للكنيسة اليونانية أيضاً، كما كل أديرتنا وكنائسنا التابعة للروم الأرثوذكس العرب الأقحاح. وكما أشرت في الحلقة الأولى إلى أن هذا الاحتلال المرفوض يستولي على كل مقدرات المهد أيضاً، ويحرم أصحابها الأصليين من أملاكها؛ وحتى من وصول رجال الدين العرب إلى المناصب الكنسية المتقدمة، وكما أشرت سابقاً وخصوصاً بعد تجوالي في أديرة وكنائس كثيرة، مثل قرنطل ووادي القلط ودير التجلي في رام الله وأديرة منطقة بيت لحم والقدس وجنين، أعتقد أن الواجب الوطني يدعونا أن نقف بجانب إخوتنا الذين شاركونا الأصول والأرض والقتال ضد المحتلين عبر التاريخ، من أجل إعادة حقوقهم المسلوبة، فهذه الأرض لنا جميعاً وهذا التاريخ لنا وليس للعابرين.

 

 

بيت لحم وعبق التاريخ وعدسة زياد جيوسي

 

   بعد أن تجولت في كافة زاويا كنيسة المهد، وفرحت روحي أن تحلق وأن تكون في مكان ولادة سيدنا المسيح عليه السلام، والتقطت عدستي عشرات الصور للكنيسة من الداخل والخارج، غادرنا المهد وافترقت عن صديقتي التي ذهبت لشأن خاص بها على أن نلتقي في أمسيتي الأدبية في المساء، فانتهزت الفرصة وجلت في دروب التاريخ وعبقه ومدينة بيت لحم، وكم سعدت بالتجوال في هذه الدروب وبين المباني التراثية التي جرى ترميمها في مناسبة أطلق عليها (بيت لحم 2000)، فكنت رغم العجالة أستمع لهمسات الأجداد ووصاياهم تنطق بها الحجارة القديمة والأزقة والدروب، وكم فرحت حين وجدت أحد هذه الدروب التاريخية يحمل اسم كاتبنا الكبير ابن المدينة (جبرا إبراهيم جبرا)، فقدرت حجم الوفاء من أبناء المدينة لابنها المبدع، وكم تمنيت لو سمح الوقت أن أجول كل دروب البلدة القديمة، لكن كان لا بد أن أحقق رغبتي بزيارة معرض الفنانة التشكيلية سمر غطاس، والوقت قد اقترب، فعدت إلى ساحة المهد واحتسيت القهوة، ثم اتجهت لألتقي الفنانة ومعرضها الجميل.

 

 

 

دروب بيت لحم التراثية وعدسة زياد جيوسي

 

   (دم وتراب)؛ لفت نظري هذا الاسم للمعرض، ولكني لم أسأل الفنانة عن سبب التسمية، فكان يعنيني التجوال فيه وإثراء ذائقتي الفنية، وأن استنبط من خلال اللوحات والمعروضات سر الاسم، وأعتقد أنني وصلت إليه في مقالي الذي سينشر لاحقاً وتجولت فيه بأفق اللوحات وغصت بعمقها، وغادرت المعرض برفقة الفنانة والشاعر الشاب أحمد مسلم وفي القلب غصة لأن الوقت أقصر بكثير مما يستحق المعرض، فالوقوف في محراب فن سمر غطاس يحتاج لزيارات وليس زيارة، ولكني بداخلي كنت فرحاً أنني حققت حلماً حلمت به، وهو أن يتاح لي أن أحلق في فن متميز أبدعته روح الفنانة، بعد أن عرفت إبداعها عبر الصور الفوتوغرافية، وفارق كبير بين الصورة والأصل دائماً.

 

 

معرض "دم وتراب" والفنانة سمر غطاس

 

  من قاعة المعرض اتجهنا ثلاثتنا إلى مؤسسة المجدل الثقافية والتي استضافت دعوتي من قِبل مؤسسة الباب الثقافية، وكان ترحاب جميل ولقاء أجمل مع مجموعة من المهتمين، فمؤسسة الباب لا تدعو الكاتب ليقرأ، ولكن تكون قد وزعت الكتاب على الأعضاء كي يناقشوا، ودور الكاتب أن يستمع لكل النقاش والتساؤلات ويبدأ بعد ذلك الحوار، وهذا أسلوب جيد ومتميز، ومعرفتي بالكاتب نافذ الرفاعي مدير جماعة الباب الثقافية والأدبية بدأت بقرائتي روايته الرائعة (قيثارة الرمل) وكتبت عنها ما سينشر بكتاب قادم لي، وتبادل القراءة فيما نكتب حتى وجه لي الدعوة بحضور شخصي أفرحني من بيت لحم إلى رام الله، وفي الأمسية دار حوار طويل، واستمعت لملاحظات وتساؤلات كثيرة سبق وأن نشرت تفاصيلها، وقد كنت سعيداً جداً بالحوار الذي أخذ طابعاً أسرياً، فقد بدأ الحوار من الجمهور بتقديم الملاحظات والتساؤلات حول الكتاب والنصوص فيه، حيث أبدى الكاتب والناقد الأستاذ جمال بنورة العديد من التساؤلات والملاحظات، تلاه بالحديث الأستاذ محمد الديري مدير دائرة الثقافة في بيت لحم، والأستاذ محمد الحميدي مدير مؤسسة المجدل، والكاتب محمد عواد من جماعة الباب، والسيدة مها السقا التي سعدت جداً بلقائها، فهذه السيدة لها أصابع ذهبية بحفظ ذاكرة التراث الفلسطيني من خلال مركز التراث الفلسطيني، فالسيدة مها حافظة وناشرة من خلال مركزها للتراث والتطريز الفلسطيني، وأنا أعرفها من خلال جهدها ونشاطها، ووعدتها بزيارة خاصة للمركز في زيارتي القادمة، كما سعدت بالشاعر أحمد مسلم والشاعر إياد شماسنة واللقاء والحوار مع العديد من الحضور، حيث أبدوا ملاحظاتهم حول الكتاب.


 

 

صورة تذكارية مع بعض حضور الأمسية في قاعة المجدل

 

  وقد أشرت إلى أن هذه النصوص كانت مكتوبة في دفاتر ثلاثة تحمل اسم: أطياف متمردة، وشطحات مسافر، والبحث عن مرفأ، كتبت عبر زمن طويل ولم أكن أفكر بنشرها، واسم أطياف متمردة جاء تأثراً بالكاتب الكبير الذي أعتبره معلمي وهو الكاتب جبران خليل جبران الذي تأثرت به كثيراً، حيث أن اسم أطياف متمردة جاء تيمناً باسم كتاب أرواح متمردة لجبران.

  وبعد اختتام الحوار وتناول الحلويات سعدت بسهرة فنية متميزة بعد أن شكرت الحضور والمضيفين وأعربت عن حجم فرحتي باللقاء، وشكرت الكاتب نافذ الرفاعي مدير جماعة الباب على دعوته وعلى القراءة التي قدمها عن الكتاب، وشكرت جمهور الحاضرين على الحضور والتفاعل، ثم قدم المضيفين الحلويات والعصائر تكريماً للحضور، ومن ثم قدم عازف العود والمطرب محمد عبيد الله وضابط الإيقاع أحمد علقم وصلات من الغناء التراثي مع العزف، وحظيت بمشاركة الجمهور بالتصفيق والمشاركة بالغناء.. واختتم اللقاء بأخذ الصور التذكارية من الحضور معي.

   ومن ثم غادرت المركز برفقة صديقتي الطيبة، فتركنا السيارة أمام مؤسسة المجدل واتجهنا نحو قلب المدينة سيراً على الأقدام، واحتسينا القهوة في مطعم مركز السلام في ساحة المهد، ودار حديث بيني وبين السيد عادل البندك صاحب المطعم، وحقيقة أبدى الكثير من الملاحظات المهمة التي يمكن أن تطور الاستثمار السياحي في المدينة، وأعتقد أنه على المسؤولين أن يستمعوا جيداً للملاحظات وأن لا يكونوا رهينة لقوانين جامدة أو مزاجيات فردية، فمدينة مثل بيت لحم وضواحيها هي نقطة جذب كبيرة للسياحة بحكم قدسيتها على مستوى عالمي، وهذا يحتاج إلى توفير ظروف السياحة وبنيتها التحتية، ولا يمكن ذلك من دون الاستماع للمعنيين كأصحاب المحلات التجارية والمقاهي والمطاعم والفنادق السياحية، فهم أبناء السوق وأكثر إطلالة من موظف خلف مكتبه.

   غادرنا المكان بعد أن شكرت السيد عادل على لطفه وحديثه وحسن ضيافته عائدين إلى السيارة سيراً على الأقدام مرة أخرى، في جو لطيف ومنعش لنغادر بيت لحم إلى رام الله، وحين أصبحت على بوابة المدينة نظرت إليها وهمست: آت إليك قريباً يا بيت لحم، فعيناي لم تشبع من جمالك، وروحي التي عشقتك من أول نظرة تركت بعضاً من مزقها فيكِ، فلا بد من لقاء آمل أن لا يطول.

 

 

جدار الفصل والضم يتحول لوحة للمقاومة وعدسة زياد جيوسي

 

   هو الصباح الرامي الجميل مرة أخرى، وما زلت أستعيد ذاكرة الجمال ولقاء بيت لحم، أقف لنافذتي وفنجان قهوتي وطيفي الذي لا أتمنى أن يكف عن مرافقتي ومشاكستي، فأهمس: شكراً لك صديقي نافذ الرفاعي، وشكراً لمؤسسة الباب الثقافية والأدبية، فقد حققتم بعضاً من حلمي بمعانقة بيت لحم حيث البهاء والسناء والعبق المقدس، وشكراً لكم جميعاً يا من التقيتكم في بيت لحم وغمرتموني بالمحبة، وشكراً لكِ يا صديقتي الطيبة على مرافقتي الرحلة وتحمل تعبها الممتع معي، وأحلم بلقاء آخر مع بيت لحم وأستمع وطيفي لفيروز تشدو: (نسم علينا الهوا من مفرق الوادي، يا هوا دخل الهوا خدني على بلادي، يا هوا يا هوا، يلي طاير بالهوا، في منتورة طاقة وصورة خدني لعندن يا هوا، فزعانة يا قلبي، أكبر بهالغربة، ما تعرفني بلادي،خدني خدني خدني على بلادي).

وحتى لقاء آخر لا بد أن يكون قريب لأكمل وإياكم جولة أخرى في رحاب بيت لحم، أهمس لكم: صباحكم أجمل..


(رام الله، صبيحة السبت 28/5/2011)


 

7 of 7 Photo(s)

#192 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Mon Oct 24, 2011 7:25 am
Subject: ذاكرة المكان في لوحة (مجموعة إنسان)
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

ذاكرة المكان في لوحة (مجموعة إنسان)
بقلم: زياد جيوسي

 

 

    كان للمكان أثره في دواخلي وعلى الذاكرة دائماً، ومن هنا كان انصبابي في الصورة الفوتوغرافية على المكان وخصوصاً الأبنية التراثية، وكانت المعارض الفوتوغرافية التي شاركت بها تعتمد على ذاكرة المكان وروح الإنسان التي تركها عبر الزمان والتاريخ في ثنايا المكان، ولعل هذا ما دفعني لعشق اللوحات المرتبطة بالمكان كثيراً، حتى أنني غادرت رام الله إلى مدينة الزرقاء في الأردن لحضور معرض عن المكان للفنان حسين نشوان وعدت مباشرة بعد المعرض، لأفرغ ما اجتاح روحي في قراءة مطولة عن المعرض.

   وحين أتيح لي أن أرى لوحة بعنوان (مجموعة إنسان) للفنانة ريما الزعبي، شدتني بقوة، ففي اللوحة تمازج المكان التراثي مع الإنسان، ذاكرة المكان التي تروي حكاية الإنسان، فاللوحة اعتمدت مشهد حيّ تراثي، واستخدمت فيها الأسلوب التكعيبي في بناء المشهد العام، وتمازجت فيها الأبنية مع الوجوه، فأصبح الوجه البشري وكأنه بوابات العبور ونوافذه، ووجوه تروي الحكاية، ولا تكف عن الهمس بلغة العيون، أو ما يمكن أن نسمعه من همسات الأجداد في المكان.

   اللوحة لم تغفل الأدراج، وهي عادة مرتبطة بالأمكنة التراثية، فنجد الدرج على يمين ويسار اللوحة، وكأنهما يشيران للامتداد القادم والتواصل بين الماضي والحاضر والمستقبل، وفي أسفل منتصف اللوحة نجد سلماً برمزية واضحة لفكرة المستقبل، فهو يصعد حتى يصل إلى بوابة صغيرة، لونها يمزج الأخضر مع الألوان المحيطة به وخصوصاً القاعدة التي تمزج الوردي مع الأبيض في إشارة واضحة للمستقبل.

