Skip to search.

Breaking News Visit Yahoo! News for the latest.

×Close this window

ziadjayyosi

The Yahoo! Groups Product Blog

Check it out!

Group Information

  • Members: 6325
  • Category: Names
  • Founded: Nov 4, 2007
  • Language: Arabic
? Already a member? Sign in to Yahoo!

Yahoo! Groups Tips

Did you know...
Message search is now enhanced, find messages faster. Take it for a spin.

Messages

Advanced
Messages Help
Messages 198 - 215 of 215   Oldest  |  < Older  |  Newer >  |  Newest
Messages: Show Message Summaries Sort by Date ^  
#198 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Feb 2, 2012 12:51 pm
Subject: صباحكم أجمل/ بيت لحم والجنائن المقفلة (الحلقة السادسة)
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ بيت لحم والجنائن المقفلة
(الحلقة السادسة)


بقلم: زياد جيوسي

 

    ما زلت أسمع شدو نايات الولجة تعزف لحناً حزيناً لمعاناة أهلها، فهذه الجنة أصبحت تعاني الكثير، وحين غادرت بقايا الولجة القديمة برفقة مضيفي خالد الصيفي، مدير مؤسسة إبداع، والذي أتعبته كثيراً معي في التجوال، وإن كان ما يغفر لي أنني حين وجه لي الدعوة من خلال مؤسسة إبداع وتحدثنا، حذرته أنني مُتعِب لمن يرافقني في التجوال، فأنا لا يمكنني الهدوء أمام روعة المكان والتاريخ في بلدة صغيرة، فكيف حين يكون ذلك في بيت لحم التي تروي كل زاوية فيها وكل بقعة، حكايات منذ استقر كنعان هذه الأرض وأنشأ حضارة الجبارين؟!

 


 

عين الجويزة تصرخ من الجفاف.. عدسة زياد جيوسي


   الولجة تمتد في جذورها إلى تاريخ قديم، فآثارها تدل أنها كانت مسكونة في فترة الرومان، وهذا ما تدل عليه عين الحنية، وكذلك بعض الآثار القديمة ذات الطابع الروماني، وكانت تتميز بوجود عيون الماء فيها مثل عين الحنية وعين الجويزة وعين سيف وأبي السمير والدلبة وغيرها، وإن كانت الآن معظم العيون قد سحبت مياهها الجوفية من خلال الاحتلال البغيض، فجفت مثل عين الجويزة أو شحت مياهها جداً مثل عين الحنية.

   اتجهنا إلى الولجة الجديدة، والتي قامت على امتداد الجبال التابعة لأراضي الولجة التي احتلها العدو في العام 1948، وكان الهدف الأول زيارة شجرة الزيتون التاريخية والتي يعود عمرها حسب فحوصات الخبراء من جنسيات مختلفة، ما بين 3500 إلى 5500 سنة، وهذه الشجرة يطلق عليها اسم شجرة (سيدنا أحمد البدوي)، وهي ضخمة جداً ومتميزة بشكلها وحجم جذعها، حيث يصل محيط الجذع إلى عشرين متراً، ولتاريخها القديم حامت حولها أساطير كثيرة، ذكرتني بالأساطير حول شجرة مقام الأسيرة في بيتلّو قرب رام الله، والأساطير حول أشجار النبي غيث قرب دير عمار في محافظة رام الله أيضاً، وجميعها تحمل نفس الفكرة؛ وهي أن من يكسر من أغصانها غصنا يتعرض للسخط.

 

 

زيتونة البدوي التاريخية.. عدسة زياد جيوسي


   وصلنا إلى الولجة الجديدة وسألنا طفلاً عن موقع الشجرة، فتطوع مباشرة ليدلنا وركب معنا السيارة، وفي نقطة تنتهي بها الطريق المعبدة أوقفنا السيارة وكان الطفل مازن دليلنا اللطيف للوصول إلى الشجرة، وحين اقتربنا منها بدأ يشرح لنا عنها، ولم يفته الحديث عن الجدار البغيض أيضاً، الذي بدأ يلتهم أراضي الولجة الجديدة، وفور وصولنا استقبلنا حارس الشجرة الأخ صلاح أبو علي، والذي رحب بنا أجمل ترحيب، وقدم لنا المعلومات التاريخية عن الشجرة، وحدثنا عن تلك الشخصيات الرسمية التي زارت الشجرة والتقطت الصور لها، إضافة إلى محطات التلفزة المختلفة، كما شرح لنا عن مهرجان تراثي جميل تم تحت الشجرة، وشاركت به بشكل متميز السيدة مها السقا من خلال مركز التراث الشعبي، وعرض علينا مجموعة كبيرة من الصور لمن زاروا الشجرة والموقع، وقال: عين الجويزة التي كانت تسقي الشجرة والمنطقة بالكامل جفّت تماماً، بعدما تمكن الاحتلال من سحب المياه الجوفية، وأصبحت الشجرة وغيرها مهددة بالجفاف، وقد وعدني أكثر من شخص من كبار المسؤولين بتوفير الماء، ولكنها ما زالت (كالعادة) وعوداً في الهواء.

 


مع حارس الشجرة الأخ صلاح أبو علي


   وقفت بذهول أمام الشجرة التي تركت أثراً كبيراً في روحي، وتخيلت جدنا كنعان وهو يغرسها في الأرض المباركة ويهمس لها: اروي الحكاية لأحفادي وقولي لهم إن الأرض تعطي لمن يحبها ويعطيها، ونحن زرعنا ليأكلوا؛ فلا يتوقفوا عن العناية بالأرض، وليزرعوا ليأكل أحفادهم أيضاً. تحركت برفقة الطفل مازن وصلاح أبو علي وصديقي خالد الصيفي بعد أن التقطت كمّاً من الصور لكل أجزاء الشجرة، وتوجهنا إلى عين الجويزة وشاهدتها تئنّ ألماً من الجفاف والعطش. وللعلم، وبسبب الجدار، فقد تم اقتلاع أشجار زيتون كثيرة يبلغ عمرها أكثر من ألفي عام، وقسم منها جرى إعادة زراعته في منطقة المهد بعد جهود هائلة لرفض الاحتلال ذلك. وفي الطريق إلى السيارة شاهدت العديد من الكهوف التاريخية، ورأيت امتداد الجدار البشع الذي التهم نسبة كبيرة من أراضي البلدة، وبدأ بمحاصرتها ليجعلها معزولة في محاولة أخرى لتهجير السكان مرة أخرى. وحين وصلنا السيارة شكرنا مضيفينا مازن وصلاح على ما ساعدونا به.

 

 

لصوص الآثار مروا من هنا.. عدسة زياد جيوسي


    اتجهنا إلى مزرعة يقطنها منـزرعاً في أرضها الصامد عبد أبو شيخه، فحين شعر أن الجدار يهددها هجر بيته وأسرته، والتصق بالأرض وبمزرعته لا يغادرها رغم كل اعتداءات الاحتلال والمستوطنين، لا يرافقه إلا كلب وفي، وإصرار لا يلين وعزيمة لا تقهر، فاحتسينا كوباً من الشاي عنده، وغادرنا بعد أن شددت على يده بقوة..

 


 

المنـزرع في أرضه عبد أبو شيخة.. عدسة: زياد جيوسي

 

  إتجهنا نحو دير كريمزان وهو واقع على أرض متوسطة بين الولجة وبيت جالا ويمتد على مساحة واسعة بين الغابات الصنوبرية، وتمثل هذه الغابات متنفساً طبيعياً لسكان بيت لحم، وهذه الغابة من الأشجار مهددة بالمصادرة واستيلاء الجدار عليها كما الدير الذي سيقع داخل الجدار أيضاً، في حال نفّذ الاحتلال قرارات المصادرة ووضع اليد. وأرض كريمزان تبلغ مساحتها آلاف الدونمات، بين مستوطنة (جيلو ومستوطنة هارجيلو) وعلى قمة الغابة توجد كنيسة كريمزان ودير الراهبات، وفي كل أسبوع تقوم الفعاليات الوطنية والدينية باعتصامات ضد قرار المصادرة وبناء الجدار، ويقوم الإخوة المسيحيون بالصلاة في ساحة الدير تعبيراً عن عروبة الدير ورفضاً للاحتلال وإجراءاته، فالاحتلال لا يميز بين مسيحي ومسلم، فهو يريد الأرض خالية من كل أهلها. وفي الطريق مررنا بالعديد من الكهوف التاريخية التي لم تنجو من حفريات لصوص الآثار، وبكل أسف لم أتمكن من دخول الدير لتضارب الوقت مع أوقات الزيارة على أمل تنفيذ هذه الرغبة في زيارة قادمة.

 

  

برك سليمان.. عدسة زياد جيوسي

 

   من الولجة ودير كريمزان اتجهنا نحو (برك سليمان)، وهذه البرك الثلاثة المحفورة بالصخر كانت تسقي القدس في الماضي، وهي تعود إلى تاريخ قديم جداً، وتتسع إلى 160000متر مربع من الماء، وهي برك رائعة بتصميمها الهندسي وسعتها والقنوات التي تمتد منها، وكانت تصب بها ثلاثة عيون ماء لتنقل الماء عبر القنوات إلى القدس، وهذه البرك بأصولها وطبيعة حفرياتها تعود لفترة الرومان، وهذه البرك الثلاثة في أرطاس المعروفة باسم برك سليمان، نسبة إلى السلطان سليمان القانوني الذي قام بإعادة تأهيلها وترميمها بعد أن أهملت لفترات طويلة، وهي برك رائعة التصميم، وجزء من نظام مائي فريد يربط بين شبكات وقنوات مائية تحت الأرض وتصل إلى مناطق متعددة من فلسطين، واثنتان من هذه القنوات لا تزال قائمة كجزء من الآثار الرومانية على مشارف بيت لحم، ويقال إن القناة الأكبر بنيت بإمرة بيلاطوس النبطي الحاكم الروماني، وتبدأ من عين العروب، وتمر بمحاذاة التلال وصولاً إلى برك سليمان، ثم تصل بيت لحم والقدس عبر أنفاق مائية، أما القناة الثانية فهي من مكعبات من الحجر الجيري الأبيض، وقد بنيت في نهاية القرن الثاني الميلادي، وقد تم نقل الماء من بئر الدرجاني قرب برك سليمان، وآثار هذه القناة وجدت في المثلث بين مفترق الطريق المؤدية إلى شارع المهد.

 


 

برك سليمان.. عدسة زياد جيوسي

 

   هذه البرك تشكو الجفاف الآن، فقد تم تجفيفها بسبب حالات الغرق التي شهدتها، بينما كان المفترض أن يكون هناك حلول أخرى، فهي تشكل مخزوناً مائياً ضخماً كان يجب المحافظة عليه، ومقابلها تقع قلعة مراد التي بناها السلطان سليمان القانوني لحماية البرك، وكي تكون مكاناً لاستراحة المسافرين ولثكنات الجيش وحماية السكان المحليين، لنتجه من البرك إلى بلدة أرطاس، وحديث آخر في الحلقة السابعة من رحلتي لرحاب بيت لحم حيث الجمال وعبق التاريخ وحكايات كنعان وحجارة الأرض.

   صباح عمّاني جميل بعد غياب عن عمّان الهوى التي وصلتها مساء الأمس، أقف إلى نافذتي مبكراً أتأمل المنطقة والأشجار التي زرعتها قبل ما يقرب ربع قرن من خلف الزجاج، فكبرت واستطالت وغمرها الجمال، فضاحية خلدا كانت منطقة ممتدة بالسهول والجمال، لتتحول إلى منطقة مكتظة بالبنايات، حتى أني لم أعرفها جيداً بعد أن غبت عنها أحد عشر عاماً متصلة، أستعيد ذاكرة زيارتي بيت لحم، وأحتسي القهوة وحيدا بدون طيفي الذي يصر أن يبقى بعيدا وموغلاً في الغيابً، لكن روحه لا تفارقني وأستمع لشدو فيروز:

(من يوم يلي تكون يا وطني الموج كنا سوى، ليوم يلي بيعتق يا وطني الغيم رح نبقى سوى، تاجك من القمح تمنيتلك السلام، وشعبك بيحبك لتبرد الشمس وتوقف الأيام، عا رماد اللي راحوا، عا خاتم الزمان، على حجار السود اللي بقيو من الحيطان).

   فأهمس: أيا بيت لحم يومين عرفتك بهما تركا كل هذا الأثر في قلبي، فلا بد من عودة إلى ترابك وعبقك ونسماتك، فخبايا الجمال وحكايات التاريخ ما زالت لم تكملها حوريات كنعان لي.. فيا عمّان ويا بيت لحم ويا أحبتي: صباحكم أجمل..

 

(عمّان- الخميس 29/12/2011)


 

7 of 7 Photo(s)

1 of 1 File(s)


#199 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sat Mar 31, 2012 9:55 am
Subject: لنشارك الفنانة التشكيلية ماجدة نصر الدين الفرح في بيروت في الثالث من نيسان
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

لنشارك الفنانة التشكيلية ماجدة نصر الدين الفرح

 

   في بيروت وحيث التقاء الأزرقين، هناك حيث تلتقي السماء بزرقتها مع البحر اللازوردي، يضاف للجمال جمال آخر مع روح الفنانة وإبداعها، تقيم الفنانة ماجدة نصر الدين معرضها الشخصي الرابع، في الثالث من نيسان، حيث تفتح الأزهار وعبق الياسمين ولوحات الطبيعة موسومة بالبنفسج وشقائق النعمان، لتنصهر وتندمج مع التحليق الإبداعي للفنانة طاقات من الفرح والجمال، في قاعة نهى الراضي.. فتعالوا نشارك الفنانة الفرح، بالحضور أو بالروح للأرواح التي تحلق في البعيد عاشقة للفن والجمال.

 

 

   تهمس الفنانة التشكيلية ماجدة نصر الدين قائلة: (آتي إلى اللوحة محمّلة بشغف وتوق للحرية المطلقة، الارتقاء إلى  الانعتاق من كل قيد يضغط على حريتي. الموسيقى هي رفيقتي المثلى حين أرسم، فنجاة قهوة لا يضير أيضاً. علاقتي بالمرسم بشكل عام علاقة حميمة جدا، أشعر بكينونتي حين أدخله وأصرّ على التعاطي مع كافة محتوياته بمحبة. أدواتي تتخطى أن تكون ريشة و”كأنفاسوألوان بل تتعداها لتشمل أي شيء يخطر ببالك، أي شيء لخدمة العمل هو متاح ومستحب.