   الأخضر من خلال أشجار النخيل لم يفارق اللوحة، فكان النخيل أفق اللوحة، وجميعنا يدرك قدسية هذه الشجرة في التاريخ العربي والإسلامي، أما ألوان اللوحة فتناسبت بمزجها ونسيجها مع الموضوع المطروق في اللوحة، فكانت تدرجات اللون البني وهي المرتبطة بألوان الأرض هي الغالبة، بينما كان أفق اللوحة حيث السماء يمزج اللون الأزرق الداكن مع الأزرق الفاتح، ونرى في يسار أعلى اللوحة بالنسبة إلى المشاهد، أن اللون الأزرق في السماء كان يأخذ لوناً أقل بدكنته من باقي السماء، بحيث ظهر وكأنه نافذة الحلم بالأجمل في المستقبل، وهنا لا بد من الانتباه لنقطتين؛ الأولى: أن هذه المساحة جاءت فوق وجهين لامرأتين امتزجتا بشكلهما العام والألوان من خلال اللوحة وكأنهما بناءان في المنطقة، والثانية: أنه خلف الوجوه عدة أشجار نخيل أخذت طابع التواصل التراتبي بالحجم من الأصغر في اليسار حتى الأكبر، فهل قصدت الفنانة بهذه الرمزية أن أمل المستقبل قائم على ثلاثة ركائز؛ تراثنا الذي يجب أن نحافظ عليه، والمرأة التي تنجب الأجيال القادمة، والأرض من خلال الزراعة والاعتماد على الذات؟

   في هذه اللوحة نجد أن بؤرة اللوحة ترتكز على وجه لامرأة غاضبة يمتزج مع البناء وهي تفتح شفتيها وكأنها تصرخ بقوة، وفي أعلى منتصف اللوحة نجد دائرة بإطار عريض يمتزج لونه مع ألوان اللوحة والأبنية، وفي أسفل الإطار وجه لامرأة يظهر منه عيون واسعة، فهل كانت هذه الدائرة عند الفنانة هي طاقة الأمل للغد القادم؟

   كمعظم اللوحات التي شاهدتها للفنانة فقد كان الأسلوب الحلزوني المعتمِد على بؤرة في قلب اللوحة هو أسلوبها الفني، وهذا الأسلوب يتميز بقدرته على شد المشاهد إلى وسط اللوحة وقلبها، ثم ينتقل كموجات الدوامة المائية للأطراف، فتصله الفكرة من خلال توسع الدوائر حتى الوصول إلى دائرة معينة تترك سؤالاً في روح المشاهد: وماذا بعد؟ ومن هنا نستطيع أن نقول إن اللوحة تحمل في ثناياها رسائل وأفكاراً عبرت عنها ريشة الفنانة باللون، واعتمدت الرمزية كثيراً في اللوحة، لكن الرمزية الواضحة وليست المشوشة، فكانت رمزيتها باللون وتدريجاته، والوجوه وامتزاجها مع البناء من ناحية والتعبير فيها، وحجم العيون وسِعتها، والنخيل، والأدراج، واستخدام الألوان الحارة والباردة، إضافة إلى التركيز على المرأة، كلها رموز ذات دلالات ومعاني، تجسد لدى المشاهد الفكرة التي حملها العنوان للوحة "مجموعة إنسان"، فكانت المجموعة تروي حكاية الإنسان مع المكان عبر الزمان، من خلال اللون وإبداع الريشة، وروح متألقة لفنانة أجزم القول إنها فنانة متألقة.

 

 (رام الله 1/10/2011)

 

 

1 of 1 Photo(s)

#193 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Nov 16, 2011 10:43 am
Subject: صباحكم أجمل/ بيت لحم حب وإبداع - الحلقة الثالثة
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ بيت لحم حب وإبداع

الحلقة الثالثة

بقلم: زياد جيوسي

 

 

العراقة والتراث في مباني بيت لحم التراثية وعدسة زياد جيوسي

 

حين غادرت بيت لحم عائداً إلى المحبوبة الأولى ومعشوقة الروح وذاكرة الطفولة رام الله، في وقت متأخر يوم 26/5/20011 شعرت أن هناك مزقاً من قلبي بقيت فيها، وقد تركت دعوة مؤسسة الباب الأدبية لي والأحبة الذين التقيت بهم هناك، أثراً كبيرا في الروح ومشاعر متأججة، وبقيت أشعر بعطش لتذوق جمال بيت لحم وعبق تاريخها مرة أخرىخرىأخرى، وعلى الرغم من أنني زرت أطراف المدينة مرتين بدعوة من أصدقاء يسكنون القلب والروح إلى منتجع مراد في مدخل بلدة (دار صلاح)، إلا أن هذه الزيارات بقيت منقوصة، فهي لم تشبع روحي بزيارة بيت لحم المدينة والتجول في أرجائها، حتى اتصل بي الصديق الغالي خالد الصيفي أكثر من مرة لدعوتي لزيارة بيت لحم بدعوة من مؤسسة إبداع التي يديرها، ووافقت على الدعوة تاركاً تلبيتها لظروف برنامجي لتحديد الوقت المناسب، ولكني تأخرت بتلبية الدعوة حتى خاطبني ذات مرة على متصفحي علناً: "متى ستفك قيودك وتتحرر من رام الله وتزورنا؟"، فأجبته: قريباً يا صديقي سأرتب أموري وأزوركم فهي رغبتي أولاً، ولكني سأتعبك معي بالتجوال فأنا لا أهدأ حين أعانق المكان والتراث، فكيف حين أن أعانق بيت لحم والشوق إليها يشتعل في الروح والقلب؟!

   صبيحة السبت  كنت على موعد مع بيت لحم حيث الحب والتاريخ، ورسول السلام والقديسين الذين تركوا أثرهم في تاريخنا، وذاكرة كنعان جدنا الأول الذي بدأ الحضارة في رحاب أرض قدسها الله سبحانه وتعالى وعشقها البشر، فغادرت رام الله مبكراً بحافلة عامة مروراً  بواد النار الذي أصبح أصلح حالاً بعد زيادة عرضه وإنارته بوساطة الطاقة الشمسية وإعادة تعبيده، فسهل الكثير على المواطنين بعد أن أغلق الاحتلال طريق القدس بوجه أبناء البلد وأصبح حراماً على بلابله الدوح، ولكن تبقى الغصة في قلوب أبناء الأرض قائمة، ولا يمكن أن تزول قبل أن يزول الاحتلال، وترجع القدس إلى أبنائها، وتعود الطريق من قيامة المسيح إلى مهده، ومن الأقصى حتى الحرم الإبراهيمي مفتوحة عبر القدس لأبناء الوطن.

 


 

إبداع وعدسة زياد جيوسي

 

   في التاسعة صباحاً كنت في محطة الوصول في بيت لحم، وبالكاد بدأت باحتساء فنجان قهوة من بائع اتخذ مدخل الموقف للبيع والرزق حتى كان صديقي خالد الصيفي قد حضر، وبعد اللقاء الحار بدأنا الجولة بزيارة (مركز إبداع) في مخيم الدهيشة، وأعترف أن معلوماتي عن المركز كانت منقوصة كثيراً، فلم يكن في ذهني أكثر من مركز يهتم بالفن وإبداع الطفل، ولم أتوقع أن أجد مؤسسة متكاملة النشاطات في خدمة المخيم وأبناؤه والمجتمع المحلي، ومن قبل وصولنا إلى المبنى الأول وأثناء مرورنا بأزقة المخيم لفت نظري أن الجدران مغطاة باللوحات المرسومة على الجدران، فمن لوحات لرسومات ناجي العلي، إلى لوحات لفنانين آخرين كلها تحمل البعد الوطني والبيئي والمجتمعي، بحيث أحالت أزقة المخيم التي مررت بها إلى قرية فنية بشكل مختلف تماماً عن كل المخيمات التي تجولت بها وزرتها سابقا، بحكم عملي السابق في شؤون اللاجئين أو كما كنا نسميها في الخارج (شؤون العائدين)، وحين انتبه خالد الصيفي إلى دهشتي سألته عن هذه الفكرة وهذا الإبداع، ففوجئت أن معظم ما أراه هو من أنشطة مركز إبداع وطلابه، فصمتّ إجلالاً لهذه الجهود وهمست بداخلي: إن كانت هذه البداية فما الذي سأراه أمامي؟

 


 

لوحة موقعة من أبناء المخيمات في مركز ابداع وعدسة زياد جيوسي

 

   وصلنا مركز إبداع فوجدته من عدة طبقات، وبدأنا التجوال في المركز لأجد عيادة لمرضى السكري، وعيادة أخرى لعلاج النظر وفحصه، عالجت المئات ووزعت النظارات بأسعار رمزية، ما أثار ضجة من الذين يبيعون بأسعار عالية دون إحساس بظروف أبناء المخيم والوطن، لأنتقل إلى دار حضانة وروضة أطفال ومكتبة أطفال وحديقة مزودة بالألعاب للأطفال، ومشغل تطريز للتراث الفلسطيني وقسم للمنتجات التقليدية، وقسم لتعليم الحاسوب وقاعات تعليمية أخرى، وتنقلنا من طابق إلى طابق لأجد في كل دور مفاجئة جديدة، ولعل مشروع قسم الإعلام تحت التجهيز كان من المفاجئات الكبيرة لي، ومن زاوية إلى زاوية ومن طابق إلى طابق وفي كل زاوية مفاجئة وروعة وإبداع، حتى صعدنا إلى سطح المبنى، فبدأت التقاط الصور لأزقة المخيم والتلال المحيطة به، فعدستي لم تهدأ عن التقاط الصور وتوثيق ذاكرة اللحظة من لحظة دخولي المبنى.

 

 

مخيم الدهيشة وعدسة زياد جيوسي

 

   سألني صديقي خالد الصيفي بعد إنهاء زيارة المبنى الأول لمؤسسة إبداع وقبل زيارة المبنى الثاني: كيف تريد أن يبدأ برنامج في بيت لحم؟ فهمست له: بعد أن نزور المبنى الثاني لمؤسسة إبداع أريد أن أجول دروب البلدة القديمة كاملة سيراً على الأقدام ومن ثم أزور كنيسة مغارة الحليب وبعدها المؤسسة الدولية، وبعد الغداء سنكمل البرنامج، واتجهنا إلى المبنى الثاني لمؤسسة إبداع لأجد مفاجئات أخرى سيكون لها حديث آخر، ومن هناك اتجهنا إلى البلدة القديمة وتركنا السيارة في شارع بعيد وصعدنا درجاً يؤدي للسوق الشعبي، وبدأنا التجوال في أزقة ودروب بيت لحم القديمة، وفي كل زاوية كانت هناك حجارة تروي حكايات وقصص، فهمست لي: كيف حفر الأجداد الصخور بأظافرهم وبنوا المدينة عبر الأجيال، بدأها أبناء كنعان وواصل الأحفاد المسيرة جيلاً إثر جيل، أسرت لي بقصص عشق الجدات والأجداد، وكيف قاوم الرجال أحفاد كنعان الغزاة عبر التاريخ، وروت لي الدروب والأزقة كيف كان أبناء كنعان وأحفاده يد واحدة عبر التاريخ لا يفرقهم دين ولا محتل، وهمست لي عن قصص الرهبان وتفرغهم للعبادة وعن فرح المدينة باستقبال سيدتنا مريم العذراء ليكون ميلاد سيدنا المسيح فيها ولتكون المدينة مهده، ومن زقاق إلى زقاق ومن درب إلى آخر، كانت قدماي تجول وروحي تحلق وعدستي لا تتوقف عن التقاط زاويا الصور، فقد كنت في حالة من التحليق الروحي أقرب إلى التصوف من حالة زائر عابر، فمن يجول دروب بيت لحم وبلدتها التراثية والقديمة لا يستطيع التوقف عن الدهشة، ولا تتوقف عيناه عن تأمل الجمال وروعة ما تركه الأجداد لنا، ومن شارع إلى شارع، ومن زقاق إلى زقاق، كنت أحلق بعالم آخر من الجمال، فسحر بيت لحم لا يقاوم، وقدسيتها تملأ الروح سكينة وسلام، وعبقها كأنه عبق الياسمين ينسكب شلالات عطر قادمة من أعماق التاريخ.

 






مغارة الحليب وعدسة زياد جيوسي

 

   وصلنا ساحة كنيسة المهد وهمست: عليك السلام يا سيدنا عيسى المسيح يا رسول السلام، ومن جوار المهد كنا نتجه لكنيسة مغارة الحليب، وما أن وصلناها حتى وقفت بدهشة أمام بوابتها المتميزة بنقشها، وأتأمل اللوحات والأيقونات التي نقشها الفنانون المحليون في القرن التاسع عشر حيث نقشوا صوراً لحكاية سيدتنا العذراء وطفلها المسيح عليه السلام على الحجارة المثبتة على مدخل المغارة، ونزلت درج المغارة لأجد نفسي في عبق القدسية والتاريخ، أجول زواياها متأملاً من ناحية وفرحاً من ناحية أخرى، فهل هناك فرح كما الفرح أن تقف وتجول حيث كان المسيح عليه السلام طفلا يرضع؟ ومن داخل القاعة في المغارة تنقلت إلى قاعات أخرى تستخدم للصلاة، ومن ثم إلى الحديقة الخلفية والمقبرة التي تضم رفات الذين سبقونا ورحلوا، وهذه الكنيسة محاذية لكنيسة المهد وهي عبارة عن عدة مغر متصلة، ولاسمها قصة تقول إن سيدتنا مريم العذراء أثناء هربها إلى مصر مع سيدنا عيسى المسيح عليه السلام وهو طفل، التجأت للمغارة، وأنه أثناء ترضيعها الحليب لسيدنا عيسى تساقطت بعض من قطرات الحليب على أرض المغارة، فابيضت جدران المغارة وحجارتها جميعاً، والمغارة من الحجر الجيري الأبيض، وبسبب هذه القصة أصبحت المغارة مزاراً وخصوصاً ضمن الاعتقاد أن حجارتها بسبب حليب السيدة مريم العذراء أصبح لها قدرات على الشفاء، فيزورها المرضى ويأخذون من ترابها ويشربونه بعد إذابته وغليه مع الماء لشفاء المرض، ومن كثر إضاءة الشموع فيها امتص سقفها دخان الشموع وأصبح لونه يميل للسواد، والكنيسة الأولى في الموقع بنيت في فترة الاحتلال الصليبي لوطننا، ولكنها دمرت لاحقاً وبنيت كنيسة أخرى يعود تاريخها إلى العام 1838حسبما تشير اللوحة المنقوشة على مدخلها، والكنيسة والمغارة والدير فوقها يشرف عليها الآباء الفرنسيسكان.

 

 

كنيسة مغارة الحليب وعدسة زياد جيوسي

 

   ومن كنيسة مغارة الحليب تحركنا إلى أحياء جديدة في بيت لحم التراثية والسوق الشعبي، وجلت أزقة ودروب جديدة كلها تروي حكايات وحكايات، وقد لفت نظري يافطة على بوابة مبنى فدخلته فوجدت فيه مطرزات ومواد تراثية معروضة للبيع، ولكن السيدة العجوز في المكان رفضت أن أصور وأوثق ما رأيت، فاحترمت موقفها واكتفيت بالنظر والتأمل، وهمست لنفسي: ربما ظنت السيدة العجوز أني سأسرق من خلال الصور نقشات التطريز المستخدمة، علماً بأن رأيت مثلها وإبداعاً أكثر في العديد من الأمكنة والأماكن وفي الكتب المتخصصة بذلك، فشكرتها بعد الجولة وخرجت ومضيفي خالد الصيفي باتجاه (دار الندوة الدولية) وحديث آت في الحلقة الرابعة القادمة من عبق تراث وتاريخ بيت لحم، وحكايات الجدود والجدات وهمس المكان، منذ ضربة المعول الأولى لجدنا كنعان لبناء حضارة وتاريخ وذاكرة لن تضيع أبداً على الرغم من كل قهر الاحتلال ومحاولاته لشطب ذاكرة لن تشطب أبداً.






دروب بيت لحم التراثية تروي الحكايات وعدسة زياد جيوسي

 

   هي رام الله أجولها في الصباح الباكر أعانق ياسميناتها وارقب نموها والجمال، أرقب أوراق الخريف التي تساقطت عن الأشجار فكست الأرض بذهب تشرين، وأهمس لها: منذ فترة لم أعانقك وأكتب صباحك أجمل يا رام الله، ولكنك بالتأكيد تعذريني وأنا أعانق شقيقاتك الحوريات الكنعانيات، وأعود إلى صومعتي لأعد نفسي ليوم عمل جديد بنشاط وهمة على الرغم من كل تعب الأمس والذي كان تعباً ممتعاً في التجوال في بيت لحم، فأقف لنافذتي أحتسي القهوة وأستعيد كشريط سينمائي رحلتي لبيت لحم، وأشعر بأنفاس طيفي المشاكس تحيطني وتهمس لي من البعيد، فنستمع معاَ لفيروز تشدو: (لملت ذكرى لقاء الأمس بالهدب ورحت أحضرها في الخافق التعب، أيدي تلوح من غيب وتغمرني بالدفء والضوء بالأقمار بالشهب).

  فأهمس: صباحكم أجمل أحبتي، صباحك أجمل يا وطني، صباحك أجمل يا بيت لحم، فزيارتي لك نقشت في حنايا القلب قصة عشق جديدة، فلا بد من لقاء جديد آمل أن لا يطول، كي أعانقك مرة أخرى وعبق التاريخ والذاكرة.

(رام الله الأحد 23/10/2011)

  

 

7 of 7 Photo(s)

#194 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Dec 7, 2011 10:41 am
Subject: صباحكم أجمل/ بيت لحم إبداع وترنيمة عشق (الحلقة الرابعة).
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ بيت لحم إبداع وترنيمة عشق

(الحلقة الرابعة)

 

بقلم: زياد جيوسي

 

صباحكم أجمل؛ صباح آخر للوطن، صباح النسمات المنعشة تهب على نافذتي فتمنحني متعة الصباح وأمل بنهار أجمل.

لم أخرج إلى الشارع صباحاً، فقد نمت متعباً مرهقاً بعد يوم عمل متعب، تلاه لحظات حلم خدر جميل. أصحو وعيناي قد غطاها النعاس وبقايا السهر من التفكير وبعض من ثورة نفس وشعور بظلم احتلالي يسيطر على وطني، واحتلال الكنيسة اليونانية لتاريخنا وإرثنا، حين استذكرت معانقتي لبيت لحم ما أقلق نومي، فتغير موعد نومي فأثر فيّ صباحاً.

 


 


دار الندوة الدولية وعدسة زياد جيوسي

 

أستعيد ذاكرة بيت لحم والتجوال في عبق التاريخ، ففي قلب هذه الأزقة التاريخية والدروب التي تروي الحكايات وقصة الأجداد وملحمة كنعان، وصلنا إلى دار الندوة الدولية، وهو من المؤسسات القائمة على اللوثرية، ومن أهدافه المعلنة خدمة المجتمع الفلسطيني بأكمله مع تركيز خاص على الأطفال والشيوخ والنساء وجيل الشباب، ودار الندوة جزء من اتحاد الديار وهي مجموعة مؤسسات ترفع شعار خدمة أفراد المجتمع (من الرحم إلى القبر)، وهذا الدير الذي حوله السيد (متري الراهب) إلى مركز ثقافي متميز ونقطة جذب على مستوى عالمي، توجد به قاعة مسرح للعروض المسرحية والموسيقية وعرض أفلام السينما وعقد المؤتمرات، وقاعات لعرض الفن التشكيلي وعقد الاجتماعات، وما زلت أتذكر دور الدار في مؤتمر تم عقده، وأخرجت المخرجة الفلسطينية وفاء جميل فيلم من خلال هذه المؤتمر بعنوان (الجذور)، حضرته وكتبت عنه مقالة نقدية طويلة، حيث قال وعقب الدكتور متري الراهب مدير مؤسسة دار الندوة الدولية: "أولئك الإسرائيليون يظنون أن الله منحهم الأرض، إن إسرائيل أصبحت كقطعة جبنة سويسرية، وتدفع الفلسطينيين إلى داخل ثقوب الجبنة". 

 


 

فرن قديم متوارث أباً عن جد ومتخصص بوجبة (القدرة) وعدسة زياد جيوسي

 

   غادرنا المبنى وأكملنا التجوال في أرجاء عبق التاريخ في بيت لحم، وتجولت في السوق التراثي القديم، وتمتعت بزيارة فرن قديم متوارث أباً عن جد ومتخصص بوجبة (القدرة) والتي اشتهرت بها المنطقة عامة ومدينة الخليل خاصة، فتمتعت بالتقاط الصور للفرن والعاملين والقدور النحاسية الخاصة بصناعة هذه الوجبة، وبعدها جلنا بعض من شوارع المدينة لنتجه إلى المبنى الثاني لمؤسسة إبداع في بدايات المخيم.

 


 

كؤوس ودروع وهدايا رياضيين من أنحاء العالم نالها فريق ابداع الرياضي وعدسة زياد جيوسي

 

   وجدت مفاجآت أخرى بانتظاري، فهناك مركز رياضي وفريق كرة سلة تميز وأبدع وحلق، فامتلأت القاعة في الطابق الأرضي بالكؤوس والدروع وهدايا رياضيين من أنحاء العالم، كما كانت قاعة عرض لمنتوجات التطريز والتراث، وجدران بيت الدرج من المدخل حتى السطح كانت عبارة عن لوحة واحدة تروي حكاية الشعب الفلسطيني منذ ما قبل النكبة حتى اللحظة، والطابق الثاني بالكامل عبارة عن غرف استضافة لمبيت ومنامة ضيوف المركز والمخيم، وفي طابق آخر قاعة واسعة يتصدرها مسرح مجهز، وتنيرها وجوه صور ثلاثة شباب كأنهم أقمار في السماء، هم شهداء المركز الذين استشهدوا أثناء مقاومة الاحتلال، فترحمت عليهم وقرأت لأرواحهم الفاتحة، وشعرت بهم يبسمون ويهمسون لي: ما زلنا أحياء ونرى أنفسنا من خلال مَن يواصلون العمل لتحقيق حلمنا بوطن حر وصباح أجمل، ومن خلال أحبة وأجيال جديدة تواصل بناء الحلم الذي حلمناه من خلال إبداع.

 


 

شهداء المركز الذين استشهدوا أثناء مقاومة الاحتلال وعدسة زياد جيوسي

 

  وفي الطابق الأعلى مطعم ومكان لتقديم القهوة بأسعار متواضعة جداً تحت إدارة جيدة، فقد لمست الأناقة والجمال والنظافة، وتوفر الخدمة الجيدة إضافة إلى الإطلالة على أطراف المخيم والشارع الرئيس، فهمست لنفسي: نعم إن الحلم هو البداية لخلق الواقع، ومن حلم بدأ بمبلغ 176 شاقلاً ترافق بجهود خالد الصيفي وأصدقائه، وبدون توفر مكان نشأت فرقة الفنون للأطفال وأثبتت وجودها، ومن حلم تخيله كل طفل في لحظة ما وعبر عنه، تواصلت مسيرة المركز حتى وصل إلى ما وصل إليه، فقد لفت نظري أن المركز يهتم إضافة إلى كل ما أشرت به بتأمين قوافل لأداء العمرة للمحتاجين من أبناء المخيم خصوصاً كبار السن، وتأمين منح دراسية للطلبة وتأمين العلاج واستضافة أطباء لإجراء عمليات جراحية مجانية للمرضى من أبناء المخيم والمحتاجين، فقدرت ذلك جداً وشعرت بأهمية ودور الرسالة التي يؤديها إبداع، وشعرت كم أني خسرت لأنني لم أتابع منذ البدايات هذه الجهود، وإن عزوت ذلك إلى البعد بين رام الله وبيت لحم من جانب، وأن متطوعي المركز والأعضاء يعملون بصمت كجنود مجهولين في خدمة المجتمع. 

   من قلب هذه الروعة التي عشتها منذ لحظة وصولي بيت لحم حتى شعرت أني أحلق في عالم آخر من الجمال، اتجهنا لتناول وجبة الغداء في بيت مضيفي خالد الصيفي، وتعرفت إلى أسرته الرائعة السيدة أمل التي أعدت لنا وجبة (منسف) تقليدية رائعة ومتقنة تدل على حسن ضيافتها وروعة أنفاسها بإعداد الطعام، وتعرفت إلى ابنتهم كيان والأبناء أيسر ومحمد، الذين استقبلوني بكل محبة وترحاب، لنحتسي القهوة بعد قليل من الراحة ونخرج لنواصل التجوال في عبق التاريخ وبيت لحم.

 


 

مركز التراث الفلسطيني وعدسة زياد جيوسي

 

  كانت وجهتنا مركز التراث الفلسطيني واللقاء مع حارسة التراث وحافظته السيدة مها السقا والتجوال في أرجاء مركزها المتميز، وحين وصولنا المركز لم أحظ بلقاء السيدة مها السقا فقد نسيت رقم هاتفها في رام الله، وإن سعدت بالتعرف إلى ابنها الشاب رائد والشابة العاملة في المركز، وقد عرفت رائد فوراً من خلال صور شاهدتها لحفل زفافه، فقلت له: أأنت العريس؟ وباركت له فحفل زفافه كان عرساً تراثياً حقيقياً بكل ما تعنيه هذه العبارة، فتميز باللباس والدبكة والموسيقى والأغنيات والزفة، فرحبوا بنا أجمل ترحيب وما أن دخلت وتجولت بالقاعة والمكتب حتى أصبت بحالة من الذهول من حجم ونوعية ورقي المطرزات التراثية التي تمثل كل أجزاء ومناطق فلسطين، وشعرت بأرواح الجدات الحوريات الكنعانيات تجول معي في كل زاوية من زوايا المركز، تهمس لي وتبتسم وتحنوا على حفيدها الكنعاني الذي لا يكف عن التجوال ومعانقة المكان والتراث والتاريخ.

 


 

الخيمة البدوية التي تتصدر القاعة وعدسة زياد جيوسي

 

   شعرت بأرواح الصبايا الكنعانيات تجلس معي في الخيمة البدوية التي تتصدر القاعة، تسقيني القهوة العربية من بين يديها وتتبختر كل حورية بلباس مطرز كل لباس يعبر عن تراث منطقة من بلدات الوطن، وحين دخلت المكتب الداخلي كنت أشعر بأنفاس حوريات كنعان ترافقني وتنثر الدفء والفرح في فضائي، حين تجولت عيناي بهذا الكم الكبير من الصور المعبرة والمطرزات الرائعة، حتى أني شعرت من حجم المفاجأة بجفاف حلقي، فطلبت من الشاب رائد كأساً من الماء شربته دفعة واحدة، وحين أكملت التجوال ورأيت الأدوات والقطع التراثية التي استخدمها الأجداد شعرت بسواعدهم القوية السمراء تصافحني بقوة وتشد على يديّ، فهمست: أيا أجدادي الرائعين الذين حفروا الصخر بأظافرهم، أعذروني إن كانت يديّ لم تعرف إلا القلم وعدسة التصوير.

 


 

بعض من جهود حارسة التراث وحافظته السيدة مها السقا وعدسة زياد جيوسي

 

   هي رام الله وصباح جميل آخر رقيق النسمات، أعانقها والياسمينات من نافذتي، أشعر بطيفي يرافقني ويهمس لي: متى ستكمل الحكاية عن بيت لحم وعن مركز التراث الشعبي فيها؟ فأهمس: ما زال هناك حديث كثير وما زلت أحتفظ في ذاكرتي ببوح آخر باحت به حوريات كنعان سأبوح به قريباً إن شاء الله، وهمست لنفسي: سامحك الله أيتها السيدة الأنيقة مها السقا، فقد جمعت في مركزك جدنا كنعان وأحفاده وكل الحوريات الكنعانيات، وجعلتني أترك مزقاً من قلبي في المركز، وأحتاج لحديث كثير وزيارات أخرى حتى أستعيد مزق قلبي، فأحتسي وروح طيفي القهوة ونستمع لشدو فيروز: (راجعين يا هوى راجعين، يا زهرة المساكين، راجعين يا هوى على نار الهوى، بنودع زمان، بنروح لزمان ينسانا على أرض النسيان، بنقول رايحين، بنكون راجعين، على دار الحب ومش عارفين).

   فأهمس لبيت لحم: هو الهوى تغلغل في قلبي وروحي، فلا بد أن أعود وأعانقك من جديد، ففي دفئك قصة حب وترنيمة عشق، وحتى نلتقي في الحلقة الخامسة من بوحي لبيت لحم أهمس لك ولكم جميعاً: صباحك وصباحكم أجمل.

 (رام الله - الاثنين 24/10/2011)

 


 

7 of 7 Photo(s)

#195 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Dec 15, 2011 5:43 am
Subject: ثرثرة الأيام.. بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

 ثرثرة الأيام

 

بقلم: زياد جيوسي

 


 

   عرفت جليلة الجشي كاتبة وشاعرة عبر ما أتيح لي أن أقرأه لها عبر الصحافة، وكنت أرى فيما بين سطورها وبوح حروفها سيدة رقيقة، ولكنها سيدة صلبة في الوقت نفسه، حتى التقيتها ذات مرة، وتكرر اللقاء في مكتبها الصغير والجميل، وتكرر الحوار بيننا لتترسخ الفكرة التي كونتها عنها قبل أن أعرفها وألتقيها.