   اترك اللوحة حين أشعر أنها اكتفت من مشاغباتي وأعود إليها كل حين لأستشفّ من المُنجز ومدى اكتماله أو اقترابه من الكمال، أحيانا تقنعني منذ اللحظة الأولى بالأكفاء وأحيانا لا أفعل مهما حاولت إقناعي.

   إنها علاقة نسبية على كل حال، ترتبط بحالة المبدع الذهنية بالدرجة الأولى، يتبعها كل ما يعتمل في النفس من أمور.)

ماجدة نصر الدين- لبنان

 

الجامعة اللبنانية- كلية الفنون الجميلة (رسم وتصوير)1993

عضو جمعية الإمارات للفنون التشكيلية منذ عام 1994

عضو جماعة الجمان 2006

 

المعارض الشخصية

:

- جمعية الإمارات للفنون-1995

- متحف الشارقة للفنون-(ضمن المعرض العام الثالث والعشرون )2004

- غاليريا كورنر كافيه-الشارقة 2004

 

المعارض الجماعية

:

- المعرض السنوي العام لجمعية الإمارات للفنون ودائرة الثقافة والإعلام- منذ عام 1995

- المعرض الدولي للفنانات-ديزاين اّرت غاليري و مرسيدس بنز- دبي 1996

- معرض فناني بلاد الشام-القنصلية الهندية- دبي 2000

- بينالي الشارقة الدولي للفنون – 1995 -1997 -1999

- معرض “عيون عربية ” – متحف الشارقة للفنون- 2000

- معرض البورتريه – متحف الشارقة للفنون- 1999-2000-2001

- معرض “حوار بصري “- غاليريا كورنر كافيه – 2004

- مهرجان الإمارات الثقافي الأول – مركز دبي التجاري- دبي – 2004

- البينالي الدولي الثالث لفنون الرسوم المعاصرة في العالم الإسلامي – إيران-2005

- معرض جماعي في صالة لو مارتين –باريس-2006

- معرض “المبدعون العرب” –غاليري ميم- دبي –2006

- معرض جماعة الجمان- مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية –دبي 2006

- البينالي الدولي الرابع لفنون الرسوم المعاصرة في العالم الإسلامي – إيران-2006

- نساء في الفن-كورت يارد- 2004-2006

- معرض جماعة الجمان في دار الأوبرا في القاهرة.

-الامارات وأشهر فنانيها العرب 2007

-المعرض السنوي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية (28)-متحف الشارقة للفنون.2009


2 of 2 File(s)


#200 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed May 2, 2012 3:05 pm
Subject: شباطيات بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

شباطيات

بقلم: زياد جيوسي



   عندما خضت في نصوص هشام خاطر، لم أكن أتوقع أني سأخوض في مخاضة كبيرة واسعة الامتداد من مساحات الألم، فنصوص هشام وهي تحمل اسم (شباطيات)، تعيدنا إلى جو شهر شباط بما يحمله من تخبط وعنفوان، ويذكرني بالمثل الشعبي الذي كان أجدادنا يقولونه أمام تقلب شهر شباط وعنفوانه: "شهر شباط ما عليه رباط"، فلم يكن لأحد أن يتوقع موعد الشمس من لحظات الغضب ولحظات الرياح والمطر، وهكذا كانت نصوص (شباطيات) تحمل في دواخلها وبين طياتها مجموعة من أشهر شباط وليس شهراً واحداً، تدفع قارئها لوضع العديد من التساؤلات، ولعل أهم سؤال هو: ماذا يريد فالذي يقول في نص "ابتسامة موجهة" عبارة: "باستطاعتي انتزاع قنبلة من بين الصخور، ولكنني أعجز عن انتزاع آلامي من رؤيتي لعاهة مستديمة"، يجعلنا نحن القراء نجهل "المعاني رغم تكرار الإشارة دائماً"، كما يقول عن نفسه في النص. فهشام يعتمد كثيراً في نصوصه على الرمزية، وأحياناً تكون الرمزية مغرقة في ثنايا النص ما لا يترك المجال للقارئ إلا أن يعود ويقرأ النص أكثر من مرة في محاولة لأن يصل للمعاني المختبئة خلف العبارات، فهو لا يكتب لمجرد الكتابة، وهو في الوقت نفسه لا يتحذلق بالكلمات، بمقدار ما رأيت أن هناك خلف هذه السطور روحاً يشوبها الألم، يشوبها الغضب، فهو "كمارد غاضب مدفوعاً بكل أسباب النقمة".

وفي نصه (بيلار) أشعر أنه نص منتزع من الواقع، أشعر أنه يروي حكاية حصلت، لكنه يصوغها بعد مضي وقت طويل كنـزف روح، ويتساءل: "كم من الموت كان سيحتاج حتى ليخرج بك من بين الركام؟"، وهنا نجد في السؤال فلسفة معينة حول الموت وحول الحياة، وفي نصوص أخرى نجد الكاتب يلجأ للغرائبية ورسم لوحات سريالية كما في قصة (طبع مكتسب) حيث يقول: "كانت وجوه لنا نراها للوهلة الأولى"، وهو يبدأ القصة بقوله: "هذا ما تبقى من وجهي على حائط المدرسة القديم"، فهو من خلال فكرة غرائبية إلى حد الإدهاش يعري الوجوه في المجتمع كونها ليست أكثر من أقنعة مزيفة، وهو يلجا للأسلوب نفسه وإن كان بشكل أقل حدة في قصة (صوباشي عريس)، بينما تزداد حدية الغرائبية والرمزية في قصته (عادة قديمة) حتى تصل إلى درجة الإغراق بالرمز، والتي يصرخ في نهايتها: "أنا ما زلت هنا.."، ما يعطي النص طابع الشعور بالبحث عن الذات في ظل فكرة غريبة صاغها النص، بينما في نصه (عملية مضاعفة) نراه يمازج بين أفكار مرتبطة بالجوع "الجوع حين ينال من حواسنا يجعل للعظام الجافة نكهتها"، فيأتي النص كأنه على شكل حلم ونهاية القصة هي الواقع.

إن أساليب الكاتب في مجموعته متنوعة على الرغم من الرابط الذي يربطها معاً، فنحن نجد أنفسنا في عالم مختلف بأجواء كل قصة أو نص، رغم الخيوط السرية التي تربطه بالنصوص الأخر، ونجد ذلك بوضوح في نصه (مداهمة أمنية)، من حيث العنوان ومن حيث الأسلوب، ونجد ذلك بشكل مختلف قليلاً في نصه (نحو المدافن)، وفي نصوص أخرى نجد أن الغرائبية تسود في النص، ولكن النص لا يخلو من هدف وفكرة، إضافة إلى الأسلوب الشيق الذي يشد القارئ إلى الغوص في لب النص لفهمه، أو وضعه جانباً إن لم تسعفه أفكاره بأن يتقمص روح هشام ويحلق بالنص.

إن التجوال في نصوص هشام خاطر يتطلب من القارئ التركيز في ثنايا النصوص وطياتها، فالكاتب امتلك أسلوباً مختلفاً في السرد والقص والتعبير، وكانت النصوص تحمل في طياتها الكثير من أفكار تحتاج التركيز معها للوصول لأهدافها، فأنا وفي قراءتي لها كنت أضطر أن أعيد قراءة النص كاملاً أحياناً، وفقرات منه أحياناً أخرى، من أجل استنباط الفكرة والمغزى بالنص المنفرد؛ وفي المجموعة المتكاملة، فهو يحمل فكرة بأسلوبه منذ النص الأول حتى الأخير، فهي نصوص مازجت بين البوح الروحي والقصة القصيرة، فكانت تمتلك أسلوباً له تأثير على النفس، فمثل هذه النصوص لم تكتب بقرار الكتابة، بمقدار ما كانت نزفاً روحياً يكاد يصل إلى درجة الهذيان.

هشام، هذا الشاب، يعيدني مرة أخرى إلى السؤال الذي طرحته في البداية: ماذا يريد الكاتب؟ لأجد نفسي وبعد كل رحلة التجوال لا أستطيع أن أضع إجابة محددة، فهذا الشاب الذي ما زال في بداية الثلاثينيات من العمر، عاشق الموسيقى والشعر والأدب، وما زال يعيش في صومعة الوحدة بدون زواج، وربما لرفضه كل أشكال القيود، على الرغم من معاناته من الاحتلال للجولان الذي ولد فيه وتفتحت عيناه على احتلال ظالم وغاشم، لعل هشام من خلال نصوصه يبدي احتجاجه على قدر ارتبط بشهر شباط، وزمن عاشه ارتبط بوجود احتلال، فيشهر قلمه ولسانه في وجه كل القواعد المألوفة، ليخط فضاء هشام الذي حلق وحلقنا به.


(رام الله التاسع من أيار 2010)

 


 

1 of 1 File(s)


#201 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Tue May 15, 2012 12:16 pm
Subject: دعوة لحضور حفل توقيع (حياتنا الصغيرة) للكاتبة فدى جريس- الأربعاء في قاعة مكتبة الشروق - رام الله
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 
#202 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed May 23, 2012 4:18 am
Subject: وحشيّة الطّبيعة في إبداعات مها محيسن.. بقلم: زياد جيّوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

وحشيّة الطّبيعة في إبداعات مها محيسن

بقلم: زياد جيّوسي

 

    ربمّا لحسن حظّي أنّني أوردت تعليقًا مختصرًا على إحدى لوحات الفنّانة مها محيسن في أحد المواقع على الشبكة العنكبوتيّة، وأشرت فيه أنّ العمل لفت نظري كثيرًا، وأتمنّى أن أرى اللوحة أو أحد معارض الفنانة مباشرة، فتلقّيت دعوة رقيقة من الفنّانة لزيارة محترفها، وقد كنت في زيارة للسّعوديّة، ولم يكن معي سوى ثلاثة أيام سأقضيها في عمّان الهوى قبل عودتي لرام الله العشق والجمال. فوضعت على رأس برنامجي المكثّف زيارة محترف الفنّانة لأرى أعمالها وإبداعها مباشرة، فدوما كنت أقول أن الصّورة الفوتوغرافية لا يمكن أن تمنح المتأمِّل للوحة فنّيّة كلّ خفايا اللوحة أو اللوحات، فألوان اللوحات تتغيّر بالصّورة، وآثار ضربات الفرشاة وكمّيّة الألوان لن تظهر أبدًا بُخلاً أو كرمًا أو اعتدالا، إضافة إلى أن البثور والسّيلان الناتج عن أخطاء فنيّة لن يظهر كذلك، فتظهر اللوحة مصقولة وخالية من العيوب، علمًا بأنّني على يقين أنّ أيّ عمل إبداعي لا يخلو من بعض الضّعف، فهو عمل بشريّ بعيد عن القدسيّة.

 


 

   ما استوقفني في أعمال الفنّانة محيسن التي تناولت الطّبيعة هو الوحشيّة التي شعرت بها، فرغم أنّ الفنّانة ابنة المدينة منذ أن رأت عيناها النور وهي بذلك لم تعايش الطبيعة بوحشيتها وثورتها وسلامها، إلاّ أنّها عبّرت عنها بقوّة. فخلال تجوالي بين اللوحات كنت أشعر بحجم كبير من مشاعر متناقضة تنتابني: كالإحساس بأنّ الفنانة تستدعي روحها ونفسيّتها وتوثّق اللحظة لتعيد تشكيلها في لوحاتها وهي في عالمها الخاصّ، بحيث تنعكس الطّبيعة والظّروف النفسيّة التي تمرّ بها  الفنّانة من خلال لوحاتها والألوان التي تستخدمها و لمسات فرشاتها.

   وأحبّ أن أشير هنا إلى أن ما رأيته في لوحاتها هو ما جعلني أسمّي قراءتي في لوحاتها بهذا العنوان (وحشية الطّبيعة) ولا علاقة له بالمدرسة الوحشيّة في الفنّ التّشكيلي، وهي التي استمدّت اسمها من مقولة النّاقد (لويس فوكسيل) حين رأى تمثالاً للنحّات (دوناتللو) بين أعمال معروضة لمجموعة من الشبان عام 1906 وهم من المؤمنين باتّجاه ساد في تلك المرحلة وقائم على التبسيط في الفن، فقال لويس: (دوناتللو بين الوحوش)، ومن أشهر فنّاني تلك المدرسة الفنان هنري ماتيس والفنان جورج روه، وروّاد تلك المدرسة اهتمّوا بالبناء المسطّح، والضّوء المتجانس، والتّبسيط في رسم الطبيعة دون استخدام الظلّ والنور، وهذا الأسلوب لا يسيطر على أعمال الطبيعة للفنّانة التّشكيليّة مها محيسن.

   يمكننا أن نجزّئ لوحات الطّبيعة لدى الفنّانة إلى ثلاثة أقسام:

 


 

الأولى: الوحشيّة..

   في لوحاتها تلك، نجد أنّ الفنانة أكثر تأثّرا بالمدرسة الانطباعيّة في الفن، مازجت في لوحاتها بين التجريد والانطباع، ويظهر ذلك واضحا من خلال استخدام ألوان هذه المدرسة القائمة على انعدام الخطوط في الطّبيعة، واستخدام ألوان المنشور المعروفة وهي الأصفر والبرتقالي والنّيلي والبنفسجي إضافة للأزرق والأحمر، وإن اختلفت مع هذه المدرسة بنقاء اللون، ولكنها وثّقت لحظة الإحساس باللحظة، فهي تعتمد في العديد من اللوحات أسلوب تجريد الطّبيعة، وتثير في النفس ثلاثة مشاعر:

 الانقباض: من خلال ألوان الطّبيعة والغابة بلونها الدّاكن وأرضيّتها عبر تمازج الأخضر مع الأسود مع ألوان مختلفة. وفي العديد من اللوحات يكون البنفسجي بتدرّجاته.

الألم: من خلال الأزرق بتدريجاته الدّاكنة كمستنقع تعلوه الطّحالب في بعض اللوحات، والأخضر الوحشي الذي لا يبعث على الطّمأنينة.

 الفرح: من خلال لون السّماء في بعض اللوحات بزرقتها الهادئة الموشّحة ببياض الغيوم وصفار الأفق الموشح بالبرتقاليّ، إضافة لبعض البؤر المضيئة بشكل غامض في لوحات أخرى وكأنّها تمهد للمرحلة التّالية.

 


 

الثّانية: الثّورة..