   وذات لقاء أهدتني كتابها "ثرثرة الأيام" مذيلاً بإهداء جميل يدل على حجم الانتماء للأرض والوطن، حين قالت لي في الإهداء: "صادروا أرضنا ولكن هيهات أن يصادروا أحلامنا"، فابتسمت حين قرأت العبارة وهمست بداخلي: نعم، لن يصادروا حلمنا في الصباح الأجمل. وحين بدأت أتصفح الكتاب لفت نظري عنوانه "ثرثرة الأيام"، لكني وبمجرد تصفحه، وجدت أن محتواه همسات الأيام، فالكتاب احتوى مقالات ومقابلات صحافية وخواطر وقصائد ما بين نثر شعري وشعر شعبي، ولعل الكاتبة أرادت بالعنوان أن ما يضمه الكتاب أحاديثها عبر السنوات، ورأيت فيه أنا همساتها، فهي تقول في المقدمة: "أنا لست بشاعرة أو أديبة – وإن كان البعض مشكوراً قد منحني هذا اللقب- إنما كتبت هذه المجموعة من الخواطر والكتابات الشعرية والنثرية التي كانت وليدة المناسبة ودون تخطيط مسبق، نتيجة لأحداث الانتفاضة المباركة التي استفزت قلمي، فثار وثرت معه".

   ثرثرة الأيام ليست بالكتاب المتخصص، ولا يمكن إخضاعه للتصنيفات المعتادة، وبالتالي رأيت في نصوصه ومقالاته وعبر تصفحي له ما اصطلح على تسميته "نصوص عابرة للتجنيس"، ففي هذه النصوص كتبت جليلة عن هموم وأحزان الإنسان الفلسطيني، واهتمت بمشكلات الطفل الفلسطيني الذي سرق الاحتلال الفرحة من عينيه، وكتبت عن هموم المحبين والعاشقين وأحزانهم المتناثرة، فهي في "ثرثرة أيامها" لامست الروح الإنسانية وجالت في فضائها وغاصت في أعماقها، فكانت روح جليلة الرقيقة هي التي تسكب نزفها وليس قلمها.

   في كتابها مازجت جليلة بين النثر والشِّعر، وبين القصة القصيرة والخاطرة، وبين همساتها في مقابلات معها وبين بوح روحها، ويمكن تقسيم الكتاب إلى عدة مجموعات كي يتمكن القارئ من الغوص ببحر من مشاعر الكاتبة وجمالياتها..

 القصة القصيرة والخاطرة: وأسمتها الكاتبة "من واقع الحياة"، وهي عبارة عن قصص مستمدة من الواقع، جالت فيها في هموم المرأة وطنياً واجتماعياً، فكتبت قصة "كابوس" وهي حكاية الشهيد تحسين ابن الثامنة عشرة من العمر، الذي استشهد يوم عيد ميلاده على يد الاحتلال بينما كانت والدته تحضر أن تفاجئه بحفلة لعيد ميلاده، فكانت تجول في روح الأم المفجوعة في ولدها، ولكنها لم تنس أنها أم فلسطينية، وأن هناك احتلالاً لا يرعوي عن إطلاق النار بسبب وبدون سبب. وفي "يوميات أم فلسطينية" تحدثت عن معاناة الأم الفلسطينية التي عاد زوجها للوطن في محاولة لاستعادة هويته المقدسية، كان يتوقع غيابا لعدة شهور، فكانت سنوات طوال والأم (أحلام) تعاني ما بين مرض الابنة وتربية الأبناء واحتياجاتهم ودراستهم ومصاعب الحياة اليومية، فالاحتلال هو صاحب القرار، والمواطن الفلسطيني يتحمل المعاناة من أجل أن يحافظ على هويته وجذوره في الأرض المحتلة، واختيار اسم (أحلام) للأم الفلسطينية لم يأت عبثاً، فالفلسطيني يعيش الحلم ويسعى لتحقيقه، وفي ظل الغياب للزوج والمعاناة اليومية تهمس مناجية الله: "يا رب.. لماذا كتب عليّ أن أحيا طفولة معذبة وشباباً تائهاً، وها هي بقية العمر تهرب كالماء من بين أصابعي"، فتختصر بهذه المناجاة حكاية شعب بأكمله.

   بينما في قصة "الصباح الأسود" تتحدث عن معاناة (سمر) وجريمة قتل حقيقية، فدخلت من خلال القصة للجشع الذي يحكم البعض ويؤدي بهم إلى التهلكة وإهلاك الغير، لتنقلنا إلى قصة المعاناة وسوء الاختيار حين يحكم القلب المشاعر والسلوك ويتفوق على العقل في "القلب والمخرز" وفي "جمر بلا رماد"، لتنقلنا إلى الرمزية والمشاعر في "القطة والإنسان"، ثم تنقلنا بعد ذلك إلى فن الخاطرة وملامسة مشاكل المواطن وهمومه كغلاء الأسعار وانعدام الثقة من جانب، والأمانة التي ما زالت موجودة في نفوس البعض رغم فقرهم، والجرائم الأسرية ومعنى الصداقة والوفاء والثورة على الظلم الأسري، والطيبة والوفاء للوطن كما في الحديث عن الروائية أحلام مستغانمي.

   المقالات: وهنا نجد الكاتبة جمعت في كتابها بعض من مقالات نشرت في صحف أم لم تنشرها، فتحدثت فيها عن قضايا مختلفة ومتعددة، من قضايا المرأة واضطهادها وجرائم الشرف، وصولاً إلى ذكرى الشهيد الرمز ياسر عرفات ومذابح صبرا وشاتيلا والعديد من المقالات السياسية التي تتحدث عن أحداث اللحظة والمكان وظروف المواطن، ولا تنسى ابنتها من نصائح أثناء استعدادها للزواج ولا ذكر أمها المرحومة الراحلة، لتعود إلينا بعدة خواطر تحت بند المقالات تمازج بين الخاطرة والمقالة ولكنها تلامس الهم الإنساني.

الشِّعر: وفي هذا القسم من الكتاب كان هناك باقة من ورود من أصناف مختلفة، فما بين قصيدة واحدة بالشِّعر الشعبي باللهجة العراقية، إلى ما اصطلح عليه بمسمى القصيدة النثرية وصولاً للشعر العمودي، وتقريباً أخذت هذه المجموعة ما يقارب نصف الكتاب، وتراوحت بين الحنين للوطن قبل العودة وبين الحديث عنه بعد العودة، وملامسة هموم الوطن وهموم القلب، ولعله كان واضحاً حجم الشوق للوطن، رغم أنها تجد أن ما ستعود إليه بقايا ومزق من الوطن وفتات هوية، وهذا ظهر بالنص الشعري الذي تودع به عمّان.

   جليلة الجشي باحت بآلامها وأحزانها، أشواقها ومشاعرها عبر "ثرثرة الأيام"، وحقيقة أن التجوال في كتابها وعبر المشاعر المبثوثة فيه كان رحلة ممتعة، وهذا لا يمنع أن أشير إلى أن اهتمامها وقدراتها بالقصة القصيرة كان الأكثر تميزاً في الكتاب، فهي أعادت صياغة أحداث واقعية بقالب قصصي امتلك بشكل عام مكونات وبنيان القصة القصيرة، وكانت قدراتها جيدة بكتابة المقالات وإيصال الفكرة التي تريد، وإن غلبت العاطفية وممازجة المشاعر وروح الخاطرة على الكثير من المقالات، وأما الشِّعر فرغم حجم الصور الجمالية في بعض النصوص، إلا أن السرد ظهر جلياً في العديد من النصوص خصوصاً الشعر النثري فيها، فابتعدت عن اللوحات الشعرية ومالت إلى المباشرة والسرد.

   ولعل جليلة الجشي حين اعتبرت في أكثر من موقع بالكتاب أنها ليست بالكاتبة أو الشاعرة، وأن الآخرين أطلقوا عليها هذه الألقاب مشكورين، وأن ما تكتبه وتنشره عبر الصحف الورقية هو بوح الروح ونزفها، فقد أعطت المساحة للقارئ الناقد أن يتعامل مع النصوص بروحها وليس بالأدوات الجامدة النقدية، ورغم هذه الملاحظات أكرر القول إني تمتعت جداً بالجولة في الكتاب وروح جليلة المتألقة المسكوبة حروفاً، آملاً في المستقبل أن أقرأ كتبا متخصصة حسب المادة المكتوبة، كي تكون خصوصية المادة أكثر من عموميتها.

 

1 of 1 Photo(s)

#196 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Dec 22, 2011 9:41 am
Subject: صباحكم أجمل/ لبيت لحم ونايات الولجة شدو آخر (الحلقة الخامسة) بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ لبيت لحم ونايات الولجة شدو آخر

(الحلقة الخامسة)

بقلم: زياد جيوسي

 

 

مركز التراث الشعبي وعدسة زياد جيوسي

 

   هي بيت لحم ترافقني في هذا الصباح الرامي الجميل، تهمس بأذني وتنشد لي أجمل الإنشاد وتعزف لروحي شدو نايات وتعلق على صدري تميمة عشق، فكيف لعاشق كنعاني مثلي أن لا يذوب عشقاً بحورية كنعانية تفرد شعرها على التلال والسهول جدائل من قمح وسواسن وورود، وكيف لمثلي وقد طوقته أرواح الأجداد وحوريات كنعان في الخيمة البدوية في مركز التراث الشعبي وإبداعات مها السقا في مركزها الجميل أن لا ينشد قصائد عشق للزمان والمكان وحكايات الأجداد والتراث.

   حين غادرت مركز التراث الشعبي برفقة صديقي خالد الصيفي، والذي وجه لي الدعوة لزيارة بيت لحم من خلال مؤسسة إبداع ، كنت أشعر أني تركت بعضاً من قلبي في المركز، وساءلت نفسي: لقد زار المركز الكثير من المسئولين وأصحاب القرار، فقد سمعت عن زيارتاهم ورأيت صورهم، فماذا فعلوا بعد تلك الزيارات؟ هو سؤال يجول الروح حين أرى أن تلك الزيارات للعديد من الأمكنة لا تتجاوز حدود التغطيات الإعلامية المرتبة مسبقاً، وبعد ذلك يتبخر الكلام الجميل في الهواء، فجهد هائل مثل الذي رأيته في مركز التراث الشعبي، يهدف لإبراز الهوية والوجود والجذور الفلسـطينية الممتدة لآلاف السنين منذ زمن أجدادنا الكنعانيين، ويهدف كذلك إلى توفير فرص عمل لعدد من النساء الفلسطينيات من خلال ممارسة أعمال التطريز الذي يشكل عنصراً مميزاً في تراثنا الفلسطيني، ويهدف المركز الذي أقام العديد من المعارض في دول متعددة حول العالم وداخل الوطن، لإيجاد وعي تراثي وثقافي للأجيال الصاعدة؛ ويساهم إضافة إلى ذلك في المحاضرات وورش العمل والحلقات الدراسية حول موضوع التراث الفلسطيني والأزياء التقليدية. والجهود التي تبذلها السيدة مها السقا يجب أن يكون لها اهتمام من نوع خاص، فهذا التراث العظيم الذي تحرسه يجب أن يوثق، ويجب أن يكون مادة اهتمام بالمدارس والمؤسسات، وأن لا يقتصر على جهد فردي بغض النظر عن دور الجهود الفردية، فالمركز منذ تأسيسه في العام 1991 شارك في فعاليات لا تحصى في الوطن وخارجه لإبراز هذا التراث والتاريخ، بهدف إحياء وتوثيق ونشر التراث الفلسطيني والتعريف به، ونال الاهتمام والتكريم على مستوى عالمي، بينما لم يجد الاهتمام الكافي في الوطن، فهل يجب أن تبقى مقولة "لا كرامة لنبي في وطنه" هي التي تحكم مسيرتنا؟

 

 

)عين الحنية) التاريخية وعدسة زياد جيوسي

 

  من المركز كنا نتجه إلى بلدة الولجة، ومررنا بالطريق من بلدة بيت جالا وشدتني مبانيها التراثية بقوة، وجلنا بلدة الخضر أيضاً، وكوْن الوقت لا يسعفنا، فقد تقرر ترتيب زيارة أخرى لكل من بيت ساحور وبيت جالا والخضر وبعض الأديرة الأخرى، التي لم نتمكن من دخولها بسبب تضارب وقتنا مع أوقات الزيارة أو بسبب ضيق الوقت، فأكملنا المسير نحو الولجة، وهذه البلدة ترتبط في ذاكرتي منذ الطفولة بذكريات بعضها مؤلم، فقد استشهد أحد أبنائها أمامي قبل ما يزيد عن أربعين عاماً، وكانت تربطني به وبشقيقه علاقة طيبة، إضافة إلى العم (أبو جبران) الجار الطيب وزوجته رحمهما الله، وكنت وما زلت أكنّ لأسرته كل احترام، لأفاجأ حين وصولنا الولجة أن صديقي خالد الصيفي من الولجة أيضاً.

 




بركة عين الحنية تجف وتتألم من طرد أهلها وعدسة زياد جيوسي

 

   الولجة عرفت عبر التاريخ كمدخل من مداخل القدس، واستمدت اسمها من هذا الموقع، فهي نقطة الولوج للقدس وتبعد عنها ما لا يزيد عن عشرة كيلومترات في نقطة متوسطة بين قرى بتير وجورة الشمعة، وكانت تصنف تاريخياً من قراها وبلداتها، وفي عام النكبة 1948 استولى العدو الغاصب على البلدة من غرب سكة الحديد ودمرها بالكامل وطرد سكانها، وأقام مكانها لاحقاً بلدة (موشاف) "عمينداف"، فانتقل قسم كبير من سكانها إلى التلال في امتداد أراضي الولجة وأنشأوا الولجة الجديدة، وأصبحوا لاجئين في أرضهم، وقسم آخر أصبحوا من سكان المخيمات التي ضمت اللاجئين والمشردين من وطنهم وأراضيهم، ولكنهم  ترنوا عيونهم كل يوم إلى الغرب، يتنشقون عبق الأرض وتراث الأجداد الذي دمر بالكامل، وأقيم مكانه نبت غريب لا يمكن أن يبقى أبداً، فالأرض الخصبة والحرة لا تقبل نبت غريب عن تاريخها وتراثها.