   نرى أنّ لوحات الطّبيعة تعتمد على الثّورة؛ فمشاعر الغضب كثيرة. وفي هذا القسم نجد أنّ اللون الأحمر هو الطاغي على معظم اللوحات. وبعض اللوحات فيها عاصفة هوجاء أو دوّامة شديدة تتبلور، ورياح من كلّ اتّجاه. وهذا ما نلمسه من خلال التّناقض في انحناء عناصر الطّبيعة كالأشجار مثلاً وكأنّها تتعرض لإعصار عنيف. ورغم طبيعة الألوان القويّة المستخدمة كالألوان الحارّة أو الألوان القاتمة المضطربة، إلاّ أنّ البؤر المضيئة متواجدة في اللوحات، وكأنّها تبشّر بانفراج بعد توحّش أدّى لثورة.

 


 

الثّالثة: السّلام..

   في هذه المجموعة نجد أنّ هدوء الرّوح والنّفس يسودها، فالطّبيعة هادئة بدون صخب ريح ولا دوّامات ولا أعاصير، وبدون سيطرة اللون الأحمر وقوّة الألوان الحارة، حيث نجد الطبّيعة بجمال وفرح وهدوء وسكينة وسلام. لوحات كثيرة فيها أزهار متفتّحة وجميلة، واللون الأخضر يمنح الرّوح راحة وهدوءًا ينتشر بتدرّج فرح. وفي إحدى اللوحات نرى الغابة وكأنّها تنادينا لراحة النّفس والهدوء والشّعور بالسّلام بين أشجارها.

استخدمت الفنّانة في معظم لوحاتها الأسلوب الحلزونيّ في الرّسم، فهي تبدأ من بؤرة تشكّل قلب اللوحة لتنطلق منها بالشكل اللولبي حتّى الأطراف، وفي الوقت نفسه وجدتُ أن الفنّانة سخيّة باستخدام الألوان، ولعل اعتمادها في كثير من الأحيان على استخدام السّكّين والكشط ساعد في ذلك، رغم أن الفنّانة فنّانة بالفطرة، فهي لا تنتمي لمدرسة معيّنة، ولم تدرس الفن في معاهد أو جامعات، ممّا منح فنّها انعكاس الرّوح دون التّأثّر بالمدارس وأساليب التّعليم المختلفة.

في نهاية هذه الرّحلة السّريعة في إبداعات الفنّانة مها محيسن، حيث نقلتنا الرّيشة مع اللون إلى مراحل متنوّعة ومشاعر مختلفة، ومنحتنا اللوحات جوًّا خاصًّا يثير المتأمّل للبحث عن الفكرة التي ألخّصها وفق قراءتي بأنّها ألم يؤدّي إلى انقباض متوحّش وثورة وصولاً للفرح والسّلام، مؤكّدا على إحساسي، الذي شعرت به منذ البدايات، بأن الطّبيعة هي انعكاس لنفسيّتها ومشاعرها في لحظات الرّسم، وليست الطبيعة بالمفهوم الّذي نعرفه ونراه، بل الطبيعة بمراحلها في روح الفنّانة. 

(رام الله 10/4/2012)

 

 


--

 

 

4 of 4 Photo(s)

#203 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sun Jun 3, 2012 4:53 pm
Subject: صباحكم أجمل/ من أرطاس إلى العبيدية.. جمال لا يوصف (الحلقة السابعة)
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 



صباحكم أجمل/ من أرطاس إلى العبيدية.. جمال لا يوصف

(الحلقة السابعة)

بقلم: زياد جيوسي

 


 

دير أرطاس بعدسة: زياد جيوسي

 

   ما زالت جولتي في بيت لحم تنقش أثرها في روحي ولا تفارقني، وما زلت أينما ذهبت وتوجهت أشعر بهمساتها تنسكب شلالات من جمال وعشق في أذني، وأشعر بالحوريات الكنعانيات اللواتي نقشن الحكاية كالنسمة الربيعية تمر عليّ، فكل بقعة وكل منطقة ومكان في بيت لحم ترك أثره في الروح، فاتجهنا من برك سليمان إلى الجنة المقفلة بلدة أرطاس، فقد كانت نسمات الجمال فيها تبدأ من برك سليمان، فنزلنا المنحدر الذي يصل إلى البلدة الكنعانية الأصيلة وذات التاريخ العريق، فهي بلدة ذات موقع استراتيجي مميز ومياه عذبة ووفيرة، فكانت عبر التاريخ مطمعاً للغزاة وخصوصاً من يريدون السيطرة على القدس، فمن يريد احتلال القدس كان لا بد أن يبدأ بأرطاس لسيطرتها على التغذية المائية للمدينة المقدسة، ولذا تعرضت عبر تاريخها للمذابح وعرفت بأنها بلدة المذابح السبعة إضافة إلى الجنة المقفلة.

 

 


 

بوابة أرطاس: عدسة: زياد جيوسي

 

   حين بدأنا بالنزول باتجاه الوادي لبلدة أرطاس التي تقع بين جبلين متقابلين، حتى بدأت جنائنها بنثر عبقها وآيات الجمال، فهمست لصديقي خالد الصيفي الذي أدين له بدعوتي الثانية لبيت لحم حين وصلنا بقايا بوابة أرطاس التاريخية: توقف فعدستي وروحي بدأتا بالتمرد كما أطيافي المتمردة، ونزلت من السيارة فوراً وبدأت بتأمل آيات الجمال والخضرة، وبدأت عدستي بالتقاط الصور، وشعرت عندها بأحفاد كنعان والسواعد السمراء الشابة كم ضحت وبذلت لبناء هذه الجماليات، وشعرت بأرواح الحوريات الكنعانيات ترتدي الأثواب المطرزة وتحمل سلال الفواكه وتجول مبتسمة، فهمست بداخلي: لله درك يا مها السقا وبارك الله بجهودك يا حافظة التراث.

 


 

مشهد لجوانب من أرطاس بعدسة: زياد جيوسي

   أكملنا المسير إلى الجسر الحجري التراثي القديم الذي يوصل إلى دير أرطاس، وكان الجو حاراً فتوقف الصديق خالد تحت شجرة في الظل ونزلت من السيارة غير آبه بحرارة الشمس، وكنت أشعر أني أريد التهام كل ما أراه التهاماً ذهنياً، وعدستي لا تتوقف عن التقاط صور الجماليات والتراث والتاريخ، فهذا الدير أقيم في العام 1895م، ويقال إن سيدتنا مريم العذراء اختبأت مع سيدنا المسيح عليه السلام بمنطقة الدير خوفاً عليه، فبني الدير تقديساً وتخليداً للمكان وسيدتنا مريم وسيدنا المسيح، ونلاحظ أن كافة الأديرة التاريخية في منطقة بيت لحم بنيت على كهوف، وهذه الكهوف ارتبطت بحركة سيدتنا مريم وهي تحمل طفلها سيدنا المسيح رسول السلام وتجول به لحمايته.

 


 منظر عام لأرطاس: عدسة زياد جيوسي

   وأرطاس بجذورها بلدة من بلدات كنعان، وتشير بعض المصادر إلى أنها تأتي بعد مدينة أريحا بنشأتها، وتوالى عليها الرومان وغيرهم، ففي تلك المراحل التاريخية كان وجود الماء هو الأساس لنشوء البلدات والممالك، وتحتضن القرية أربعة عيون للماء: عين عطاف، وعين الفروجة، وعين صالح، وعين البرك، وهذه العيون تلتقي بمياه (برك سليمان) وتجري بأراضيها في قناة واحدة إلى أن تصل بيت لحم فالقدس، حيث تمتعت قرية أرطاس بأهمية خاصة لكونها تضم في أراضيها نظاماً مائياً فريداً من نوعه، كان يزود مدينة القدس بالمياه في الفترة الرومانية حتى مطلع القرن العشرين، فبعد أن انتقلت القدس إلى موقعها الجديد فوق الهضبة القائمة عليها تقريباً الآن تم إنشاء نظام مائي بالفترة الرومانية المبكرة في وادي أرطاس، لتزويدها بالمياه عبر قنوات مائية، اهتمت العهود التي تتابعت على فلسطين بترميمها وحمايتها، وهذه العيون جعلت (أرطاس) جنة خضراء تكثر فيها البساتين.

   واسمها الحالي مستمد من أصل لاتيني يوناني وهو (Artasium) وترجمته الجنة أو البستان الشبيه بالجنة في الأذهان، بينما عرفت في فترة الاحتلال الصليبي بإسم (Hortusa Conclusu)، ومعناه الجنة المقفلة، وذلك لطبيعة موقعها بين الجبال وخصب أراضيها وينابيع الماء، بشكل جعلها كجنة مختلفة عما يحيط بها من مناطق أخرى.

 


 

الدير وأرطاس وعدسة: زياد جيوسي

 

   في أرطاس معالم تاريخية كثيرة، وكل منها يرتبط بفترة من فترات تاريخ أرطاس، فهناك برك سليمان التي تحدثت عنها في الحلقة السابقة، وهناك المسجد العمري الذي ارتبط بدخول الجيوش الاسلامية بقيادة عمرو بن العاص، ومرور الخليفة عمر بن الخطاب في بيت لحم، وإن كان من الصعب تحديد تاريخ البناء بدقة بسبب هدم المسجد القديم وبناء آخر مكانه، إضافة إلى وجود آثار كثيرة منها البرك التي ارتبطت بروايات وقصص مثل بركة (المرجيع) والتي يقال إن سيدنا يوسف ضاع ووجده إخوته هناك فأرجعوه معهم، كما توجد لوحات وآثار لوجود طواحين الغلال العاملة بقوة الماء في أرطاس أيضاً، إضافة إلى أن الكثير من تلال وكهوف ووديان أرطاس ما زالت تحمل اسم القادة الذين مروا بها عبر التاريخ،  وتتحدث المصادر التاريخية أن أرطاس والتي سيطرت على طرق التجارة بين الخليل والقدس، عرفت باسم رأس عرقوب نسبة لقرى العرقوب التي بلغ عددها 24 قرية في المنطقة، وشهدت ازدهاراً كبيراً في الفترة المملوكية كونها كانت معفاة من الضرائب مقابل حماية مصادر المياه لبيت المقدس، ما أوجد فيها زعامات متعاقبة وآثار بقايا لقاعة محكمة وسجن معروف الآن باسم (الحبس) يتوسط القرية شرقي الجامع، وفي الفترة العثمانية تركت آثار ترميم برك سليمان وبناء قلعة مراد لحماية مصادر المياه وضمان وصولها إلى بيت المقدس، وفي بداية القرن الماضي غيرت الحكومة العثمانية قناة الماء من فخارية إلى معدنية تحت إشراف مهندس يوناني، وفي وسط القرية ما زالت معالم لكنيسة بنيت في عهد الإحتلال الصليبي في الجهة المقابلة للمسجد موجودة.

   وتحيط بأرطاس العديد من الخرب التي تحمل أثاراً تتحدث عن تاريخ أرطاس العابق بالجمال منذ أبدع الكنعانيون باختيار المكان، مثل خربة الخوخ وبصة والعليا والبيرة، وهذه الخرب يوجد بها آثار بيوت مهدمة وآثار وأرضيات من الفسيفساء وأحواض ومدافن منقورة بالصخر وصهاريج مياه، إضافة إلى آثار دير البنات الذي دمر في القرن الخامس الميلادي أثناء الاضطرابات التي سادت المنطقة.

 


 

من قنوات الماء في أرطاس: عدسة: زياد جيوسي

 

   وتشتهر أرطاس حالياً بمهرجان الخس السنوي، وهو من أهم المهرجانات التي تبرز تاريخ وخصب وتراث أرطاس والمنطقة، وعرف عن أرطاس أنها كانت معشوقة للأوربيين في المرحلة الماضية، فشكلت نقطة جذب للمستشرقين والبعثات التبشيرية، فدون الكثير منهم تاريخها بالكتابة والصور وتراثها ونباتاتها وحكاياتها الشعبية، وتغزل بها شعراء من إيطاليا وسكنها الأمير هنري ابن الملكة فكتوريا وأشترى بها ارضاً إلى العام 1850، اضافة إلى بيتر ميشولام وهنري بالدنسبيرغر وشقيقته لويزا، وهنري هو صاحب كتاب صاحب كتاب (الشرق الذي لا يتزحزح) الذي نشره في العام 1913، وتحدث فيه عن أرطاس بشغف وحب، إضافة إلى علماء من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا وأدخلوا لها مزروعات جديدة، ولعل أهمهم على الإطلاق دكتورة من فنلندا اسمها هيلما غرانكفست، والتي سكنت أرطاس عدة سنوات وعرفت باسم (حليمة) وأطلق عليها لقب (درويشة أرطاس المتيمة)، وقد أتقنت العربية بلهجة أهل البلدة، وكتبت خمسة كتب عن أبناء الوطن الفلسطيني، وقد حاولت باحثة بريطانية استكمال أبحاثها في سبعينات القرن الماضي.

 


 

دير أرطاس، عدسة: زياد جيوسي

 

  كان الوقت يدهمنا بعد هذه الجولة الطويلة، فكان لا بد من اختصار الزيارة قليلاً لنتمكن من الوصول إلى دير مار سابا في العبيدية، فاكتفيت بهذه الجولة السريعة في البلدة ما بين قديمها وحديثها، وخصوصاً أن أرطاس تحتاج إلى وقت أطول للتجوال وتنسيق مسبق مع أحد أبناء البلدة الذي يعرفون خباياها والجماليات المستورة فيها، فوعدت نفسي بزيارة أخرى لأكمل ما بدأت.. وبدأت المسير برفقة صديقي خالد الصيفي باتجاه بلدة العبيدية حيث كان ينتظرني منذ وقت مبكر الأستاذ الفاضل محمد الردايدة (أبو وائل)، وولده الشاب وائل الذي أصر بكل ما عرفته من إصرار أن يستقبلنا في العبيدية وأن يكون مع والده الفاضل رفاق التجوال في منطقة دير(مار سابا) والعبيدية، والذي سيكون مجال الحديث في الحلقة القادمة من بوح المحبة لبيت لحم بأهلها وناسها والأمكنة والدروب.

    صباح آخر من صباحات رام الله العشق والجمال، نسمات الصباح كانت فيها حارة قليلا، ولكنها لم تمنعني من معانقة رام الله ومراقصتها مع أول خيوط الشمس، فتنشقت عبق الياسمين وعدت لصومعتي قبل أن أذهب لعملي الوظيفي، فاحتسيت القهوة بجوار حوض النعناع، وبدأت أكتب بعد توقف طال عن سلسلة (صباحكم أجمل (بسبب الوضع الصحي الذي مررت به، والسفر والغياب من أجل العلاج، فيشدني الشوق إلى بيت لحم، ومع شدو فيروز يزداد الشوق وهي تشدو:

(أنت لي أحلى أماني وأحلام شبابي

أنت لي شوق البوادي المنسيات العذاب

أنت لي عمر الندى في الربيع المزهر

أنت لي فيض الهناء وصفاء المنهل)

فاشتعل شوقاً وأهمس للحمامة البيضاء الراقدة بين الورود على نافذتي: أبلغي بيت لحم محبتي وأشواق تتراكم في الطرقات، ووعد بزيارة أخرى.. وأبلغي كل قرائي: صباحكم أجمل..

(رام الله 10/5/2012)



 


7 of 7 Photo(s)

#204 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Jul 4, 2012 5:35 pm
Subject: عودة الطيور المهاجرة بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

عودة الطيور المهاجرة

 

بقلم: زياد جيوسي

 

   كنان الربيعي، الفنانة الشابة التي عادت إلى الوطن من الشتات طفلة، وغادرت رام الله في عمر مبكر إلى غزة، ومنها إلى القاهرة بعد الأحداث التي اجتاحت غزة والانقسام والصراع الداخلي، بقيت رام الله تسكنها، وبقي الوطن يرافقها في حلها وترحالها، وما زلت أذكر أسئلتها لي حين زرت القاهرة في بدايات العام 2009 عن رام الله، وما جد عليها عبر سنوات غيابها عنها، كانت تطلب أدق التفاصيل، وتسأل عن كل شارع مرت به.

   هذا الحنين الذي كان يسكن روح الفنانة ولازمها، أبدعت التعبير عنه من خلال الريشة واللوحة، وحين عادت إلى رام الله مع والدتها كان همها الأول أن تقدم روحها من خلال معرض شخصي لها، فكانت (عودة الطيور المهاجرة) لتعبر بها عن عودتها إلى الوطن، لوحة حملت في ثناياها الفكرة، واسم للمعرض تميز بالتعبير عن الحالة التي عاشتها في الغربة، وتحليق كما تحلق الطيور في فضاء الوطن ورام الله.

   ثمان وعشرين لوحة كان معرض عودة الطيور المهاجرة، وحقيقة شعرت أثناء تجوالي أن المعرض كان يجب أن يكون أكثر من معرض واحد، حسب طبيعة المواضيع المتناولة وحسب الأساليب الفنية المختلفة، ويمكننا تقسيم المعرض إلى ثلاثة أقسام حسب اللوحات والأسلوب المتبع في الرسم والإبداع.

 


 


  القسم الأول: وهو مكون من سبع لوحات اعتمدت الحبر الصيني في ثلاث لوحات منها، ويلاحظ في هذه اللوحات أن المرأة كانت لب الموضوع، وكانت من هذه اللوحات اثنتان تعتمد على تخطيط عبارات مرتبطة بالمناسبات على شكل جسد لامرأة، بينما الثالثة كانت لوحة لصورة اشتهرت لامرأة فلسطينية تحتضن شجرة الزيتون التي قطعها الاحتلال وتبكي بحرقة، وكأنها تبكي أحد أبنائها، وفي لوحتين أخريين اعتمدت فيهما الألوان الزيتية (الجواش) ظهر وجه المرأة واضح الملامح، وفيهما رأيت ملامح واضحة لوجه والدة الفنانة، ما يشير بوضوح إلى مدى ارتباطها بأمها من ناحية، وبمدى اعتبار أمها رمزاً للمرأة والحلم في أعمالها الفنية، واللوحة التي حملت اسم هاجس العودة أظهرت كم أن هذا الهاجس يدور في روح الأم، ممثلة كل أم فلسطينية، وهذه اللوحة حملت رمزاً إضافة إلى الوجوه وهو الحمامة البيضاء للحلم بالعودة والسلام للروح بعد طول الغياب، بينما كانت هناك لوحة حملت اسم تأمل، وكانت متميزة جداً وحملت الملامح لوجه امرأة إفريقية وإن كانت طبيعة الشعر آسيوية، وقد اعتمدت بداخل اللوحة الخطوط المستقيمة والمنكسرة، وكانت خلفية اللوحة تثير فعلاً أجواء التأمل، بينما عبرت في لوحة أخرى عن الخوف حيث ظهرت امرأة تحضن فتاة خائفة، وفي زاوية اللوحة ظهر وجه الأم وكأنها الشمس التي تتدخل لتخفف من خوف معاش، وهذه اللوحة تميزت باللون والتعبير والملامح.

 


 

القسم الثاني: فن الملصق والمناسبة، وكان من ثلاث لوحات إحداها عن أسيرين والثانية عبارة جميلة مخططة، والثالثة عبارة عن شجرة اعتمدت اللون الأحمر على خلفية صفراء فاقعة، وكأنها ترمز لشجر الوطن الذي ارتوى بالدم ويحلم بإشراق الشمس، وهذه اللوحات الثلاث مع القسم الأول من اللوحات الذي أشرت إليه أعلاه، كان من الممكن أن تشكل معرضاً منفرداً، لترابط الموضوعات فيها.

 


 

القسم الثالث: فن تشكيلي، وكان مكوناً من ثماني عشرة لوحة تشكل معرضاً متكاملاً، فكانت اللوحات تمثل رواية المنفى القسري، فمن لوحة الطيور المهاجرة التي منحت المعرض اسمه، وظهرت فيها الطيور بألوان حرة ما بين الأصفر والأخضر والبرتقالي، وتحلق في سماء نقية وتتجه باتجاه يمين اللوحة والذي رأيته تجاه الوطن من مصر، ترف برأس امرأة كانت ملامح الوجه فيه نفس الملامح في القسم الأول، وتحمل سمات من ملامح الأم تنظر وتتأمل العودة، وصولاً إلى لوحة الخيول التي مثلت قطيعاً كاملاً من الخيول بألوان حرة أيضاً وتتجه راكضة تجاه يمين اللوحة أيضاً لتؤكد الفكرة السابقة، ولوحة الحصان الأبيض الذي ينظر للقدس، حتى نصل إلى لوحات أمل والتي كانت متميزة بجمالها، ولوحات قمر بلادي وغزة وبركان الحرية وصولاً إلى لوحة مدينة حيث تتمازج الشخوص بالمكان، ولوحة بركان الحرية والتي ترى من خلالها فكرة الثورة والحرية، حتى لوحة موسيقى حيث السكينة والهدوء، فمروراً في هذه اللوحات واللوحات الأخرى نجد الحكاية التي تبدأ بالحلم، وتمر بمراحل الوصول إلى الوطن حتى الوصول إلى بركان يتفجر من أجل الحرية من خلال تمازج الشخوص بالمكان واندماجهم فيه، للوصول إلى الراحة والسلام.

   نلاحظ أن الفنانة اعتمدت الوضوح المباشر في بعض اللوحات، واعتمدت الرمزية ما بين المغرقة بالرمز والمباشرة في لوحاتها، ونجد أن الطيور مثلت مساحة جيدة في رمزيتها، فالطيور من المعروف عنها هجرتها تحت تأثير التغيرات المناخية، وهي هجرة قسرية، بينما البشر يهجرون تحت تأثير الحروب والاحتلال، والطيور تبقى تستعد للعودة كما البشر يحلمون، كما أن الفنانة اعتمدت رمزية الخيول في لوحاتها كثيراً، والخيول لها ارتباط كبير في الوجدان العربي بما ترمز به للقوة والنقاء، إضافة إلى استخدام الألوان الحرة حيناً في بعض اللوحات، وصولاً إلى الألوان الحارة والمتمازجة في لوحات أخرى، وهذا شكل انعكاساً للحالات النفسية التي كانت تمر بها الفنانة وتعكسها على لوحاتها.

   كما نلاحظ أن الفنانة استخدمت وسائل متعددة في معرضها، فاستخدمت الحبر الصيني والـ (جواش) والـ (أكريلك) سريع الجفاف، إضافة إلى الألوان الزيتية، وكانت القاعدة الورقية هي الغالبة على أعمالها مقارنة بعدد اللوحات التي شكل القماش الأرضية لها، وهنا لا بد من ملاحظة أن الورق كقاعدة والـ (جواش)، لا يعطي اللوحات عمراً طويلاً بسبب تكسر اللون بعد فترة زمنية، وهذا يؤثر على القاعدة المستخدمة، بعكس الألوان الزيتية على القماش التي تعمر فترات زمنية أطول، إضافة إلى استخدام اللون البارز في بعض اللوحات وهذا منح تلك اللوحات جمالاً خاصاً، ومن جانب آخر لا بد أن أشير إلى أن المعرض كان بحاجة لتنسيق أفضل في ترتيب اللوحات للعرض.

   نهاية لا بد أن أقول أن المعرض كان معبراً وجيداً، وتجربة متميزة للفنانة في معرضها الشخصي الثاني، وتشد القارئ للوحات والمشاهد أن يحلق في أفقها عالياً، ليقرأ ما أبدعته الفنانة الشابة بالريشة واللوحة، من الاغتراب والهجرة القسرية مروراً بالحلم والعودة واستمرار الحلم نحو صباح أجمل للوطن والإنسان.

(رام الله 6/5/2012)

  


 

2 of 2 Photo(s)

#205 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sun Jul 15, 2012 3:31 pm
Subject: دعوة لكم جميعا: حفل توقيع (ضفتي الثالثة) للكاتبة سهير مقدادي في دار الشروق- رام الله - الأربعاء 18/7/2012 في السابعة مساء
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 
#206 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Mon Sep 3, 2012 7:30 pm
Subject: مواسم للأمل والشاعرة سندس أبو دعموس
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

 

مواسم للأمل والشاعرة سندس أبو دعموس
همسات وعدسة: زياد جيوسي

 



 

في الغربة..

أحن إلى أحلامي المخبأة في ثنايا وسادتي

وأخاف أن أتذكر الأماكن لأنها مفقودة

أخاف الذكريات لأنها ثمينة

والغربة تخطف رونقها

وتلتهم الوقت..

   هكذا شدت سندس بصوتها السندسي الناعم، في حفل ولقاء توقيع كتابها ومجموعتها الأولى (مواسم للأمل)، في ريدرز كوزمو في الدوار السابع لمدينة عمان، ولعله من حسن الحظ أني تواجدت في عمان في نفس الفترة، فأتيح لي أن احضر هذه الأمسية الجميلة والأنيقة، وأن ألتقي الشاعرة الشابة سندس ابو دعموس لأول مرة، بعد ان عرفتها من خلال همسات روحها واشعارها ووجدانياتها، فقد تابعت مسيرتها عبر ما تكتب على الشبكة العنكبوتية، وما أتيح لي وأنا في رام الله أن أقرأه لها في صحف أردنية، وما استمعت له من شدوها عبر تسجيلات صوتية وصورية في شبكات تسجيلات الصوت والصورة، فلفتت نظري كثيرا، واثارت في روحي الفضول لأعرفها بلقاء لها عن قرب، واستمع لها مباشرة بدون وسائط الشبكة العنكبوتية.

   كانت أمسيتها مختلفة في الشكل والموضوع عما اعتدته من حفلات التوقيع، وأنا الذي قدم وشارك في عشرات حفلات التوقيع، فهنا لا عريف للحفل، ولا قراءة نقدية، ولا خطابات مجاملة، ولكن لقاء اشبه بلقاء الاسرة الواحدة ولقاء الأصدقاء، فاستمعنا الى كلمة شكر من الشاعرة من بوح الروح وبدون كلمات معدة مسبقا، وشدت لنا من ديوانها بعض من أشعارها، فكان صوتها الناعم بالكاد مسموعا لنا، ففرضت علينا الصمت المطبق، وفرضنا عليها استخدام المذياع لنتمكن من سماع صوتها الناعم:

هل لي أن أقترضك من حلمي لبرهة ؟!
أود أن أتلو عليك كيف أحبك !

لا أحبك نقطة أو فاصلة ..
أحبك أول حرف على السطر

لتبدأ بك الحكاية...

  وواصلتنا لشاعرة الرقيقة بهمسات من (طعنة) فهمست:

تتقن الطعن ..
كم أنت مؤلم .. قلبي يحتضر
يكاد يرفع راية بيضاء و يستسلم ..

معك بنيت قصورا بالهواء
و أحلامي تسابقت حتى السماء ..
و عشق الحب اسمه ..

وجلنا معها في غربتها و(غربة):

غربتي ..
ذكريات كلما ارتعشت داخلي
تنبت براعمي كأول الربيع
و تجيب سؤال أو تسأل ..
لأتكور داخلي و أعد خسائري المحلقة فوق رأسي
لأستيقظ صباحا منتظرة انتهاء اليوم ..
باحثة عن نكهة القهوة
أنا الغريبة ألتقط البرد قبل أوانه
يترجل الحب أمامي و أتهيأ لنسيانه ..

  فكان التحليق في فضاء الشاعرة، ما بين قراءات من المجموعة القادمة، وما بين قراءات من (مواسم للأمل)، وحوارات مع الشاعرة، وبين جمهور جميل غلب عليه الحضور الأنثوي، أمضينا ثلاثة ساعات لم نشعر بها، فكانت أمسية مميزة ولقاءات جميلة، أسعدني بها أن التقي مع عدد من الأصدقاء والصديقات الذين لم ألتقيهم منذ زمن، فصافحت الشاعرة سندس قبل أن أغادر وهمست لها: مباركة روحك أيتها الشابة الألقة، من قلبي أهنئك..

  عمّان 3/9/2012) )

 

 

2 of 2 Photo(s)

#207 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Oct 11, 2012 5:07 am
Subject: صباحكم أجمل/ يا زهر الرمان.. بقلم وعدسة: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ يا زهر الرمان..

بقلم وعدسة: زياد جيوسي

 


 

   كانت دعوة لطيفة من العزيز باسيل العابودي لحضور افتتاح مهرجان الرمان في قرية عين عريك يومي 27و28/9/2012، وفي الآونة الأخيرة اهتمت الكثير من البلدات الفلسطينية التي تشتهر بصنف معين من المحصول الزراعي بإقامة مهرجانات تحمل اسم هذا المنتوج، ولعل في ذاكرتي أنني حين عدت إلى الوطن بعد غياب قسري بسبب الاحتلال قارب على الـ 30 عاماً، أن أول مهرجان حضرته كان مهرجان المشمش في بلدة جفنا، لتتالى بعدها مهرجانات كثيرة بعضها حضرته، وبعضها لم أتمكن من حضوره لأسباب شتى، ولعل صعوبة المواصلات أحد أهم الأسباب، فكان مهرجان التين في بلدة تل، ومهرجان الخس في بلدة أرطاس، ومهرجان الجوافة في مدينة قلقيلية، وغيرها من المهرجانات.