 

 

كهف عين الحنية وعدسة زياد جيوسي

 

   الولجة بعد احتلال فلسطين بالكامل إثر هزيمة 1967 تعرضت لعمليات استيلاء على قسم كبير مما تبقى من أراضيها، فقد تم ضم حوالي ثلث أراضي القرية الجديدة إلى منطقة نفوذ بلدية القدس، فيما بقيت باقي الأراضي في منطقة الضفة الغربية، وقام الاحتلال بمصادرة نصف الأراضي الخاصة بالقرية لصالح إقامة حي (جيلو) وتم وضع اليد عليها بأوامر مصادرة عسكرية لصالح إقامة مستوطنة (هار جيلو)، ويجري الآن بناء جدار الاستيلاء ليستولي على قسم كبير من أراضيها بحيث يحيلها إلى مكان سكني بدون مصدر رزق ويستولي على ما تبقى من عيون الماء.

   الوصول إلى الولجة شرق السكة ولما تبقى ما آثارها مسألة محفوفة بالمخاطر، وكنت حريصاً أن أصل إلى عين الماء المعروفة بإسم (عين الحنية)، فقد كنت قد قرأت عنها ورأيت لها صوراً شدتني، فالوصول إلى هناك يتم عبر طريق تسلكه دوريات الاحتلال وقوافل سفلة المستوطنين، والمستوطنون يترددون على هذه العين كثيراً وخصوصاً أيام السبت في محاولة لتزوير التاريخ ومنحها صفة يهودية مقدسة. زيارتي كانت يوم سبت، ومع هذا لم أبال لا بالمستوطنين ولا بدوريات الاحتلال، وكان همنا أن نصل إلى عين الماء، وأن أغسل وجهي من مائها العذب وأشرب منه.

 

 

هنا كان يستريح المسافرون وعدسة زياد جيوسي

 

   وصلنا النقطة المنشودة، ووضعنا السيارة بين الأشجار، وتسلقنا الصخور من تحت شجرة عملاقة للوصول إلى عين الماء، وقد ذهلت حين وصلتها ووجدت نفسي أمام بوابة لعين الماء، مبنية بالصخور المنحوتة بنقوش بديعة فوق المغارة التي تشكل قاعدة النبع التي تصل إليها المياه عبر سراديب طويلة، فوجدت جمالية فنية متميزة، أقواساً وأعمدة وصخوراً تشير طبيعتها إلى أنها في فترة الرومان، وقناة تسحب الماء إلى بركة واسعة محفورة في الصخر كانت تستخدم لري المزروعات وسقاية المواشي، ولكنها الآن تعاني من الشح بعد هجرة أصحاب الأرض قسراً، وتحت بوابة القوس فوق المغارة؛ هناك أنبوب تنسكب منه المياه نقية باردة، وكان هذا في السابق شلالاً من الماء قبل أن يعمل الاحتلال على سحب المياه لصالح المستوطنات، فعين الحنية كانت حولها استراحة كبيرة للقوافل المارة، وما زالت أثارها موجودة على شكل أقواس البناء التي تهدمت وغطتها الأتربة والحجارة، ومن هناك اتجهنا بسرعة إلى بقايا بيوت وبيت جد خالد الصيفي في المنطقة قرب عين الماء، وهي تحمل نفس النمط التراثي للبناء الفلسطيني؛ أقواساً وجدراناً سميكة تجلب البرودة في الصيف والدفء في الشتاء، وحجارة كبيرة نحتتها وقصتها من محاجر الجبال السواعد الشابة، وهذا هو نمط بيوت (العقد) الفلسطينية التي توارثناها عن الأجداد وأتى المحتل ليسرقها ويدعي أنها له.

 

 

بيوت الولجة التراثية تنتظر أهلها وعدسة زياد جيوسي

 

   أنهينا الجولة بسرعة وغادرنا المنطقة متجهين إلى الولجة الجديدة، فقد كنت حريصاً أن أزور شجرة الزيتون التاريخية، والتي قُدّر عمرها من خبراء من جنسيات مختلفة بين 3500 سنة و5500 سنة، والتي سيكون لها حديث خاص في الحلقة السادسة القادمة من شدو بيت لحم التاريخ والتراث والحضارة وكنعان وأحفاده وحفيداته.

 

 

خالد الصيفي يصرخ: هذا بيت جدي وعدسة زياد جيوسي

 

   صباحك أجمل يا وطن.. صباحك أجمل يا رام الله، أهمس للياسمينات وأنا أجول دروب رام الله، أنظر إلى حجم التغيرات فيها، وأعد نفسي لجولة كتابة وبوح عنها، وأعود إلى صومعتي كي أعد نفسي لبدء نهار عمل آخر، فأقف إلى نافذتي أحتسي القهوة ولا يكف طيفي البعيد القريب عن مشاكستي بهمسات روحه، وأذكر زيارتي لبيت لحم وتجوالي في الولجة التي مر منها خالد بن الوليد باتجاه القدس، وأستمع لشدو فيروز تشدو وأشعر بها تخاطب الولجة وكل بقاع الوطن: (بيضل فيها اتنين، عيون حلوه وايد يعمروا من جديد، ضيعتي الخضرا ع مد العين، وزغيره ومشيره ع الغيم بتزوغ وبتحكي عصافيرها، شو بيمرقوا عليها رياح وضيم وبتضلها تلاقي نواطيرها، سلال الزراعين  تلال الوعر علالي الشيح ضيعتنا، غناني الحطابين صخور السمر أحراش الريح ضيعتنا)..

 فأهمس: عائد إليك يا بيت لحم من جديد إن شاء الله أن أعود، سأجولك مرة أخرى وأستمع لبوح روحك وحكايات الأجداد مرة أخرى، فحتى ألتقيك من جديد، ليكن صباحك وصباحكم وصباح الوطن أجمل.

 (رام الله - الخميس 27/10/2011)

  

 

7 of 7 Photo(s)

#197 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Mon Jan 16, 2012 6:01 am
Subject: "تكسيرات" سمر غطاس.. بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

"تكسيرات" سمر غطاس

بقلم: زياد جيوسي



   حين أدهشتني الفنانة سمر غطاس بلوحة لها رأيتها على شكل صورة فوتوغرافية لأول مرة، أصبحت حريصاً على أن أتابع لوحاتها وإبداعها، وكنت أنتظر أول لحظة تسمح لي لحضور معرض خاص لها، وقد تحقق هذا الحلم أثناء زيارتي الأولى لبيت لحم، فتمكنت على الرغم من ضيق الوقت من حضور معرض متميز للفنانة، هذه الفنانة التي تتميز بموضوعاتها وحجم الفكرة التي تثيرها في ذهن المشاهد المتأمل للوحة والمحلق فيها، وحين أتيح لي أن أشاهد مجموعة لوحاتها الجديدة التي تحمل اسم "تكسيرات لونية"، شدتني بقوة لوحة تحمل اسم تكسيرات، ومنها تنبثق فكرة استكمالية في اللوحات الأخرى تكمل الأفكار وتحليق الروح الفنية المتألقة، ولكن هذه اللوحة بالذات مثلت القاعدة والأساس لما يجول في روح الفنانة، وحجم الانعكاسات الفكرية والسياسية على روحها، فاللوحة تحمل تاريخ الانتهاء من رسم اللوحة في الربع الأول للعام الحالي 2011، وهذه كانت مرحلة حساسة تركت انعكاساتها على كل العرب من خلال ما اصطلح على تسميته بثورات الربيع العربي.  

  المتأمل للوحة "تكسيرات" وهي من ضمن عدة لوحات يقف بدهشة، فهذه اللوحة التي تميزت أنها رسمت بالألوان المائية الشفافة تعطي معاني كثيرة، ولعل إضافة الألوان الشمعية (الباستيل) تضيف للمتأمل تعبيرات أخرى، فالممازجة بين المادتين المختلفين حتى التناقض ليس سهلاً، والفنانة أجادت الممازجة وصهر المادتين بطريقة متميزة تدلل على قدرات فنية خاصة، فليس من السهل ممازجة الشمع بالماء في لوحة واحدة بهذه الطريقة، حتى ظننت للوهلة الأولى أنها تستخدم أسلوب جديد بالتعامل مع المادة الشمعية التي تعتمد على إذابة اللون بواسطة النار الموجهة (فرد النار).

   فكرة اللوحة تقوم على مشهد لامرأة في وسط اللوحة وتشكل بؤرة الحدث والحكاية فيها، تقف منتصبة عارية وترفع رأسها عالياً بشموخ، ينشق جسدها من الرحم حتى أسفل ما بين النهدين ليخرج من داخل الشق جنيناً منتصباً يجسد فكرة تولد الحياة، وحول المرأة من يسارها ويمينها أربعة شخوص من الذكور يركعون على ركبهم وعيونهم مشدودة نحو الجنين والتولد الجديد، وعلى يسار المرأة من الخلف سبعة شخوص وعلى يمينها ثمانية شخوص يجلسون في نفس الهيئة السابقة، وهنا أجد رمزية دينية بوجود العدد تسعة عشر، فهذا الرقم بالذات تكرر في الديانات وخاصة في القرآن الكريم.

   ملامح وجه المرأة كانت صلبة ولون الوجه يختلف عن لون الجسد، فهو أكثر قتامة، وهذه النقطة بالذات تصب في صالح دقة اختيار اللون للفنانة، فالوجه دائماً معرض للشمس أكثر من الجسد، وفي نفس الوقت نلاحظ أن منطقة الشق بالجسد كانت باللون الأصفر الوهاج، وكأنه يرمز لحياة جديدة من خلال استخدام لون الشمس التي تبشر كل صباح بفجر جديد، ولكن بالمقابل نجد أن لون الجنين كان قاتماً ويميل للسواد، فهل رمزت الفنانة من خلال اللون أن المستقبل يحمل تخوفات كثيرة؟ وهذه الرمزية نجدها بشكل آخر بتركيبة الأجساد الذكورية الجاثية على ركبها، فهي كانت تجريد للأجساد، وفي نفس الوقت نراها خلت من أية ملامح تظهر الوجه، وكلها تفتقد اليدين، والأجساد ملونة بطريقة الحبيبات والنقاط وافتقدت الصفاء، على الرغم من أنها كانت تحمل ألوان الفرح بممازجة الأزرق بالأخضر مع الأصفر والأبيض، بينما كان الظهر للأجساد من اللون الأرجواني الذي يمثل الهالة الضوئية للأجساد البشرية، فهل رمزت الفنانة من خلال ذلك أن الرجال في منطقتنا يعانون من حجم القمع السياسي بحيث أنهم على الرغم من ما يعتمل في أرواحهم عاجزون عن التغيير ولا يمتلكون الرؤية للغد؟ ونلاحظ أن الجنين خرج منتصباً من رحم المرأة يمد يده للرجال وكأنه يقول لهم: انهضوا.

   في اللحظة التي يخرج فيها الجنين منتصباً من رحم المرأة، تكون هي ترفع رأسها بشموخ وكبرياء، وترفع يديها وبين اليدين تطير مجموعة من الأوراق بشكل منتظم لو دققنا النظر فيها لكانت على شكل عمود فقري بشري، فهل رمزت الفنانة من خلال هذا المشهد أن أوراق المستقبل مرتبطة بالوليد الجديد (الثورة)، وأن هذه الأوراق تحمل في ثناياها فكرة لمستقبل جديد تشكل العمود الفقري للإنسان العربي؟

   ما يؤكد هذه الفكرة أن الشخوص التجريدية الذكورية تجثي ركبها على قاعدة سهلية تمازج الأخضر بالأزرق، وتنبت فيها مجموعة من ورود خضراء الورق بدون إضافات أخرى، والأخضر دائماً رمز من رموز التفاؤل، بينما جسد المرأة كان محاطاً بكثافة باللون الأرجواني المشع كهالة ضوئية تحيطها وكأن الثورة تنطلق من خلالها، وفي خلفية اللوحة ما وراء القاعدة نجد شكل قوسي كأنه تلة خضراء يليها قوس من لون يمازج الأزرق بالرمادي وكأنه فاصل مؤقت بين الأخضر وقوس آخر من عشب وكأنه نار مشتعلة، بينما نجد المجموعة الخلفية من الشخوص تجثو ونظراتها إلى يمين اللوحة، وحين ندقق الانعكاس للظلال في اللوحة نجد أن الإنارة من يسار اللوحة، وفي منطقتنا جغرافياً أن يمين اللوحة يكون الغرب ويسارها يكون الشرق، ما يثير الإحساس أن النظرات تتجه لغرب الوطن حيث كانت شرارة الربيع العربي، ولكن الاشتعال سيشمل المنطقة بأكملها.

  وفي النهاية أقدر للفنانة جهدها وإبداعها، ولا أملك إلا أن أقول إن الفنانة سمر غطاس شكلت في لوحتها هذه قاعدة لمجموعة لوحات، تحمل في ثناياها فكرة متميزة وحلم يحمل في ثناياه كم كبير من الأسئلة والحلم بالقادم، مع التخوف من تأثيرات سلبية تؤثر على لون الجنين القادم.

 

 


 

1 of 1 Photo(s)

#198 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Feb 2, 2012 12:51 pm
Subject: صباحكم أجمل/ بيت لحم والجنائن المقفلة (الحلقة السادسة)
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ بيت لحم والجنائن المقفلة
(الحلقة السادسة)


بقلم: زياد جيوسي

 

    ما زلت أسمع شدو نايات الولجة تعزف لحناً حزيناً لمعاناة أهلها، فهذه الجنة أصبحت تعاني الكثير، وحين غادرت بقايا الولجة القديمة برفقة مضيفي خالد الصيفي، مدير مؤسسة إبداع، والذي أتعبته كثيراً معي في التجوال، وإن كان ما يغفر لي أنني حين وجه لي الدعوة من خلال مؤسسة إبداع وتحدثنا، حذرته أنني مُتعِب لمن يرافقني في التجوال، فأنا لا يمكنني الهدوء أمام روعة المكان والتاريخ في بلدة صغيرة، فكيف حين يكون ذلك في بيت لحم التي تروي كل زاوية فيها وكل بقعة، حكايات منذ استقر كنعان هذه الأرض وأنشأ حضارة الجبارين؟!