 


 

   قرية عين عريك ترتبط في ذاكرتي منذ الطفولة، فهي قريبة من رام الله، وقبل العام 1967 وأثناء دراستي في بيتونيا، كانت الطريق المعبدة تمر من طرف المفرق المؤدي إلى البلدة وكان يحمل وما يزال اسمها، فما زال الكل يسميه: (مفرق عين عريك)، وإن كانت الطريق للبلدة في تلك الفترة غير معبدة، وما زلت أذكر أن أقرباء لوالدتي رحمها الله كانوا من سكان مخيم اللاجئين في البلدة، ولا أنسى العم (أبو سليم) الكهل الكفيف، الذي كان يأتي من عين عريك يومياً إلى باب مدرستنا الإعدادية في تلك الفترة، مدرسة ذكور بيتونيا، وكان يبيع الترمس في الصيف والحمص المسلوق (البليلة) في الشتاء، ولا أعرف إن كان من أبناء البلدة أم من أبناء المخيم، لكن ذكراه لم تفارق مخيلتي كرجل مواظب رغم عمره ورغم أنه كفيف، فلا يغيب يوماً عنا، نشتري منه ويلاطفنا جميعاً برقة وحنان.

   بلدة عين عريك قديمة بحكم وجود عيون المياه فيها، وإن كانت المعلومات عن تاريخها قليلة، وإن كان مثبتاً أن الصليبيين قد سموها (بيت عريك)، وهي محاطة بالعديد من الخرائب الأثرية مثل خربة كفر شيان، وخربة دوبين، وخربة الحافي.

   عرفت القرية عبر تاريخها بالتعايش الجميل بين أبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية، فكان التكافل الاجتماعي فيها أنموذجاً كان ولم يزل، بغض النظر عن الدين، فالكل ينتمي للبلدة ويحبها، وتمازج دم الشهداء منها في سبيل الوطن مسلمون ومسيحيون.

   الطريق المعبدة والواسعة لقرية عين عريك جميلة رغم أنها لا تتجاوز سبعة كيلومترات عن مفرقها في بيتونيا، فهي تقريباً محاطة بالأشجار والتلال الجميلة، والقرية تعتبر ممراً للقرى التي تليها، ورغم ذلك أستغرب أنها لم تجد العناية الكافية والاهتمام الكافي لتحويلها إلى بلدة جذب سياحي، وأذكر أن مطعماً جميلا أفتتح في مدخلها اجتذب الزوار، ولكن منطقة الوادي أهملت كثيراً، ولعل دور الاحتلال الذي يصنف الوادي أراضي تصنيف (ج)، حدّ من إمكانات استغلالها بدون إقرار وموافقة من الاحتلال، والحصول على الموافقات من محتل يسعى لتفريغ الأرض من سكانها ليس بالسهل.

 


 

   مبادرة الشباب لأول مرة بإقامة هذا المهرجان كانت فكرة ممتازة، فلعلها تتمكن من جذب الأنظار لهذه البلدة شبه المنسية، وكون عين عريك اشتهرت عبر تاريخها بفاكهة الرمان، وكانت تزرع بأنواعها المختلفة العادي والحامض والحلو جداً (العسيلي)، وكانت عصب الاقتصاد لسكان البلدة، فكانوا يحملون الفاكهة على ظهور الدواب والحمير، وينقلونها إلى أسواق القدس واللد والرملة، وفاكهة الرمان معروفة بفوائدها الصحية، كما يستفاد من قشرتها في العلاج ودباغة الجلود، ويصنع من أنواعها الشراب ودبس الرمان.

   هو المهرجان الأول والتجربة الأولى، لكنها ورغم كل الملاحظات كانت فكرة جميلة ومهمة، والمفترض أن يجري تطويرها ليصبح المهرجان نقطة جاذبة في كل عام، وتصبح عين عريك نقطة جذب سياحي طوال العام، وحقيقة أن الأكشاك في المهرجان رغم قلتها إلا أن المعروضات والأشغال اليدوية كانت جميلة ومميزة، ولفت نظري المشاركات من أكثر من جهة، فقد لفت نظري منتوجات التراث لكل من مؤسسات: أسامينا والتي عرضت منمنمات فنية متميزة تحمل عبق التراث، وكنعانيات التي عرضت منتوجات فنية من خشب الزيتون وحلي وأزياء شعبية، وأناقتي التي عرضت أزياء تمازج التراثي بالحديث، وأيام زمان التي عرض فيها منتوجات شعبية وتراثية مثل أثواب مطرزة وأطباق القش.

 


 

  وقد سجلت بعض الملاحظات التي آمل الاهتمام بها في المهرجانات القادمة، فمن المدخل للمهرجان كان يجب أن تعلق ثمار الرمان على البوابة والأسوار، فهو مهرجان يحمل اسم الرمان فلا يجوز أن يكون الرمان غائباً، وكان المفترض أن يكون هناك أكثر من كشك لبيع وعصير الرمان، فالكشك الوحيد غير كاف، والعصارة اليتيمة غير كافية، وكان المفترض أن يتم التنبيه إلى ضرورة لبس القفازات لمن يتولى العصير، وكان سيكون جميلاً لو كان هناك كشك يعرض ويبيع منتوجات الرمان كدبس الرمان وغيره، ومضافاً إلى ذلك وهي ملاحظة طاغية على كل المهرجانات الثقافية والفنية في وطننا، هي تعداد الكلمات التي يلقيها الحضور الممثلين لمؤسسات مختلفة حكومية وبلدية وغيرها، والمتحدثون لا يراعون الحضور بشكل عام في وقتهم، فيأخرون الفعاليات الفنية والتي تمثل نقطة الجذب الأساسية للحضور، ويستطردون بالحديث في قضايا كثيرة معظمها قد ملّها الناس بالتلفاز والصحف والمناسبات، وأكرر دعوتي التي سبق أن تمنيتها بأكثر من مناسبة: اقتصروا المتحدثين على ثلاثة، وليكن الوقت محدداً..

 


  

صباح آخر من صباحات رام الله، أستعد فيه للذهاب إلى طولكرم بعد تعطل ذهابي بالأمس من أجل حضور المهرجان، أنظر من نافذة صومعتي وأتنشق هواء رام الله قبل أن تلوثه السيارات، أضع الحبوب والماء لزغلول الحمام الذي فقس بجوار حوض النعناع، ألتقط له صورة بعدستي ككل صباح، فقد بدأ يكبر ويستعد للطيران، وأستعيد ذكرى رحلة لا تنسى لزيارة مهرجان الرمان في قرية عين عريك برفقة صديق رائع وزوجته، ورغم أن وقتي كان محصوراً جداً في الزيارة، إلا أني تمتعت جداً بالمهرجان، والتقيت العديد من الأحبة والأصدقاء هناك، وخرجت وأنا اأردد شعار المهرجان المأخوذ من كلمات سميح شقير: (يا زهر الرمان.. آن أوانك آن)، وأستمع في هذا الصباح وطيفي الذي لا يفارقني مع فنجان قهوتنا لشدو فيروز وهي تشدو مع النسمات الأيلولية الناعمة: (ورقو الأصفر شهر أيلول، تحت الشبابيك ذكرني وورقو دهب مشغول، ذكرني فيك.. رجع أيلول وأنت بعيد بغيمة حزينة، قمرها وحيد بيصير يبكيني ... شتا أيلول) ..

فأهمس مع النسمات الأيلولية الناعمة: صباحكم أجمل أحبتي وزهر رمان.

(رام الله 28/9/2012)


 

5 of 5 Photo(s)

1 of 1 File(s)


#208 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sun Nov 11, 2012 6:59 am
Subject: مساء الخير يا شارقة همسات وعدسة: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

مساء الخير يا شارقة

همسات وعدسة: زياد جيوسي






   عصر الأربعاء السابع من تشرين الثاني كنت أصل مطار دبي الدولي، مدعوا لحضور معرض الشارقة الدولي، هي المرة الأولى في حياتي التي أزور بها دولة الامارات المتحدة، ومن خلال الأصدقاء كنت أسمع االكثير عن الشارقة وجمالياتها، وفي لحظة وصولنا المطار حيث ترافقنا الشاعر جهاد أبو حشيش مدير دار فضاءات الرحلة، وكان المفترض أن ترافقني الرحلة أيضا زوجتي ختام، لكن خلل فني مفاجئ أجل سفرها لليوم التالي الخميس.

  كان بانتظارنا في المطار الروائي السوداني الرائع صديقي أسامة رقيعة، الذي كان قد تولى ترتيبات الدعوة والزيارة بالكامل، فهذا الرائع أدبا وخلقا صديق متميز بروحه وحروفه، اضافة لابتسامته المشرقة دوما وعشقه لكل جميل،  ليأخذنا من المطار لنتجه الى بيت أبنائي وأصدقائي الرائعين الروائي عبد الله مكسور والباحثة رفقة شقور، فهمست لأسامة: الشارقة تعنى الشمس المشرقة عبر تسميتها التاريخية، لكني أعتقد أن من أطلقوا هذا الاسم عليها كانوا يستشرفون المستقبل وتوقعوا وجودك فيها مع ابتسامتك المشرقة.

 


 

 من مطار دبي الى الشارقة حيث بيت مضيفيني عبد الله ورفقة، وبعد أن احتسينا القهوة استأذن أسامة وجهاد بالذهاب، فتغدينا وارتحت قليلا قبل أن نذهب لمعرض الشارقة الدولي للكتاب سويا، ومن شرفة البيت على الطابق الخامس عشر، كنت انظر للمشهد أمامي، فكانت هذه اللقطات الثمانية الأولى من رحلتي للإمارات ستليها صور عديدة للمعرض والزيارة.




    الشارقة تعنى الشمس المشرقة وحسبما سمعت  أن اصل الاسم يعود لمرحلة تاريخية في مرحلة ما قبل الديانات السماوية، حين كانت تعبد الآلهة الوضعية فكان اسم أحد الآلهة (شارجة)، ويرجع تاريخها إلى ما يزيد عن خمسة الآف سنة، وهناك خريطة رسمها الجغرافي اليوناني بطليموس في بدايات القرن الثاني قبل الميلاد، وفيها اشارات لاستيطان أحد القبائل فيها، وفي عام 1490 ذكرت الشارقة في سجلات البحار الشهير أحمد بن ماجد حيث أبحر في مياه الخليج العربي.

   للشارقة حديث آخر وجمال سيكون مجال لمقالاتي القادمة بعد استكمال تجوالي فيها، آملا أن يتاح لي ذلك رغم انشغالي في معرض الكتاب.

(الشارقة 8/11/2012)

 




3 of 3 Photo(s)

#209 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Tue Nov 13, 2012 7:15 am
Subject: أيام في "بابا عمرو" رواية للكاتب: عبد الله المكسور بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

 

أيام في "بابا عمرو"

رواية للكاتب: عبد الله المكسور

بقلم: زياد جيوسي




   ليست الرواية الأولى التي أخوض غمارها للكاتب السوري الشاب عبد الله المكسور، وربما لحسن الحظ أننا قد ارتبطنا بصداقة قوية رغم المسافات ما أتاح لي الاطلاع على رواياته وهي ما زالت مخطوطات قبل أن تنشر، ومتعة التفرد بالقراءة لمخطوط أشعر بها متعة تتفوق على القراءة بعد الطباعة والنشر.

   في هذه الرواية والتي صدرت عن دار فضاءات – الأردن، وكالعادة أول ما يلفت نظري العنوان، وهنا شعرت أن العنوان أثارني لقراءة الرواية بسرعة، فالمكان في سوريا- حمص، وشهد المكان أحداثاً كثيرة وما زال في ظل الأحداث التي تشهدها سوريا منذ آذار 2012، والتي تفجرت وامتدت بشكل كبير وأدت إلى سقوط آلاف الضحايا من الدم السوري العربي الزكي، وكنت بحاجة لقراءة الأحداث بعيداً عن زيف الإعلام، والمسألة الأخرى التي شدتني هو الإهداء: (إلى حبات التراب المشكلة لاسمها الممتد عبر حروف خمسة.. إلى.. سوريا.. الوطن والأم..). ولعل كلمتي (حروف خمسة) قد لفتت نظري كثيراً، فأنا في كتابين من مؤلفاتي كان الإهداء فيها (لحروفي الخمسة)، ما دفعني للتساؤل في داخلي: هل كانت سوريا في عقلي الباطن حين أهديت مؤلفاتي لحروفي الخمسة؟

   الرواية اعتمدت أسلوب استدراك الذاكرة من الشوق في الاغتراب عن الوطن، وتبدأ عملية الاستدراك من لحظة الوقوف للنافذة والهمس: اشتقتك سوريا، لينطلق بطل الرواية في طرح السؤال الذي شكل البداية للرواية حين يتساءل: لماذا قلت اشتقتك ولم أقل أحبك سوريا؟ لينطلق لتذكر ابنة العم وهواه الأموي الطويل، وقصة البوح بالهوى العام 2003، وزيارته الأخيرة للوطن ومدى إحساسه بالغربة الذي دفعه للعودة (كالغيم الذي يسافر في كل البلاد ثم يعود)، فهو في الغربة يلجأ للكتابة وللصمت وتنتابه كراهية التكنولوجيا فيبتعد حتى عن بريده الإلكتروني، لاجئاً للذاكرة والشخوص الذين عرفهم، فيتذكر ناجي الزواوي الذي هرب من مدينة حماة في فترة الأحداث التي ألمت بها منذ أعوام طويلة، حتى أصبحت عنده (رغبة عارمة في كسر الآخرين) من خلال اصطحاب نساء (الأسواق والبارات والحانات)، (كما كسروا أهله في زمن مضى).

   يواصل بطل الرواية استدراك الذاكرة والأحداث التي تركت أثرها عليه، ومنها زيارته للجولان المحرر وهو في السابعة عشرة من عمره، فيقول: (لم أجد فرقاً بين وطني المحتل وبين وطني المحرر)، ويستذكر شخوصاً أعدمت في وطنه إما لمحاولة انقلابية أو لأسباب أخرى لها علاقة بالوطن، ويستذكر أنه لم يختر الكتابة الأدبية والروائية لولا تأثير زوجته (رفقة) على هذا المسار، فيقرر في لحظة تحقيق حلم له أن يزور سوريا كي يعد لتصوير أفلام وثائقية عن الأحداث، فيتجه إلى عمان عاصمة الأردن حيث يشعر هناك بالرعشة، فهو أصبح أكثر قرباً من الشام، (فهل قدر الشام أن تسافر معنا نحن أبناءها في كل المطارات وفي كل الحقائب وفي كل جوازات السفر؟)، وهو يرى أن الحدود العربية والمطارات تتشابه بالأسئلة وأسلوب التعامل مع القادمين إليها.

   الأمكنة والمدن حاضرة بقوة في ذاكرة بطل الرواية كما الأشخاص، فهناك زياد الكاتب والمرتبط بفلسطين إلى درجة العشق، والمستضاف سنوات من زهرة شبابه في المعتقلات العربية، وجهاد الشاعر والناشر في عمّان والحالم ببناء صرح من الثقافة يتجاوز الحدود، حيث (دائماً في عمّان هناك مساحة برغم كل شيء للأدب والشعر)، فيعيد المكان ذكرى المكان والأمكنة الأخرى، بغداد وحماة والعاصي وغيرها من الأماكن، وهذا يدفع بطل الرواية للتساؤل: (أتساءل لماذا مدننا العربية بالمجمل نختصرها بأسماء ملوكها أو أسيادها الذي رحلوا أو الحاضرين.. هل مدننا لا تستحق أن تكون مستقلة بذاتها فهي دوماً على عصمة رجل، ولا يجوز لها أن تحضر مفردة دون محرم!!). ويكمل الحديث عن المكان ورائحته فيقول: (لكل مدينة رائحتها المميزة التي يختزلها زائرها في جيوبه الأنفية، لا يستطيع تشبيهها بشيء عندما يود الحديث لأحد عنها ولا يستطيع وصفها رغم محاولاته المتلعثمة فيكتفي بالقول: (رائحة غريبة لا أعلم مثل ماذا ولكنها مميزة ولا تشبه إلا ذاتها، يستحضرها في أنفه وخلاياه ولكنه لا يجدها بين يديه عندما يطلبها فيغمض عينيه لتعود تسبح في قلب المكان الأول. للحاضر في حماه رائحة تميزه عن السوق، ولسوق المنصور أو سوق الطويل رائحة مختلفة تماماً عن جسر المراكب أو جسر السرايا، لباب قبلي رائحة تتفرد بنوعها عن حي الجراجمة والبولمان والسوق المسقوف.. في كل مدينة هناك روائح تعشش كما الذاكرة لتكون جزءاً منها دون أن تزول، في خان الزيت في القدس هناك رائحة، إذا أصغيت وبرغم كل محاولات العابرين من كل مكان لإخفائها لكنها تفوح معلنة حدادها وبقاءها والتزامها الأبدي بعروبة المكان، وقد حدثتني مرة زوجتي رفقة عن سوق البصل في نابلس والخان النابلسي فهناك روائح البهارات والزعتر والسمك والذبائح المتعددة الأسباب، لتسيطر بعد ذلك رائحة الياسمين في نهاية السوق رغم كل شيء، فللرائحة لسان لو سألته يجيب!! في المدن العربية تتشابه الروائح وتتفق الأرصفة مع بعضها بالعطور رخيصة الثمن وأوراق أمهات الكتب!! ولا زلت أذكر رائحة بيت جدتي عائشة رغم كل الأماكن التي مررت بها، ولصومعة زياد رائحة متفردة تشبه تلك النصوص المرتبكة التي تخرج فيها.. فهل الرائحة هوية ومكان!!).

 هذه الاستدراكات من الذاكرة والحديث عن الشخوص والمكان كانت عملياً هي المدخل للرواية التي تبدأ أحداثها المؤلمة وذكر التفاصيل من لحظة دخول الحدود، فدفع الإتاوة جزء من تقاليد الحدود لتسهيل المرور، والرشوة أصبحت تقليداً رسمياً، والتحقيق جزء آخر، فبطل الرواية صحافي، وفي ظل الأحداث فهذه الصفة تعامل بحذر وفي كثير من المواقف تصبح تهمة، وتبدأ المعاناة مع الأسئلة المعتادة من ضباط أمن الحدود (هناك من ينتظر دوماً في الأوطان ليسألك عن سبب عودتك وليس سبب غيابك الطويل، ليسألك عن أولئك خلف الحدود وليس من حقك أن تسأل عمن هم داخل الحدود، وإلا فماذا تعني سايكس بيكو!!) ويبدأ التساؤل الداخلي: (لماذا أوطاننا توقفنا على أبوابها وكأننا متهمون حينما نعود، أشياء لا يمكن أن نفهمها إلا حين نمر بها فحبنا لأوطاننا تهمة نحاسب عليها تحت سلطة الدولة والقانون.. لا يمكن أن تكون وطنياً إلا على مقاسهم، ولا يمكن أن تحمل ولاءك لتراب هذا الوطن، دون أن تسأل نفسك عن مفهوم الوطن الذي تؤمن به...).

   رحلة العودة إلى الوطن تعيد استدراج الذاكرة في كل الأمكنة التي مر بها بطل الرواية ذات يوم، دمشق، قاصيون، وفي الطريق ومن لحظة الوصول إلى عمان قبل الحدود إلى سوريا، ومن خلال لقاء صدفة مع بعض الأشخاص من أبناء بلده، يبدأ يسمع الروايات والمعاناة التي مروا بها، فلكلٍّ حكاية، ومجمل هذه الحكايات أكبر من رواية، أكبر من ملحمة، حتى لحظة الوصول إلى حاجز طيار يتم حجزه فيه لأنه يحمل جواز سفر، فهو قادم من الخارج ولا يحمل هوية، لتبدأ المعاناة مع رحلة التحقيق والمهانة والضرب والاحتجاز، ونقله إلى المخابرات المعنية في حمص، ليرى الموت في كل دقيقة ويرى من صنوف العذاب الكثير من ضمن كم من المعتقلين، وحين يفرج عنه بعفو مؤقت يخرج بلا هوية ولا جواز ولا نقود ولا حقيبة، فيلخص الحالة بقوله: (لأول مرة أنزوي إلى مجتمع ذكوري بالكامل ولا يكون هناك حضور للمرأة إطلاقاً، كانت لدي قناعة مطلقة فيما مضى أن المرأة هي الملاذ الوحيد للرجل في كل أوقاته كما القهوة تماماً، عندما يكون الرجل في قمة زهوته وفرحه فهو يطمح لأنثى تشاركه متعته وعندما يخوض انكساراته المتتالية يبحث عن أنثى تأخذ بيده ليبكي على صدرها، وعندما يكتب فهو بحاجة لملهمة توحي له بأفكار لم تولد بعد من رحمها المتصدع، وعندما يعود من الحرب فأول ما يبحث عنه هي الأنثى لتزغرد له وتطنب آذانه بأوصاف المديح والبطولة، كما القهوة؛ هي المرأة في فرح الرجل، وحزنه، وبطولاته، وانكساراته وأتراحه، لها وجود ولها حضور) ليجد نفسه اثر تقديمه خدمة اتصال هاتفي لأحد الذين قتلوا بالمعتقل لأخيه، بين الثائرين على النظام، ليقضي أياماً في بابا عمرو، فيجرب القصف والجنون وإطلاق النار، ويكون شاهداً مختبئاً على الاغتصاب في ظل المعارك المحتدمة ما بين النظام والثائرين عليه.. حتى يتمكن من الوصول بمساعدة الثوار إلى بيت أهله في حماة..

   لن أدخل في تفاصيل ما يرويه بطل الرواية الذي حمل في نفس الوقت اسم المؤلف، تاركاً المجال للقارئ أن يرى ويحكم بنفسه على الرواية، التي اعتمدت أسلوب استدراك الذاكرة، وممازجته بخيال الكاتب وكيف يرى الأحداث، مازجاً الخيال الروائي بوقائع ومعلومات وصلته واعتمد عليها، ومازجاً الذاكرة التاريخية لأحداث حماة السابقة قبل سنوات طويلة مع الظروف الحالية، مؤكداً أن بطل الرواية ليس أكثر من صحافي تعرّض للمأساة بأشكالها المختلفة ليكتشف من خلال جندي انشق عن النظام، أنه حين تم اعتقاله كان ضحية رشوة قدمت للضابط ليفرج عن معتقل آخر، وأنه كان البديل لذلك الشخص، فنقل ما يراه عبر الرواية، وإن كان واضحاً ميل بطل الرواية للثائرين على النظام، مصوراً نماذج من الذين ثاروا على النظام وأسباب ثورتهم، متأثراً بما سبق وما يحصل الآن، ومتحدثاً عن الواقع الاقتصادي من رشاوى واختلاسات وسرقات، خلقت طبقة ثرية وأخرى مسحوقة، والرشوة في أي مجتمع مؤشر فساد يكون المعول الذي يهدم المجتمع، فالرشوة كما أسميها أنا: (الجرذان التي هدمت سد مأرب)، إلا أن بطل الرواية كان أكثر وضوحاً بالموقف بجانب الأناس العاديين، الذين هم الضحايا بشكل خاص في ظل مأساة بدأت ولم تنته بعد.

   بحياديةٍ نقل بطل الرواية تلخيص الآراء حول ما يجري في البلاد بقوله: (مصطفى شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره تقريباً يقف ضد العمل العسكري فهو مع التظاهر السلمي والنضال الثوري السياسي دون حمل السلاح، وتوجيهه لأبناء المؤسسة العسكرية أو الأمنية، وحجته في ذلك عدم القدرة على ضبط السلاح بيد الشعب بعد سقوط النظام، أما عمر فقد حمل السلاح منذ وقع الاستهداف الأول للمنطقة معتبراً أن هذا النظام لا يذهب إلا بالقوة، بينما ظلّ خليل على ولائه المطلق للسلطة الحاكمة رافضاً أي تظاهرة أو أي عمل مسلّح، فهو يكتفي بالإصلاحات التي لا حاجة لها أصلاً من وجهة نظره، بينما كان هناك طيف واسع من الناس يلتزمون الصمت، وهم ثلة كبيرة لمست منهم تخاذلاً أو جبناً في الحديث والاشتراك بالاحتجاجات، أو الاستهزاء بمطالب الثائرين على هذه الأرض بينما هرب قسم آخر خارج البلاد).

   الرواية التي امتازت بقوة الحبكة وقلة الثغرات فيها، ينهيها الكاتب بعد أن تمكن من تهريب بطل الرواية عبر التسلل إلى تركيا بدون نهاية، فقد اعتمد أسلوب النهاية المفتوحة، وقد كان موفقاً في ذلك، فلا أحد يمكنه بعد هذه الفترة الطويلة من الأحداث المستمرة، وتحول الوضع في سوريا إلى حرب حقيقية في كل المدن والقرى والحواري، وفي ظل سقوط مراهنة البعض على التدخل العسكري الغربي لحسم وضع النظام، وبعد آلاف الضحايا والفقر والجوع والدماء، لا أحد يمكنه أن يضع نهاية دقيقة لما يجري.

   قد يختلف البعض مع مؤلف الرواية وروايته، وقد يراها البعض رواية حقيقية، وقد يتهمه آخرون أنه قد باع روحه وقلمه، وكلّ سيكون موقفه متأثراً بحجم المأساة التي تعانيها سوريا، مع النظام أو مع الثائرين أو مع الشعب، لكن لا أحد يمكنه أن ينفي أن ما يجري مأساة كبيرة، وأن الضحايا هم الخاسرون، وأن الشعب هو من يعاني، ولكننا بالتأكيد لن نختلف أن من واجب المبدع أن لا يقف صامتاً أمام مأساة يعيشها شعبه.

 


1 of 1 File(s)


#210 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sun Mar 17, 2013 9:36 pm
Subject: صباحكم أجمل/ الجديرة زهرة مقدسية بقلم وعدسة: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 


 

صباحكم أجمل/ الجديرة زهرة مقدسية

بقلم وعدسة: زياد جيوسي

 


الجديرة: تمازج القديم بالحديث

    حينما زرت بلدة الجيب في صيف 2008 لفتت نظري بلدة (الجديرة) وهي تعتلي سفوح التلال على يميني في الذهاب، وحين كنت أزور بنات أخي القاطنات على أعلى تلال بلدة بـير نبالا مقابل الجديرة، كنت أرقبها من البعيد والتقطت لها بعدستي العديد من الصور من تلك التلة، ولكن لم يتح لي زيارتها أبداً، فأنا لا أعرف أحداً من أهلها، وزيارتي لأية بلدة تحتاج وجود أشخاص يهتمون ببلدتهم ويعرفون خباياها ليجولوا معي، فليس من المعقول أن أجول بلدة وحيداً وأنا لا أعرف دروبها ونقاط التراث التي أهتم بها بشكل خاص فيها.



 

الجديرة: المدخل الرئيس


   ربما حسن حظي أني أؤمن دوماً أن كثيراً من أحلامي تتحقق، فقد كانت الزيارة للجديرة تمر في خيالي كلما مررت من جوارها كسحابة صيف، حتى كانت لحظة الصدفة أنني كنت أتحدث مع الصديقة نورما نصار عبر الهاتف عن مشاريعهم الجديدة في جمعية لتطوير الموارد تعمل بها وتهتم بالشباب، بعدما شاركتهم في دورا والخليل وزعترة وأريحا، فقالت إن لديها موعداً مسائياً في بلدة الجديرة من أجل متابعة مشروع ثقافي رياضي شبابي كونها منسقة جمعيتي حماية الموارد البيئية وجمعية تطوير الصناعة المهتمتين بدعم الشباب، فصرخت: الجديرة؟؟ أريد زيارتها فاجعلي موعدك نهارياً كي أتجول بها وأكتب عنها وتعانقها عدستي، وهذا ما حصل فقد تولت هذه الفراشة التي لا تهدأ ترتيب الزيارة ومن سيجول معنا في أنحاء هذه البلدة الوادعة.

   الإثنين 30/1/2012 كان موعدنا، ورغم أن الغيث انهمر بغزارة إلا أن هذا لم يثنينا عن الزيارة أو يدفعنا لتأجيلها، فمرت العزيزة نورما بسيارتها وأقلتني من باب الصومعة إلى الجديرة، لنلتقي هناك الشاب النشط والمتحمس محمد أكرم، وهو من نشطاء شباب البلدة ومن سواعدها السمراء، وهو من مؤسسي جمعية الجديرة للتنمية والتطوير ويرأس إدارتها، هذه المؤسسة الشبابية الجديدة التي تأسست بالقرية بتاريخ 27/7/2009، على أيدي بعض شباب القرية الذين يهتمون بالقرية وبكل ما هو جديد بها، مؤمنين بالعمل المؤسساتي بالقرية، كي تستفيد من ما يمكن من مساعدات إنسانية أو طبية أو جامعية واجتماعية، وبعد أن قامت الجمعية على أرض الواقع حاربها الكثيرون كما روى لي محمد أكرم، لأنهم لا يفقهون معنى العمل المؤسساتي في هذا الوطن، علماً أن الدولة التي يحلمون ونحلم بها، يجب أن تكون قائمة على المؤسسات.