 


 

عين الجويزة تصرخ من الجفاف.. عدسة زياد جيوسي


   الولجة تمتد في جذورها إلى تاريخ قديم، فآثارها تدل أنها كانت مسكونة في فترة الرومان، وهذا ما تدل عليه عين الحنية، وكذلك بعض الآثار القديمة ذات الطابع الروماني، وكانت تتميز بوجود عيون الماء فيها مثل عين الحنية وعين الجويزة وعين سيف وأبي السمير والدلبة وغيرها، وإن كانت الآن معظم العيون قد سحبت مياهها الجوفية من خلال الاحتلال البغيض، فجفت مثل عين الجويزة أو شحت مياهها جداً مثل عين الحنية.

   اتجهنا إلى الولجة الجديدة، والتي قامت على امتداد الجبال التابعة لأراضي الولجة التي احتلها العدو في العام 1948، وكان الهدف الأول زيارة شجرة الزيتون التاريخية والتي يعود عمرها حسب فحوصات الخبراء من جنسيات مختلفة، ما بين 3500 إلى 5500 سنة، وهذه الشجرة يطلق عليها اسم شجرة (سيدنا أحمد البدوي)، وهي ضخمة جداً ومتميزة بشكلها وحجم جذعها، حيث يصل محيط الجذع إلى عشرين متراً، ولتاريخها القديم حامت حولها أساطير كثيرة، ذكرتني بالأساطير حول شجرة مقام الأسيرة في بيتلّو قرب رام الله، والأساطير حول أشجار النبي غيث قرب دير عمار في محافظة رام الله أيضاً، وجميعها تحمل نفس الفكرة؛ وهي أن من يكسر من أغصانها غصنا يتعرض للسخط.

 

 

زيتونة البدوي التاريخية.. عدسة زياد جيوسي


   وصلنا إلى الولجة الجديدة وسألنا طفلاً عن موقع الشجرة، فتطوع مباشرة ليدلنا وركب معنا السيارة، وفي نقطة تنتهي بها الطريق المعبدة أوقفنا السيارة وكان الطفل مازن دليلنا اللطيف للوصول إلى الشجرة، وحين اقتربنا منها بدأ يشرح لنا عنها، ولم يفته الحديث عن الجدار البغيض أيضاً، الذي بدأ يلتهم أراضي الولجة الجديدة، وفور وصولنا استقبلنا حارس الشجرة الأخ صلاح أبو علي، والذي رحب بنا أجمل ترحيب، وقدم لنا المعلومات التاريخية عن الشجرة، وحدثنا عن تلك الشخصيات الرسمية التي زارت الشجرة والتقطت الصور لها، إضافة إلى محطات التلفزة المختلفة، كما شرح لنا عن مهرجان تراثي جميل تم تحت الشجرة، وشاركت به بشكل متميز السيدة مها السقا من خلال مركز التراث الشعبي، وعرض علينا مجموعة كبيرة من الصور لمن زاروا الشجرة والموقع، وقال: عين الجويزة التي كانت تسقي الشجرة والمنطقة بالكامل جفّت تماماً، بعدما تمكن الاحتلال من سحب المياه الجوفية، وأصبحت الشجرة وغيرها مهددة بالجفاف، وقد وعدني أكثر من شخص من كبار المسؤولين بتوفير الماء، ولكنها ما زالت (كالعادة) وعوداً في الهواء.

 


مع حارس الشجرة الأخ صلاح أبو علي


   وقفت بذهول أمام الشجرة التي تركت أثراً كبيراً في روحي، وتخيلت جدنا كنعان وهو يغرسها في الأرض المباركة ويهمس لها: اروي الحكاية لأحفادي وقولي لهم إن الأرض تعطي لمن يحبها ويعطيها، ونحن زرعنا ليأكلوا؛ فلا يتوقفوا عن العناية بالأرض، وليزرعوا ليأكل أحفادهم أيضاً. تحركت برفقة الطفل مازن وصلاح أبو علي وصديقي خالد الصيفي بعد أن التقطت كمّاً من الصور لكل أجزاء الشجرة، وتوجهنا إلى عين الجويزة وشاهدتها تئنّ ألماً من الجفاف والعطش. وللعلم، وبسبب الجدار، فقد تم اقتلاع أشجار زيتون كثيرة يبلغ عمرها أكثر من ألفي عام، وقسم منها جرى إعادة زراعته في منطقة المهد بعد جهود هائلة لرفض الاحتلال ذلك. وفي الطريق إلى السيارة شاهدت العديد من الكهوف التاريخية، ورأيت امتداد الجدار البشع الذي التهم نسبة كبيرة من أراضي البلدة، وبدأ بمحاصرتها ليجعلها معزولة في محاولة أخرى لتهجير السكان مرة أخرى. وحين وصلنا السيارة شكرنا مضيفينا مازن وصلاح على ما ساعدونا به.

 

 

لصوص الآثار مروا من هنا.. عدسة زياد جيوسي


    اتجهنا إلى مزرعة يقطنها منـزرعاً في أرضها الصامد عبد أبو شيخه، فحين شعر أن الجدار يهددها هجر بيته وأسرته، والتصق بالأرض وبمزرعته لا يغادرها رغم كل اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، لا يرافقه إلا كلب وفي، وإصرار لا يلين وعزيمة لا تقهر، فاحتسينا كوباً من الشاي عنده، وغادرنا بعد أن شددت على يده بقوة..

 


 

المنـزرع في أرضه عبد أبو شيخة.. عدسة: زياد جيوسي

 

  إتجهنا نحو دير كريمزان وهو واقع على أرض متوسطة بين الولجة وبيت جالا ويمتد على مساحة واسعة بين الغابات الصنوبرية، وتمثل هذه الغابات متنفساً طبيعياً لسكان بيت لحم، وهذه الغابة من الأشجار مهددة بالمصادرة واستيلاء الجدار عليها كما الدير الذي سيقع داخل الجدار أيضاً، في حال نفّذ الاحتلال قرارات المصادرة ووضع اليد. وأرض كريمزان تبلغ مساحتها آلاف الدونمات، بين مستوطنة (جيلو ومستوطنة هارجيلو) وعلى قمة الغابة توجد كنيسة كريمزان ودير الراهبات، وفي كل أسبوع تقوم الفعاليات الوطنية والدينية باعتصامات ضد قرار المصادرة وبناء الجدار، ويقوم الإخوة المسيحيون بالصلاة في ساحة الدير تعبيراً عن عروبة الدير ورفضاً للاحتلال وإجراءاته، فالاحتلال لا يميز بين مسيحي ومسلم، فهو يريد الأرض خالية من كل أهلها. وفي الطريق مررنا بالعديد من الكهوف التاريخية التي لم تنجو من حفريات لصوص الآثار، وبكل أسف لم أتمكن من دخول الدير لتضارب الوقت مع أوقات الزيارة على أمل تنفيذ هذه الرغبة في زيارة قادمة.

 

  

برك سليمان.. عدسة زياد جيوسي

 

   من الولجة ودير كريمزان اتجهنا نحو (برك سليمان)، وهذه البرك الثلاثة المحفورة بالصخر كانت تسقي القدس في الماضي، وهي تعود إلى تاريخ قديم جداً، وتتسع إلى 160000متر مربع من الماء، وهي برك رائعة بتصميمها الهندسي وسعتها والقنوات التي تمتد منها، وكانت تصب بها ثلاثة عيون ماء لتنقل الماء عبر القنوات إلى القدس، وهذه البرك بأصولها وطبيعة حفرياتها تعود لفترة الرومان، وهذه البرك الثلاثة في أرطاس المعروفة باسم برك سليمان، نسبة إلى السلطان سليمان القانوني الذي قام بإعادة تأهيلها وترميمها بعد أن أهملت لفترات طويلة، وهي برك رائعة التصميم، وجزء من نظام مائي فريد يربط بين شبكات وقنوات مائية تحت الأرض وتصل إلى مناطق متعددة من فلسطين، واثنتان من هذه القنوات لا تزال قائمة كجزء من الآثار الرومانية على مشارف بيت لحم، ويقال إن القناة الأكبر بنيت بإمرة بيلاطوس النبطي الحاكم الروماني، وتبدأ من عين العروب، وتمر بمحاذاة التلال وصولاً إلى برك سليمان، ثم تصل بيت لحم والقدس عبر أنفاق مائية، أما القناة الثانية فهي من مكعبات من الحجر الجيري الأبيض، وقد بنيت في نهاية القرن الثاني الميلادي، وقد تم نقل الماء من بئر الدرجاني قرب برك سليمان، وآثار هذه القناة وجدت في المثلث بين مفترق الطريق المؤدية إلى شارع المهد.

 


 

برك سليمان.. عدسة زياد جيوسي

 

   هذه البرك تشكو الجفاف الآن، فقد تم تجفيفها بسبب حالات الغرق التي شهدتها، بينما كان المفترض أن يكون هناك حلول أخرى، فهي تشكل مخزوناً مائياً ضخماً كان يجب المحافظة عليه، ومقابلها تقع قلعة مراد التي بناها السلطان سليمان القانوني لحماية البرك، وكي تكون مكاناً لاستراحة المسافرين ولثكنات الجيش وحماية السكان المحليين، لنتجه من البرك إلى بلدة أرطاس، وحديث آخر في الحلقة السابعة من رحلتي لرحاب بيت لحم حيث الجمال وعبق التاريخ وحكايات كنعان وحجارة الأرض.

   صباح عمّاني جميل بعد غياب عن عمّان الهوى التي وصلتها مساء الأمس، أقف إلى نافذتي مبكراً أتأمل المنطقة والأشجار التي زرعتها قبل ما يقرب ربع قرن من خلف الزجاج، فكبرت واستطالت وغمرها الجمال، فضاحية خلدا كانت منطقة ممتدة بالسهول والجمال، لتتحول إلى منطقة مكتظة بالبنايات، حتى أني لم أعرفها جيداً بعد أن غبت عنها أحد عشر عاماً متصلة، أستعيد ذاكرة زيارتي بيت لحم، وأحتسي القهوة وحيدا بدون طيفي الذي يصر أن يبقى بعيدا وموغلاً في الغيابً، لكن روحه لا تفارقني وأستمع لشدو فيروز:

(من يوم يلي تكون يا وطني الموج كنا سوى، ليوم يلي بيعتق يا وطني الغيم رح نبقى سوى، تاجك من القمح تمنيتلك السلام، وشعبك بيحبك لتبرد الشمس وتوقف الأيام، عا رماد اللي راحوا، عا خاتم الزمان، على حجار السود اللي بقيو من الحيطان).

   فأهمس: أيا بيت لحم يومين عرفتك بهما تركا كل هذا الأثر في قلبي، فلا بد من عودة إلى ترابك وعبقك ونسماتك، فخبايا الجمال وحكايات التاريخ ما زالت لم تكملها حوريات كنعان لي.. فيا عمّان ويا بيت لحم ويا أحبتي: صباحكم أجمل..

 

(عمّان- الخميس 29/12/2011)


 

7 of 7 Photo(s)

#199 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sat Mar 31, 2012 9:55 am
Subject: لنشارك الفنانة التشكيلية ماجدة نصر الدين الفرح في بيروت في الثالث من نيسان
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

لنشارك الفنانة التشكيلية ماجدة نصر الدين الفرح

 

   في بيروت وحيث التقاء الأزرقين، هناك حيث تلتقي السماء بزرقتها مع البحر اللازوردي، يضاف للجمال جمال آخر مع روح الفنانة وإبداعها، تقيم الفنانة ماجدة نصر الدين معرضها الشخصي الرابع، في الثالث من نيسان، حيث تفتح الأزهار وعبق الياسمين ولوحات الطبيعة موسومة بالبنفسج وشقائق النعمان، لتنصهر وتندمج مع التحليق الإبداعي للفنانة طاقات من الفرح والجمال، في قاعة نهى الراضي.. فتعالوا نشارك الفنانة الفرح، بالحضور أو بالروح للأرواح التي تحلق في البعيد عاشقة للفن والجمال.

 

 

   تهمس الفنانة التشكيلية ماجدة نصر الدين قائلة: (آتي إلى اللوحة محمّلة بشغف وتوق للحرية المطلقة، الارتقاء إلى  الانعتاق من كل قيد يضغط على حريتي. الموسيقى هي رفيقتي المثلى حين أرسم، فنجاة قهوة لا يضير أيضاً. علاقتي بالمرسم بشكل عام علاقة حميمة جدا، أشعر بكينونتي حين أدخله وأصرّ على التعاطي مع كافة محتوياته بمحبة. أدواتي تتخطى أن تكون ريشة و”كأنفاسوألوان بل تتعداها لتشمل أي شيء يخطر ببالك، أي شيء لخدمة العمل هو متاح ومستحب.

   اترك اللوحة حين أشعر أنها اكتفت من مشاغباتي وأعود إليها كل حين لأستشفّ من المُنجز ومدى اكتماله أو اقترابه من الكمال، أحيانا تقنعني منذ اللحظة الأولى بالأكفاء وأحيانا لا أفعل مهما حاولت إقناعي.

   إنها علاقة نسبية على كل حال، ترتبط بحالة المبدع الذهنية بالدرجة الأولى، يتبعها كل ما يعتمل في النفس من أمور.)

ماجدة نصر الدين- لبنان

 

الجامعة اللبنانية- كلية الفنون الجميلة (رسم وتصوير)1993

عضو جمعية الإمارات للفنون التشكيلية منذ عام 1994

عضو جماعة الجمان 2006

 

المعارض الشخصية

:

- جمعية الإمارات للفنون-1995

- متحف الشارقة للفنون-(ضمن المعرض العام الثالث والعشرون )2004

- غاليريا كورنر كافيه-الشارقة 2004

 

المعارض الجماعية

:

- المعرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون ودائرة الثقافة والإعلام- منذ عام 1995

- المعرض الدولي للفنانات-ديزاين اّرت غاليري و مرسيدس بنز- دبي 1996

- معرض فناني بلاد الشام-القنصلية الهندية- دبي 2000

- بينالي الشارقة الدولي للفنون – 1995 -1997 -1999

- معرض “عيون عربية ” – متحف الشارقة للفنون- 2000

- معرض البورتريه – متحف الشارقة للفنون- 1999-2000-2001

- معرض “حوار بصري “- غاليريا كورنر كافيه – 2004

- مهرجان الإمارات الثقافي الأول – مركز دبي التجاري- دبي – 2004

- البينالي الدولي الثالث لفنون الرسوم المعاصرة في العالم الإسلامي – إيران-2005

- معرض جماعي في صالة لو مارتين –باريس-2006

- معرض “المبدعون العرب” –غاليري ميم- دبي –2006

- معرض جماعة الجمان- مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية –دبي 2006

- البينالي الدولي الرابع لفنون الرسوم المعاصرة في العالم الإسلامي – إيران-2006

- نساء في الفن-كورت يارد- 2004-2006

- معرض جماعة الجمان في دار الأوبرا في القاهرة.

-الامارات وأشهر فنانيها العرب 2007

-المعرض السنوي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية (28)-متحف الشارقة للفنون.2009


2 of 2 File(s)


#200 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed May 2, 2012 3:05 pm
Subject: شباطيات بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

شباطيات

بقلم: زياد جيوسي



   عندما خضت في نصوص هشام خاطر، لم أكن أتوقع أني سأخوض في مخاضة كبيرة واسعة الامتداد من مساحات الألم، فنصوص هشام وهي تحمل اسم (شباطيات)، تعيدنا إلى جو شهر شباط بما يحمله من تخبط وعنفوان، ويذكرني بالمثل الشعبي الذي كان أجدادنا يقولونه أمام تقلب شهر شباط وعنفوانه: "شهر شباط ما عليه رباط"، فلم يكن لأحد أن يتوقع موعد الشمس من لحظات الغضب ولحظات الرياح والمطر، وهكذا كانت نصوص (شباطيات) تحمل في دواخلها وبين طياتها مجموعة من أشهر شباط وليس شهراً واحداً، تدفع قارئها لوضع العديد من التساؤلات، ولعل أهم سؤال هو: ماذا يريد فالذي يقول في نص "ابتسامة موجهة" عبارة: "باستطاعتي انتزاع قنبلة من بين الصخور، ولكنني أعجز عن انتزاع آلامي من رؤيتي لعاهة مستديمة"، يجعلنا نحن القراء نجهل "المعاني رغم تكرار الإشارة دائماً"، كما يقول عن نفسه في النص. فهشام يعتمد كثيراً في نصوصه على الرمزية، وأحياناً تكون الرمزية مغرقة في ثنايا النص ما لا يترك المجال للقارئ إلا أن يعود ويقرأ النص أكثر من مرة في محاولة لأن يصل للمعاني المختبئة خلف العبارات، فهو لا يكتب لمجرد الكتابة، وهو في الوقت نفسه لا يتحذلق بالكلمات، بمقدار ما رأيت أن هناك خلف هذه السطور روحاً يشوبها الألم، يشوبها الغضب، فهو "كمارد غاضب مدفوعاً بكل أسباب النقمة".

وفي نصه (بيلار) أشعر أنه نص منتزع من الواقع، أشعر أنه يروي حكاية حصلت، لكنه يصوغها بعد مضي وقت طويل كنـزف روح، ويتساءل: "كم من الموت كان سيحتاج حتى ليخرج بك من بين الركام؟"، وهنا نجد في السؤال فلسفة معينة حول الموت وحول الحياة، وفي نصوص أخرى نجد الكاتب يلجأ للغرائبية ورسم لوحات سريالية كما في قصة (طبع مكتسب) حيث يقول: "كانت وجوه لنا نراها للوهلة الأولى"، وهو يبدأ القصة بقوله: "هذا ما تبقى من وجهي على حائط المدرسة القديم"، فهو من خلال فكرة غرائبية إلى حد الإدهاش يعري الوجوه في المجتمع كونها ليست أكثر من أقنعة مزيفة، وهو يلجا للأسلوب نفسه وإن كان بشكل أقل حدة في قصة (صوباشي عريس)، بينما تزداد حدية الغرائبية والرمزية في قصته (عادة قديمة) حتى تصل إلى درجة الإغراق بالرمز، والتي يصرخ في نهايتها: "أنا ما زلت هنا.."، ما يعطي النص طابع الشعور بالبحث عن الذات في ظل فكرة غريبة صاغها النص، بينما في نصه (عملية مضاعفة) نراه يمازج بين أفكار مرتبطة بالجوع "الجوع حين ينال من حواسنا يجعل للعظام الجافة نكهتها"، فيأتي النص كأنه على شكل حلم ونهاية القصة هي الواقع.

إن أساليب الكاتب في مجموعته متنوعة على الرغم من الرابط الذي يربطها معاً، فنحن نجد أنفسنا في عالم مختلف بأجواء كل قصة أو نص، رغم الخيوط السرية التي تربطه بالنصوص الأخر، ونجد ذلك بوضوح في نصه (مداهمة أمنية)، من حيث العنوان ومن حيث الأسلوب، ونجد ذلك بشكل مختلف قليلاً في نصه (نحو المدافن)، وفي نصوص أخرى نجد أن الغرائبية تسود في النص، ولكن النص لا يخلو من هدف وفكرة، إضافة إلى الأسلوب الشيق الذي يشد القارئ إلى الغوص في لب النص لفهمه، أو وضعه جانباً إن لم تسعفه أفكاره بأن يتقمص روح هشام ويحلق بالنص.

إن التجوال في نصوص هشام خاطر يتطلب من القارئ التركيز في ثنايا النصوص وطياتها، فالكاتب امتلك أسلوباً مختلفاً في السرد والقص والتعبير، وكانت النصوص تحمل في طياتها الكثير من أفكار تحتاج التركيز معها للوصول لأهدافها، فأنا وفي قراءتي لها كنت أضطر أن أعيد قراءة النص كاملاً أحياناً، وفقرات منه أحياناً أخرى، من أجل استنباط الفكرة والمغزى بالنص المنفرد؛ وفي المجموعة المتكاملة، فهو يحمل فكرة بأسلوبه منذ النص الأول حتى الأخير، فهي نصوص مازجت بين البوح الروحي والقصة القصيرة، فكانت تمتلك أسلوباً له تأثير على النفس، فمثل هذه النصوص لم تكتب بقرار الكتابة، بمقدار ما كانت نزفاً روحياً يكاد يصل إلى درجة الهذيان.

هشام، هذا الشاب، يعيدني مرة أخرى إلى السؤال الذي طرحته في البداية: ماذا يريد الكاتب؟ لأجد نفسي وبعد كل رحلة التجوال لا أستطيع أن أضع إجابة محددة، فهذا الشاب الذي ما زال في بداية الثلاثينيات من العمر، عاشق الموسيقى والشعر والأدب، وما زال يعيش في صومعة الوحدة بدون زواج، وربما لرفضه كل أشكال القيود، على الرغم من معاناته من الاحتلال للجولان الذي ولد فيه وتفتحت عيناه على احتلال ظالم وغاشم، لعل هشام من خلال نصوصه يبدي احتجاجه على قدر ارتبط بشهر شباط، وزمن عاشه ارتبط بوجود احتلال، فيشهر قلمه ولسانه في وجه كل القواعد المألوفة، ليخط فضاء هشام الذي حلق وحلقنا به.


(رام الله التاسع من أيار 2010)

 


 

1 of 1 File(s)


#201 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Tue May 15, 2012 12:16 pm
Subject: دعوة لحضور حفل توقيع (حياتنا الصغيرة) للكاتبة فدى جريس- الأربعاء في قاعة مكتبة الشروق - رام الله
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 
#202 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed May 23, 2012 4:18 am
Subject: وحشيّة الطّبيعة في إبداعات مها محيسن.. بقلم: زياد جيّوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

وحشيّة الطّبيعة في إبداعات مها محيسن

بقلم: زياد جيّوسي

 

    ربمّا لحسن حظّي أنّني أوردت تعليقًا مختصرًا على إحدى لوحات الفنّانة مها محيسن في أحد المواقع على الشبكة العنكبوتيّة، وأشرت فيه أنّ العمل لفت نظري كثيرًا، وأتمنّى أن أرى اللوحة أو أحد معارض الفنانة مباشرة، فتلقّيت دعوة رقيقة من الفنّانة لزيارة محترفها، وقد كنت في زيارة للسّعوديّة، ولم يكن معي سوى ثلاثة أيام سأقضيها في عمّان الهوى قبل عودتي لرام الله العشق والجمال. فوضعت على رأس برنامجي المكثّف زيارة محترف الفنّانة لأرى أعمالها وإبداعها مباشرة، فدوما كنت أقول أن الصّورة الفوتوغرافية لا يمكن أن تمنح المتأمِّل للوحة فنّيّة كلّ خفايا اللوحة أو اللوحات، فألوان اللوحات تتغيّر بالصّورة، وآثار ضربات الفرشاة وكمّيّة الألوان لن تظهر أبدًا بُخلاً أو كرمًا أو اعتدالا، إضافة إلى أن البثور والسّيلان الناتج عن أخطاء فنيّة لن يظهر كذلك، فتظهر اللوحة مصقولة وخالية من العيوب، علمًا بأنّني على يقين أنّ أيّ عمل إبداعي لا يخلو من بعض الضّعف، فهو عمل بشريّ بعيد عن القدسيّة.

 


 

   ما استوقفني في أعمال الفنّانة محيسن التي تناولت الطّبيعة هو الوحشيّة التي شعرت بها، فرغم أنّ الفنّانة ابنة المدينة منذ أن رأت عيناها النور وهي بذلك لم تعايش الطبيعة بوحشيتها وثورتها وسلامها، إلاّ أنّها عبّرت عنها بقوّة. فخلال تجوالي بين اللوحات كنت أشعر بحجم كبير من مشاعر متناقضة تنتابني: كالإحساس بأنّ الفنانة تستدعي روحها ونفسيّتها وتوثّق اللحظة لتعيد تشكيلها في لوحاتها وهي في عالمها الخاصّ، بحيث تنعكس الطّبيعة والظّروف النفسيّة التي تمرّ بها  الفنّانة من خلال لوحاتها والألوان التي تستخدمها و لمسات فرشاتها.

   وأحبّ أن أشير هنا إلى أن ما رأيته في لوحاتها هو ما جعلني أسمّي قراءتي في لوحاتها بهذا العنوان (وحشية الطّبيعة) ولا علاقة له بالمدرسة الوحشيّة في الفنّ التّشكيلي، وهي التي استمدّت اسمها من مقولة النّاقد (لويس فوكسيل) حين رأى تمثالاً للنحّات (دوناتللو) بين أعمال معروضة لمجموعة من الشبان عام 1906 وهم من المؤمنين باتّجاه ساد في تلك المرحلة وقائم على التبسيط في الفن، فقال لويس: (دوناتللو بين الوحوش)، ومن أشهر فنّاني تلك المدرسة الفنان هنري ماتيس والفنان جورج روه، وروّاد تلك المدرسة اهتمّوا بالبناء المسطّح، والضّوء المتجانس، والتّبسيط في رسم الطبيعة دون استخدام الظلّ والنور، وهذا الأسلوب لا يسيطر على أعمال الطبيعة للفنّانة التّشكيليّة مها محيسن.

   يمكننا أن نجزّئ لوحات الطّبيعة لدى الفنّانة إلى ثلاثة أقسام:

 


 

الأولى: الوحشيّة..

   في لوحاتها تلك، نجد أنّ الفنانة أكثر تأثّرا بالمدرسة الانطباعيّة في الفن، مازجت في لوحاتها بين التجريد والانطباع، ويظهر ذلك واضحا من خلال استخدام ألوان هذه المدرسة القائمة على انعدام الخطوط في الطّبيعة، واستخدام ألوان المنشور المعروفة وهي الأصفر والبرتقالي والنّيلي والبنفسجي إضافة للأزرق والأحمر، وإن اختلفت مع هذه المدرسة بنقاء اللون، ولكنها وثّقت لحظة الإحساس باللحظة، فهي تعتمد في العديد من اللوحات أسلوب تجريد الطّبيعة، وتثير في النفس ثلاثة مشاعر:

 الانقباض: من خلال ألوان الطّبيعة والغابة بلونها الدّاكن وأرضيّتها عبر تمازج الأخضر مع الأسود مع ألوان مختلفة. وفي العديد من اللوحات يكون البنفسجي بتدرّجاته.

الألم: من خلال الأزرق بتدريجاته الدّاكنة كمستنقع تعلوه الطّحالب في بعض اللوحات، والأخضر الوحشي الذي لا يبعث على الطّمأنينة.

 الفرح: من خلال لون السّماء في بعض اللوحات بزرقتها الهادئة الموشّحة ببياض الغيوم وصفار الأفق الموشح بالبرتقاليّ، إضافة لبعض البؤر المضيئة بشكل غامض في لوحات أخرى وكأنّها تمهد للمرحلة التّالية.

 


 

الثّانية: الثّورة..

   نرى أنّ لوحات الطّبيعة تعتمد على الثّورة؛ فمشاعر الغضب كثيرة. وفي هذا القسم نجد أنّ اللون الأحمر هو الطاغي على معظم اللوحات. وبعض اللوحات فيها عاصفة هوجاء أو دوّامة شديدة تتبلور، ورياح من كلّ اتّجاه. وهذا ما نلمسه من خلال التّناقض في انحناء عناصر الطّبيعة كالأشجار مثلاً وكأنّها تتعرض لإعصار عنيف. ورغم طبيعة الألوان القويّة المستخدمة كالألوان الحارّة أو الألوان القاتمة المضطربة، إلاّ أنّ البؤر المضيئة متواجدة في اللوحات، وكأنّها تبشّر بانفراج بعد توحّش أدّى لثورة.

 


 

الثّالثة: السّلام..

   في هذه المجموعة نجد أنّ هدوء الرّوح والنّفس يسودها، فالطّبيعة هادئة بدون صخب ريح ولا دوّامات ولا أعاصير، وبدون سيطرة اللون الأحمر وقوّة الألوان الحارة، حيث نجد الطبّيعة بجمال وفرح وهدوء وسكينة وسلام. لوحات كثيرة فيها أزهار متفتّحة وجميلة، واللون الأخضر يمنح الرّوح راحة وهدوءًا ينتشر بتدرّج فرح. وفي إحدى اللوحات نرى الغابة وكأنّها تنادينا لراحة النّفس والهدوء والشّعور بالسّلام بين أشجارها.