  استقبلنا محمد أكرم رغم المطر الشديد، في الموقع المقرر للمشروع الثقافي الرياضي الشبابي، والذي يشرف بنفسه على التشطيبات الداخلية كي يكون المقر جاهزاً للمشروع، الذي أتيح لي لاحقاً أن أشارك بالافتتاح في 30 نيسان من هذا العام، وبعد نقاش مستفيض حول المشروع بين نورما ومحمد أكرم، كنت أثناءها أقف تحت رذاذ المطر متأملاً جمالية الجديرة، بدأنا التجوال بين ما تبقى من البيوت التراثية.

 



الجديرة: نافذة تراثية


  الجديرة أو كما تلفظ (إجديرة) وتعني في اللغة العربية البناء المحاط بالجدران، وفي لسان العرب ورد معناها (والجَدِيرَة: كَنِيفٌ يتخذ من حجارة يكون لِلْبَهْم وغيرها)، ما يشير إلى خصوبة الأرض ووفرة المياه بحيث استخدمت لرعي المواشي وبناء الحظائر فيها، وهي من قرى بيت المقدس من الجهة الشمالية الغربية للقدس، ولا تبعد عن قلب القدس إلا عشرة كيلومترات وتقع على تلة من سلسلة جبال القدس، ما بين بلدات بيتونيا في غربها وبلدة قلنديا شرقها، بينما جنوبها تقع بلدتي بير نبالا والجيب، وبلدة رفات إلى الشمال منها، وبحكم هذا الموقع وعلى ارتفاع يقارب 775 متراً عن سطح البحر، تميزت بجمال أجوائها واعتدالها، وتتميز قرية الجديرة بترابط العلاقات الاجتماعية بين سكانها، فالبلدة صغيرة، وصلات القرابة والنسب بينهم كثيرة، حيث أن معظم سكان القرية من أهلها الأصليين، ويبلغ عدد سكان القرية (2500) نسمة إضافة إلى عدد لا يتجاوز عدة مئات مغتربين في الولايات المتحدة والدول العربية، وتمتد الجديرة في تاريخها للفترة الكنعانية، فهي امتداد بأراضيها إلى مملكة الملك الكنعاني جبعون، وفي اللغة الآرامية يعني اسمها الجزيرة الخصبة، وهذا ناتج عن امتداد سهولها وتوفر المياه فيها والآبار، ما يشير إلى أنها كانت مستخدمة للزراعة والرعي بفترة الملك جبعون، الذي قاتل وأبناؤه حتى قتلوا رافضاً الانسحاب حين غزا المنطقة يوشع بن نون، وقد أشارت النقوش المصرية إلى أن مملكة جبعون كانت على علاقة تجارية متميزة مع مصر، وأنها كانت متميزة بازدهارها على بيت المقدس بتلك الفترة.




الجديرة: تراث جرت إزالته


    بدأنا الجولة رغم انهمار المطر، فدوماً أقاوم الظروف الصعبة وأهمس لنفسي: هي فرصة ربما لا تتكرر في زمانك أيها الكنعاني، وحقيقة وجدت في بلدة الجديرة الكثير من الجمال، ورغم صعوبة الحركة بين ما تبقى من الأبنية التراثية بسبب الوحول والمطر، وتعرضي للانزلاقات أكثر من مرة، إلا أني لم أتوقف لحظة، وأتعبت العزيز محمد أكرم كثيراً، وأما نورما التي كانت ترتجف تحت المطر، فناشدتها أكثر من مرة أن تبقى في السيارة حتى ننهي كل جولة من الجولات ونعود إليها، وتجولنا في بيوت تراثية جميلة لكنها بكل أسف مهملة تماماً، وأحدها دخلته رغم العتمة معتمداً على ضوء الجوال، واستخدمت (الفلاش) بالتصوير رغم أني لا أحبذ استخدامه، فأنا أشعر به يبعدني عن الفنية والتمتع باختيار الصورة وزاوية اللقطة.

   من بيت إلى بيت ومن موقع إلى موقع تجولنا، حتى شعرت أن المطر تمكن من اختراق معطفي ودخل إلى جسدي ليطهرني بعبق تاريخ وطننا الجميل، وأثناء تجوالنا دخلنا أحد تلك البيوت بصعوبة وهو بمساحة جيدة ومن عدة أجزاء وبني على نظام الأقبية المتقاطعة، لكن الإهمال كان به كبيراً، فهمست لمحمد أكرم: هذا البيت المفترض أن يرمم ويكون مركزاً ثقافياً كبيراً ونقطة جذب للبلدة، ولكني فوجئت حين قال لي أن هذا البيت سيهدم ليبنى مكانه مبنى آخر حديث!! فانزعجت جداً، فما تبقى في البلدة من بيوت تراثية قليل جداً، فألا ينتبه المعنيون بأن يحافظوا على بعض من هذا التراث ليروي حكاية البلدة للأجيال القادمة التي لم تعش ما عشناه؟ وهل ننقل إليهم أبنية إسمنتية مشوهة لا تحمل أي فكرة ولا تراث ولا جمال؟؟





الجديرة: الجدار البشع يستولي على أراضي البلدة


    من بين بيوتات القرية اتجهنا إلى أطرافها، حيث الجدار البشع الذي التهم منها أجزاء كبيرة، وحيث الطريق الالتفافي رقم 45 الذي شقه الاحتلال لخدمة المستوطنين، فالاحتلال بالكاد يبقي مساحات بسيطة من الأراضي للمواطنين، ويصادر نسبة كبيرة خلف الجدار لمصلحة المستوطنين الأغراب، ففي بلدة الجديرة قام الاحتلال بمصادرة بئر المياه الرئيس الخاص بالبلدة، وصادر مساحات من الأرض زادت عن ألف دونم، ما أدى إلى عزل البلدة عن محيطها، وحرمها الماء وأخصب الأراضي، ومنع وصول الناس إلى حقول الزيتون تحت حجج الأمن ومنع الاقتراب من الشارع الالتفافي 45 تحت دعوى حفظ الأمن لجنوده ومستوطنيه الأغراب من شذاذ الآفاق.





الجديرة: ذاكرة الماضي أزيلت وأصبحت من الماضي


   الطبيعة في هذه المنطقة ساحرة، حتى أن أشكال الصخور لفتت نظري فالتقطت لها الصور، وعدنا باتجاه هذه الزهرة المقدسية (الجديرة)، مارّين بالمقبرة التي ضمت رفات الجدود، فقرأت على أرواحهم الفاتحة، ومتمنياً أن يهتم الأحفاد ببلدتهم أكثر، ويحافظوا على ما تبقى من تراث جميل حتى لا تضيع حكايات الجدود، وإن تألمت في الفترة الأخيرة حين علمت أن قسماً من هذا الجمال وعبق التاريخ جرى هدمه وإقامة أبنية جديدة مكانه، فقلت: لا حول ولا قوة إلا بالله، متى سندرك قيمة التاريخ والتراث في وطننا؟

   أنهينا الجولة وأردنا المغادرة، ولكن محمد أكرم رفض أن نغادر قبل استضافتنا، فزرنا بيته والتقينا مع عدد من أهله ومع والده الشيخ الجليل أكرم عودة برجس، الذي أصر أن يستضيفنا على غداء كما عادات العرب الأصيلة وعادات فلاحي بلادنا فاعتذرنا بقوة، واحتسينا الشاي والقهوة واستأذنا بالمغادرة، لنعود إلى رام الله ومنها افترقنا نورما وأنا، لأعود إلى صومعتي وأكتشف أن كل ملابسي أصبحت معبقة بالمطر وبالطين، فابتسمت وهمست: الوطن يستحق أكثر.

   صباح آخر لرام الله، يوم عطلة صحوت به نشيطاً رغم التعب من زيارة امتدت حتى منتصف الليل لمدينة طولكرم، حيث الوالد والشقيق الأكبر وأسرته والأهل والأحبة، أقف إلى نافذة صومعتي متأملاً الحمائم والورود وحوض النعناع، أحتسي فنجان قهوتي وأهمس لطيفي الذي ترافقني روحه رغم المسافات، لنستمع لفيروز وهي تشدو: (أديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس، وتشتي الدني ويحملوا شمسية، وأنا بأيام الصحو ما حدا نطرني.. نطرت مواعيد الأرض وما حدا نطرني، صار لي شي مية سنة عم ألّف عناوين، مش معروفة لمين، وودّيلن أخبار، بكرا لا بد السما ما تشتيلي عالباب، شمسيات وأحباب يخدوني بشي نهار واللي تذكر كل الناس بالآخر ذكرني).

   فأهمس: صباح الخير رام الله، صباح الخير يا وطن، صباحكم أجمل أحبتي، شكراً لأن أرواحكم تجول معي الوطن، وقريباً في جولة أخرى وعبق آخر من عبق الوطن والتراث والجمال.

  
(رام الله 6/10/2012)

 




6 of 6 Photo(s)

#211 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Mar 27, 2013 8:16 am
Subject: رؤياي ورؤياها بقلم: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

رؤياي ورؤياها

بقلم: زياد جيوسي




   كما اعتدنا في نصوص الشاعرة التونسية جودة بلغيث الجميلة والمثيرة للتساؤل، نجد دائماً حلماً ولوحات مرسومة بالكلمات وفكرة وراء الحلم، ولكن وفي أكثر من نص نجد الشاعرة تبحث في رحلة الرحيل الأخيرة وكأنها تتمناها (وأبلغ المنتهى)، نجدها تصورها بشكل جمالي وكأن هذه الرحلة رحلة انتقال عروس حلمت بالزواج بعد حب فانتقلت من الوحدة إلى الزواج.

   نلاحظ في هذا النص (رؤياي) أن الشاعرة صورت الموت بـ (زهرة برّيّة يتضوّع عبيرها)، ووجود كلمة (برية) يحمل دلالات كثيرة وأهمها أنها أكدت أن الموت فعل خارج عن إرادة الإنسان ومساهمته به كما الزهرة البرية، وفي نفس الوقت شبهت الموت بالزهرة الجميلة عبقة العبير، وترى نفسها خلال عملية الرحيل/ الموت، كهالة من نور تحف بها ملائكة النور بموكب مهيب تعبر فيه المجرات، وتحرسها النجوم حتى تصل الروح إلى نهاية الرحلة.

   الموت ورحلة الرحيل تكررت في نصوص الشاعرة التونسية، فنجدها في نص يحمل اسم: (أكبر من المسافة)، نجدها أيضاً تصور نفسها (هالة من نور سابحة أنا)، وفي نص آخر يحمل اسم: (حنين وشجن)، نراها تحلم بالرحلة والغرق فتقول: (و أحنّ للغرق، تحضُنُني اللّجة، عروس بحر تُردّد لحون الأعماق)، وفي نص (لهيب الذاكرة) تقول: (أستسلم للحلم لصخب الصّمت)، بينما في نصها: (أكوووون)، تقترب أكثر من الفكرة حين تهمس: (على أعتاب الآلهة أتلقّى المعنى) وتكمل: (فتتلقّفني ملائكة الرّوح، تعرجُ بي إلى سماءات، آلهةُ الشّوق تحرُسُها) بينما في نصها: (غياب الحضور)، تكون أكثر قرباً لفكرة الموت والهدف منها حيث تقول: (لترتفع الرّوح أملاً بالخلاص.. ترفعني إلى سدرة المنتهىوفي معظم نصوص جودة نجد فكرة الرحيل والحلم بها تتكرر بشكل أو بآخر.

   والغريب أيضاً إصرار الشاعرة على تصوير الموت وكأنه حالة من عشق يغشاها: (وأبلغ المنتهى.. عشقاً يغشاني)، حلم أنيق تحلم به، وترى أن الحياة تكون به وفيه.. (أموووووت... يا حلمي الأنيق)، هذه الحالة التي تكررت بصور مختلفة في نصوص جودة حول الموت وتصويره بهذه الجمالية، يثير في روح القارئ أكثر من سؤال؛ فهل الشاعرة وصلت إلى مرحلة من رفض الحياة بحيث صار الموت هو الحلم الأجمل لها تحلم به وتنتظره، أم أنها وصلت إلى مرحلة من التصوف والانسلاخ عن الحياة الدنيوية، بحيث أصبح الحلم بالموت والانتقال إلى الحياة الأخرى هو المبتغى الذي أصبحت تحلم به كما يحلم به النساك المتصوفين؟ وإن كان العنوان للنص (رؤياي) إضافة إلى ما ورد في العديد من نصوصها الأخرى، يجعلني أكثر ميلاً لفكرة المتصوفين، فهم من يذوبون من خلال التعبد بالذات الإلهية كما قرأنا في أشعار عمر بن الفارض ورابعة العدوية وغيرهم من المتصوفين المشهورين، فجميعهم كان الموت بالنسبة إليهم حلماً جميلاً للوصول إلى العالم الآخر ضمن رحلة تحف بها الملائكة والنور.

(رام الله 1/3/2013)

 

  

 


1 of 1 Photo(s)

#212 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed Apr 3, 2013 5:03 pm
Subject: صباحكم أجمل/ جيوس يا قريتي الخضراء الهمسة الأولى بقلم وعدسة: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ جيوس يا قريتي الخضراء

الهمسة الأولى
بقلم وعدسة: زياد جيوسي

 


 

(جيوس: منظر عام وعدسة زياد جيوسي)

   ذلك الصباح كان مميزا في حياتي بجماليته، فقد صحوت مبكرا على صياح الديكة وهديل الحمام وزقزقة العصافير وشدو قطرات المطر، فهل أجمل من هكذا صباح في جيوس بلدتي وبلدة أجدادي والتي تضم رفاتهم؟

   منذ فترة طويلة وأنا أتجول في المناطق والبلدات لا أحمل معي إلا روحي وقلمي وعدستي، فجلت بلدات ومناطق كثيرة في الوطن وكتبت عنها حينا ونثرت في الفضاء صور عدستي حينا آخر، لم تكن جيوس تفارقني أبدا، ورغم أني التقطت عشرات الصور في زيارات عدة لجيوس، إلا أن نشري لها كان محدوداً، ربما هي أنانية العاشق الذي يخاف على معشوقته من عيون الآخرين.