استخدمت الفنّانة في معظم لوحاتها الأسلوب الحلزونيّ في الرّسم، فهي تبدأ من بؤرة تشكّل قلب اللوحة لتنطلق منها بالشكل اللولبي حتّى الأطراف، وفي الوقت نفسه وجدتُ أن الفنّانة سخيّة باستخدام الألوان، ولعل اعتمادها في كثير من الأحيان على استخدام السّكّين والكشط ساعد في ذلك، رغم أن الفنّانة فنّانة بالفطرة، فهي لا تنتمي لمدرسة معيّنة، ولم تدرس الفن في معاهد أو جامعات، ممّا منح فنّها انعكاس الرّوح دون التّأثّر بالمدارس وأساليب التّعليم المختلفة.

في نهاية هذه الرّحلة السّريعة في إبداعات الفنّانة مها محيسن، حيث نقلتنا الرّيشة مع اللون إلى مراحل متنوّعة ومشاعر مختلفة، ومنحتنا اللوحات جوًّا خاصًّا يثير المتأمّل للبحث عن الفكرة التي ألخّصها وفق قراءتي بأنّها ألم يؤدّي إلى انقباض متوحّش وثورة وصولاً للفرح والسّلام، مؤكّدا على إحساسي، الذي شعرت به منذ البدايات، بأن الطّبيعة هي انعكاس لنفسيّتها ومشاعرها في لحظات الرّسم، وليست الطبيعة بالمفهوم الّذي نعرفه ونراه، بل الطبيعة بمراحلها في روح الفنّانة. 

(رام الله 10/4/2012)

 

 


--

 

 

4 of 4 Photo(s)

#203 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sun Jun 3, 2012 4:53 pm
Subject: صباحكم أجمل/ من أرطاس إلى العبيدية.. جمال لا يوصف (الحلقة السابعة)
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 



صباحكم أجمل/ من أرطاس إلى العبيدية.. جمال لا يوصف

(الحلقة السابعة)

بقلم: زياد جيوسي

 


 

دير أرطاس بعدسة: زياد جيوسي

 

   ما زالت جولتي في بيت لحم تنقش أثرها في روحي ولا تفارقني، وما زلت أينما ذهبت وتوجهت أشعر بهمساتها تنسكب شلالات من جمال وعشق في أذني، وأشعر بالحوريات الكنعانيات اللواتي نقشن الحكاية كالنسمة الربيعية تمر عليّ، فكل بقعة وكل منطقة ومكان في بيت لحم ترك أثره في الروح، فاتجهنا من برك سليمان إلى الجنة المقفلة بلدة أرطاس، فقد كانت نسمات الجمال فيها تبدأ من برك سليمان، فنزلنا المنحدر الذي يصل إلى البلدة الكنعانية الأصيلة وذات التاريخ العريق، فهي بلدة ذات موقع استراتيجي مميز ومياه عذبة ووفيرة، فكانت عبر التاريخ مطمعاً للغزاة وخصوصاً من يريدون السيطرة على القدس، فمن يريد احتلال القدس كان لا بد أن يبدأ بأرطاس لسيطرتها على التغذية المائية للمدينة المقدسة، ولذا تعرضت عبر تاريخها للمذابح وعرفت بأنها بلدة المذابح السبعة إضافة إلى الجنة المقفلة.

 

 


 

بوابة أرطاس: عدسة: زياد جيوسي

 

   حين بدأنا بالنزول باتجاه الوادي لبلدة أرطاس التي تقع بين جبلين متقابلين، حتى بدأت جنائنها بنثر عبقها وآيات الجمال، فهمست لصديقي خالد الصيفي الذي أدين له بدعوتي الثانية لبيت لحم حين وصلنا بقايا بوابة أرطاس التاريخية: توقف فعدستي وروحي بدأتا بالتمرد كما أطيافي المتمردة، ونزلت من السيارة فوراً وبدأت بتأمل آيات الجمال والخضرة، وبدأت عدستي بالتقاط الصور، وشعرت عندها بأحفاد كنعان والسواعد السمراء الشابة كم ضحت وبذلت لبناء هذه الجماليات، وشعرت بأرواح الحوريات الكنعانيات ترتدي الأثواب المطرزة وتحمل سلال الفواكه وتجول مبتسمة، فهمست بداخلي: لله درك يا مها السقا وبارك الله بجهودك يا حافظة التراث.

 


 

مشهد لجوانب من أرطاس بعدسة: زياد جيوسي

   أكملنا المسير إلى الجسر الحجري التراثي القديم الذي يوصل إلى دير أرطاس، وكان الجو حاراً فتوقف الصديق خالد تحت شجرة في الظل ونزلت من السيارة غير آبه بحرارة الشمس، وكنت أشعر أني أريد التهام كل ما أراه التهاماً ذهنياً، وعدستي لا تتوقف عن التقاط صور الجماليات والتراث والتاريخ، فهذا الدير أقيم في العام 1895م، ويقال إن سيدتنا مريم العذراء اختبأت مع سيدنا المسيح عليه السلام بمنطقة الدير خوفاً عليه، فبني الدير تقديساً وتخليداً للمكان وسيدتنا مريم وسيدنا المسيح، ونلاحظ أن كافة الأديرة التاريخية في منطقة بيت لحم بنيت على كهوف، وهذه الكهوف ارتبطت بحركة سيدتنا مريم وهي تحمل طفلها سيدنا المسيح رسول السلام وتجول به لحمايته.

 


 منظر عام لأرطاس: عدسة زياد جيوسي

   وأرطاس بجذورها بلدة من بلدات كنعان، وتشير بعض المصادر إلى أنها تأتي بعد مدينة أريحا بنشأتها، وتوالى عليها الرومان وغيرهم، ففي تلك المراحل التاريخية كان وجود الماء هو الأساس لنشوء البلدات والممالك، وتحتضن القرية أربعة عيون للماء: عين عطاف، وعين الفروجة، وعين صالح، وعين البرك، وهذه العيون تلتقي بمياه (برك سليمان) وتجري بأراضيها في قناة واحدة إلى أن تصل بيت لحم فالقدس، حيث تمتعت قرية أرطاس بأهمية خاصة لكونها تضم في أراضيها نظاماً مائياً فريداً من نوعه، كان يزود مدينة القدس بالمياه في الفترة الرومانية حتى مطلع القرن العشرين، فبعد أن انتقلت القدس إلى موقعها الجديد فوق الهضبة القائمة عليها تقريباً الآن تم إنشاء نظام مائي بالفترة الرومانية المبكرة في وادي أرطاس، لتزويدها بالمياه عبر قنوات مائية، اهتمت العهود التي تتابعت على فلسطين بترميمها وحمايتها، وهذه العيون جعلت (أرطاس) جنة خضراء تكثر فيها البساتين.

   واسمها الحالي مستمد من أصل لاتيني يوناني وهو (Artasium) وترجمته الجنة أو البستان الشبيه بالجنة في الأذهان، بينما عرفت في فترة الاحتلال الصليبي بإسم (Hortusa Conclusu)، ومعناه الجنة المقفلة، وذلك لطبيعة موقعها بين الجبال وخصب أراضيها وينابيع الماء، بشكل جعلها كجنة مختلفة عما يحيط بها من مناطق أخرى.

 


 

الدير وأرطاس وعدسة: زياد جيوسي

 

   في أرطاس معالم تاريخية كثيرة، وكل منها يرتبط بفترة من فترات تاريخ أرطاس، فهناك برك سليمان التي تحدثت عنها في الحلقة السابقة، وهناك المسجد العمري الذي ارتبط بدخول الجيوش الاسلامية بقيادة عمرو بن العاص، ومرور الخليفة عمر بن الخطاب في بيت لحم، وإن كان من الصعب تحديد تاريخ البناء بدقة بسبب هدم المسجد القديم وبناء آخر مكانه، إضافة إلى وجود آثار كثيرة منها البرك التي ارتبطت بروايات وقصص مثل بركة (المرجيع) والتي يقال إن سيدنا يوسف ضاع ووجده إخوته هناك فأرجعوه معهم، كما توجد لوحات وآثار لوجود طواحين الغلال العاملة بقوة الماء في أرطاس أيضاً، إضافة إلى أن الكثير من تلال وكهوف ووديان أرطاس ما زالت تحمل اسم القادة الذين مروا بها عبر التاريخ،  وتتحدث المصادر التاريخية أن أرطاس والتي سيطرت على طرق التجارة بين الخليل والقدس، عرفت باسم رأس عرقوب نسبة لقرى العرقوب التي بلغ عددها 24 قرية في المنطقة، وشهدت ازدهاراً كبيراً في الفترة المملوكية كونها كانت معفاة من الضرائب مقابل حماية مصادر المياه لبيت المقدس، ما أوجد فيها زعامات متعاقبة وآثار بقايا لقاعة محكمة وسجن معروف الآن باسم (الحبس) يتوسط القرية شرقي الجامع، وفي الفترة العثمانية تركت آثار ترميم برك سليمان وبناء قلعة مراد لحماية مصادر المياه وضمان وصولها إلى بيت المقدس، وفي بداية القرن الماضي غيرت الحكومة العثمانية قناة الماء من فخارية إلى معدنية تحت إشراف مهندس يوناني، وفي وسط القرية ما زالت معالم لكنيسة بنيت في عهد الإحتلال الصليبي في الجهة المقابلة للمسجد موجودة.

   وتحيط بأرطاس العديد من الخرب التي تحمل أثاراً تتحدث عن تاريخ أرطاس العابق بالجمال منذ أبدع الكنعانيون باختيار المكان، مثل خربة الخوخ وبصة والعليا والبيرة، وهذه الخرب يوجد بها آثار بيوت مهدمة وآثار وأرضيات من الفسيفساء وأحواض ومدافن منقورة بالصخر وصهاريج مياه، إضافة إلى آثار دير البنات الذي دمر في القرن الخامس الميلادي أثناء الاضطرابات التي سادت المنطقة.

 


 

من قنوات الماء في أرطاس: عدسة: زياد جيوسي

 

   وتشتهر أرطاس حالياً بمهرجان الخس السنوي، وهو من أهم المهرجانات التي تبرز تاريخ وخصب وتراث أرطاس والمنطقة، وعرف عن أرطاس أنها كانت معشوقة للأوربيين في المرحلة الماضية، فشكلت نقطة جذب للمستشرقين والبعثات التبشيرية، فدون الكثير منهم تاريخها بالكتابة والصور وتراثها ونباتاتها وحكاياتها الشعبية، وتغزل بها شعراء من إيطاليا وسكنها الأمير هنري ابن الملكة فكتوريا وأشترى بها ارضاً إلى العام 1850، اضافة إلى بيتر ميشولام وهنري بالدنسبيرغر وشقيقته لويزا، وهنري هو صاحب كتاب صاحب كتاب (الشرق الذي لا يتزحزح) الذي نشره في العام 1913، وتحدث فيه عن أرطاس بشغف وحب، إضافة إلى علماء من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأدخلوا لها مزروعات جديدة، ولعل أهمهم على الإطلاق دكتورة من فنلندا اسمها هيلما غرانكفست، والتي سكنت أرطاس عدة سنوات وعرفت باسم (حليمة) وأطلق عليها لقب (درويشة أرطاس المتيمة)، وقد أتقنت العربية بلهجة أهل البلدة، وكتبت خمسة كتب عن أبناء الوطن الفلسطيني، وقد حاولت باحثة بريطانية استكمال أبحاثها في سبعينات القرن الماضي.

 


 

دير أرطاس، عدسة: زياد جيوسي

 

  كان الوقت يدهمنا بعد هذه الجولة الطويلة، فكان لا بد من اختصار الزيارة قليلاً لنتمكن من الوصول إلى دير مار سابا في العبيدية، فاكتفيت بهذه الجولة السريعة في البلدة ما بين قديمها وحديثها، وخصوصاً أن أرطاس تحتاج إلى وقت أطول للتجوال وتنسيق مسبق مع أحد أبناء البلدة الذي يعرفون خباياها والجماليات المستورة فيها، فوعدت نفسي بزيارة أخرى لأكمل ما بدأت.. وبدأت المسير برفقة صديقي خالد الصيفي باتجاه بلدة العبيدية حيث كان ينتظرني منذ وقت مبكر الأستاذ الفاضل محمد الردايدة (أبو وائل)، وولده الشاب وائل الذي أصر بكل ما عرفته من إصرار أن يستقبلنا في العبيدية وأن يكون مع والده الفاضل رفاق التجوال في منطقة دير(مار سابا) والعبيدية، والذي سيكون مجال الحديث في الحلقة القادمة من بوح المحبة لبيت لحم بأهلها وناسها والأمكنة والدروب.

    صباح آخر من صباحات رام الله العشق والجمال، نسمات الصباح كانت فيها حارة قليلا، ولكنها لم تمنعني من معانقة رام الله ومراقصتها مع أول خيوط الشمس، فتنشقت عبق الياسمين وعدت لصومعتي قبل أن أذهب لعملي الوظيفي، فاحتسيت القهوة بجوار حوض النعناع، وبدأت أكتب بعد توقف طال عن سلسلة (صباحكم أجمل (بسبب الوضع الصحي الذي مررت به، والسفر والغياب من أجل العلاج، فيشدني الشوق إلى بيت لحم، ومع شدو فيروز يزداد الشوق وهي تشدو:

(أنت لي أحلى أماني وأحلام شبابي

أنت لي شوق البوادي المنسيات العذاب

أنت لي عمر الندى في الربيع المزهر

أنت لي فيض الهناء وصفاء المنهل)

فاشتعل شوقاً وأهمس للحمامة البيضاء الراقدة بين الورود على نافذتي: أبلغي بيت لحم محبتي وأشواق تتراكم في الطرقات، ووعد بزيارة أخرى.. وأبلغي كل قرائي: صباحكم أجمل..

(رام الله 10/5/2012)



 


7 of 7 Photo(s)

Messages 174 - 203 of 213   Oldest  |  < Older  |  Newer >  |  Newest
Add to My Yahoo!      XML What's This?

Copyright 2010 Yahoo! Inc. All rights reserved.
Privacy Policy - Terms of Service - Guidelines NEW - Help