   ودوما كنت أتلقى ملاحظات من أبناء بلدتي منهم من أعرفه، ومنهم من لا أعرف من الجيل الشاب الصغير في العمر، ودوما يناشدوني أن اكتب عن جيوس بقلمي وأوثقها بعدستي، وكنت أعدهم بذلك ولكني كنت لا أفي بوعدي بسرعة، جريا على عادتي حين كنت أتلقى دعوة لزيارة بلدات الوطن، تاركا المجال لإشراقة اللحظة حتى تشرق، فالإنسان بحق نفسه ضعيف، ولم يكن من السهل أن أجول جيوس لأكتب عنها، فحجم المشاعر التي تنتابني وأنا أجولها أشعر بها أكبر، بكثير من أن يستطيع قلمي أن يعبر عنها، ورغم أني كتبت أكثر من مرة عنها، إلا أني لم اشعر أني استطعت التعبير عما يجول في روحي، فكتبت حين حرمت منها (ذاكرة جيوس)، وكتبت حين عدت لها وعانقتها: (عائد إليها)، وكتبت مرة وأنا محروم من زيارة أراضيها الزراعية التي استولى عليها الاحتلال خلف الجدار: (تنهدات جيوس فراشة أم ضوء).

 


 

(جيوس: المباني الحديثة)

   ذات مرة وصلتني ملاحظة من شابة لم أعرف من هي، ووعدتها كما وعدت غيرها أن اكتب ذات يوم، ولكني فوجئت حين أعلمتني من هي وابنة من، وتبين أنها ابنة أحد أبناء عمومتي وهو صديقي في نفس الوقت، فأصبحت ملزما أكثر بالوعد؛ وخاصة بعدما شعرت بحجم الانتماء الذي يجتاح روحها وحبها لبلدتنا، وأثناء زيارة عابرة بمناسبة اجتماعية زرتهم والتقيتها، وتذكرتها وهي طفلة حين كنت أزور بيتهم، وأصبحت الآن شابة أنهت دراستها الجامعية وتحلم بغد أجمل، فقلت لها: هند يا عمي.. وعدتك أن أكتب عن جيوس وسآتي قريبا لأصور وأكتب.. هذا وعد وإن تأخر قليلا.


                                          



(جيوس: هنا كانت حكايات الأجداد)

   نفذت وعدي وكنت أجول دروب جيوس صبيحة 24/12/2011 حاملا عدستي ومتأملا بنظرة أخرى الجمال وعبق التاريخ او لنقل ما تبقى منه، فبكل أسف أن الأبنية التي كانت تحمل هذا العبق والتراث لم يتبقى منها إلا القليل المهمل، واستبدلت بيوت (العقد) الجميلة بشكلها وأساليب البناء فيها بالعلب الاسمنتية الباردة والتي تخلوا من الجمال، حتى البناء باستخدام الحجر تقلص كثيرا، ففقدت جيوس كما العديد من بلداتنا عبقها والجمال ورائحة الأجداد وتعب سواعدهم، وما زلت أذكر أحاديث والدي أطال الله بعمره عن جيوس القديمة، وكيف كان التنقل للمرأة فيها عبر رواق يمر من أسطحة البيوت، وما زلت أذكر درب الزقاق والذي تعود قسم من ابنيته للفترة الصليبية، حيث كانت الحجارة المحفورة عليها الصلبان موجودة،  والذي حين عدت لجيوس بعد 30 عاما من الغياب القسري بسبب الاحتلال في العام 1995، وجدته مهدوما بقرار من المجلس البلدي في تلك الفترة، فتألمت كثيرا ولم أجد عذرا مقبولا لما جرى، فالإدعاء أن الهدم لتوسعة الشارع عذر غير مقبول، وكان الأولى ترميم الزقاق بأكمله ليكون واجهة ثقافية وفنية وتراثية لجيوس التي أنجبت الشاعر الكبير عبد الرحيم عمر، التي عرفت منذ فترات متأخرة من الزمن، لكن وبكل أسف جرى الهدم ورميت الحجارة في طريق الواد، وربما سرقها الاحتلال كعادته ليعيد البناء في العمق الفلسطيني، مدعيا أن هذه الأبنية هي تراث أجدادهم.

 


 

(جيوس: نافذة تراثية في بيت حلمي الخريشة)

 

  جيوس هذه البلدة الصغيرة والجميلة ترتفع عن سطح البحر حوالي 320م، وتقع على الطريق الرئيس بين طولكرم وقلقيلية عبر محور الكفريات، وتبعد عن الطريق الرئيس بين نابلس وقلقيلية حوالي 4كم، وتبلغ المساحة الكلية لأراضيها 12600 دونم، وتحيط بأراضيها أراضي قرى صير، وكفر جمال وفلامية وعزون وأراضي مدينة قلقيلية، وتزرع فيها الأشجار المثمرة كالزيتون والحمضيات وتعتمد الزراعة على المياه الجوفية ومياه الأمطار، وقد أصبحت كافة آبار الماء خلف الجدار البغيض الذي سرق الأرض والأحواض المائية بقرار من الاحتلال الصهيوني الكريه، .وللبلدة أراضٍ في السهل الساحلي وتسمى غابة (جيوس) جرى احتلالها عام 1948 عام النكبة الفلسطينية.





(جيوس: بعض من الكهوف التي تروي الحكايات)

   جيوس ضاربة القدم في التاريخ، وتشير الآثار إلى أنها تعود كمركز عمراني إلى الفترة الرومانية والبيزنطية، كما تشير لذلك الآثار التي كانت في (خربة نشة) من خرب جيوس، والتي احتل نصفها عام النكبة، ووجد فيها أعمدة من المرمر وفخاريات ومغائر وذهب قديم استولى عليه الاحتلال، وحسبما أفادني المهندس والصديق وصفي قحوش (أبو رائد) أن خربة نشة كان لها بوابة تم إزالتها في أواخر فترة الحكم العثماني، حيث كانت المنطقة عبارة عن معسكر للجيش العثماني من ضمن مجموعة معسكرات تصل إلى وادي عويضة شمال البلدة، ولا اعرف إن كانت عملية الإزالة للسرقة أم لنقلها واستخدامها بأحد القلاع في المنطقة، وحسبما روى لي أبو رائد عن والده المرحوم الحاج عثمان قحوش، أن صرير هذه البوابة كان يسمع من جيوس، وكما أشارت المغائر والكهوف التي كانت مسكونة والتي تقع تحت البلدة الحالية، أنه ربما يكون تاريخ جيوس أقدم من فترة الرومان أيضا، لكن بكل أسف أن هذا التاريخ غير موثق من خلال دراسة ما يمكن من آثار، ولا يوجد حفريات للبحث عن التاريخ، ولم تشهد المغائر تحت جيوس الحالية وحولها، إلا حفريات من لصوص الآثار وسرقة آثار كثيرة من قبل الاحتلال، وتشير بعض المصادر التاريخية أن الصليبيون أعادوا بنائها وأسموها (لارجيوس) والتي حرفت إلى جيوس لاحقا، بينما ينسب البعض اسمها إلى تجمع الجيوش فيها بحكم موقعها الاستراتيجي بالقديم، فيقال أن اسمها كان (جيوش) ثم حرف إلى جيوس عبر الزمن.

 


 

(جيوس: بوابة تراثية)

     منذ الصباح كنت أجول البلدة مستغلا تحسن الطقس نسبيا لأتمكن من التقاط الصور بشكل واضح، فتجولت أطراف البلدة حتى الجدار، لأنتقل بعدها لقلب البلدة، فجيوس قرية صغيرة وإن شهدت امتدادا محدودا، فمعظم أراضيها الغربية أصبحت خلف الجدار البشع، وامتدادها بالجهات الأخرى ليس سهلا، وإن تم التوسع بصعوبة لطبيعة الأرض، فتجولت وسط البلدة متأملا ما تبقى من بقايا أبنية تراثية، واحتسيت القهوة مع ابناء العمومة شفيق وحلمي الخريشة، ومن ثم نزلت معهم لتصوير مغارة الشهيد، وهي مغارة مهملة ويروى أن أحد المجاهدين طورد من الجيش البريطاني واستشهد على مدخلها، فثار أهل البلدة لمقتله واستشهد منهم سبعة في نفس اليوم.

   ثم بدأت التجوال وحيدا في دروب جيوس وأزقتها، فتأملت منطقة تسمى (الهربّه)، لأنها ورغم انخفاضها وتجمع المياه بها، إلا أن المياه تهرب منها بسرعة، وربما تتسرب إلى المغائر والكهوف الممتدة تحت البلدة، لأواصل التجوال وتوثيق اللحظة بعدستي في مناطق عدة في البلدة، بما فيها زيارة المدرسة والبلدية واللقاء برئيس المجلس البلدي بفترة تجوالي الأخ محمد الشماسنة أبو الطاهر، وهو صديق قديم وحدثني الكثير عن مشاريع وأحلام سيأتي أحاديث عنها لاحقا في الهمسات القادمة من مقالات جيوس.

   صباح جميل ولطيف، أصحوا من نومي على هديل الحمام على نافذتي، أفتح النافذة وأسقي حوض النعناع والأزهار، أحتسي كوبا من الشاي الأخضر مع روح طيفي التي ترافقني، أحمد الله على نعمائه واستمع لشدو فيروز تشدوا:     

  (معك راح ابقى يا حبيبي معك، لو دبل الورد و ما عاد في قمر، خلصت القصص و اغاني السهر، معك يا حبيبي راح ابقى على طول، في الصيف وبالشتي و بشمس الحقول، بالليل الغريب عالسفر المجهول، انا يا حبيبي معك معك، يا حبيبي بدي ابقى سنين حتى لو بعدنا و صرنا منسيين، ع سياج الايام بسفر الاحلام انا يا حبيبي معك).

   فأشعر بفيروز تخاطب جيوس باسمي، فاليوم ذكرى يوم الأرض، وهل أجمل من وطني ومن الأرض التي لا تكف عن مخاطبتنا جميعا وهي تحلم بالحرية قائلة: صباحكم أجمل..

(رام الله 30/3/2012)

 



6 of 6 Photo(s)

#213 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Wed May 22, 2013 7:53 am
Subject: صباحكم أجمل/ لفتا تصر على الحياة همسات وعدسة: زياد جيوسي
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ لفتا تصر على الحياة

همسات وعدسة: زياد جيوسي

 


 

   أذكر أنني ذات يوم تمكنت من الوصول لبلدة بيت اكسا، وكانت فرصة قائمة على المغامرة، فالبلدة يمنع دخولها من قبل الاحتلال الصهيوني لمن لا يحمل هوية تثبت انه مقيم بها، وبعد جولة وثقت فيها بيت اكسا بالصور وكتبت مقالات عنها لاحقا، وحين كنت انظر من البعيد لتلال القدس نظرت إلى لفتا او إلى ما تبقى منها بألم، فهي بلدة صغيرة ولكنها عميقة الجذور، بلدة من الحوريات الكنعانيات التي بناها وسكنها اليبوسيون من كنعان، فأنشئوا بداياتها كما انشئوا القدس، وهي لصيقة في القدس فلا تبعد أكثر من 2 كم من قلبها إلى قلب القدس، ومنذ كنعان وحين كانت تسمى (نفتوح) أي الفتح، حتى حملت اسم لِفتا في عهد الفتوحات العربية الإسلامية وبقيت حتى الآن وستبقى، مرورا بمسمى (نفتو) أثناء الفترة البيزنطية، و(كليبستا) أثناء الغزو الصليبي، بقيت لفتا بوابة للقدس ومطمعا للغزاة، حتى كانت نكبة 1948، فطرد سكانها تحت سطوة الارهاب الصهيوني والتخاذل العربي، لكن لم ينساها احد من أهلها، وتوارث أهل لفتا عشقهم المكان ابا عن جد.

 


 

   حين اتصلت بي ابنة لفتا نائلة حمودة، ودعتني لحضور إحياء ذكرى النكبة في الجمعية، وجدتها فرصة لتحقيق بعض من الرغبة بمشاهدة بعض من تراث لفتا الذي حفظه أهلها، وخاصة أني حاولت بالسابق أن أزور لفتا مع الجمعية لأوثق ما تبقى منها بالقلم والمقال، وإرواء بعض من عطش الروح، ولكن كالعادة رفض الاحتلال منحي التصريح لأرى بعض من وطني، فسارعت لإلغاء كل ارتباطاتي من أجل المشاركة والحضور.

    حين وصلنا بوابة الجمعية استقبلنا بترحاب شديد الأستاذ ضياء معلا رئيس الجمعية وعدد من صحبه، فترك هذا الاستقبال أثر طيب في روحي، وأعاد للذاكرة بعض من أصدقاء الطفولة من لفتا، حين كنا نسكن منطقة سطح مرحبا في مدينة البيرة توأم رام الله السيامي قبل عام النكسة 1967.

 

 

   جمعية لفتا الخيرية في مدينة رام الله أحيت ذكرى النكبة التي لم تفارق ذاكرة من عاشوها، ولا تفارق ذاكرة من رضعوها ممن سبقهم بالعمر، إحياء متميز ومختلف، فكان أهل لفتا ينتظرون في الشارع قدوم شاحنة المرحوم الشيخ حامد الصفران وهي الشاحنة التي لو نطقت لروت بعض من حكاية لفتا وحكايات من الوطن، فهي من صناعة 1938 وكانت مرخصة في فلسطين قبل النكبة ورخصت بالأردن بعد النكبة، لها حكايات ومساهمات مالكها المرحوم الشيخ حامد، وربما يكون لها مقالة لاحقة تروي الحكاية، ولعل أطرف ما فيها أن وزارة النقل والمواصلات طالبت الورثة حين طالبوا بترخيص المركبة التراثية بمبلغ 76 ألف شيكل كرسوم متراكمة، بدلا من أن تحظى هذه المركبة التراثية بالاهتمام والعناية، باعتبارها بعض من تراث فلسطين.

   وصلت المركبة يقودها الحاج عماد الدين ابن الشيخ حامد الصفران (أبو حامد)، يرافقها الكشافة مرتديا الزي العربي التقليدي، وعلى الشاحنة يافطة كبيرة تحمل في وسطها صورة الشيخ المرحوم، تتوسط صورة لبلدة لفتا وصورة تحمل شجرة عائلات وعشائر البلدة، وكلها مؤطرة بعلم فلسطين، وعبارة تقول: (راجعلك يا دار، بـ "ترك" أبوي الختيار)، ليكون الاستقبال المهيب من رجالات لفتا والحضور للمركبة وقائدها وذكرى المرحوم الشيخ لمن عرفه، وحين استقبله الحضور بالعناق والأحضان، لمحت الدمعة في عيون كبار السن، وكأنهم وهم يعانقون الحاج عماد الدين يعانقون والده الشيخ حامد، فهمست في داخلي بالمثل الشعبي: (يلي خلف ما  مات)..

 

 

   وفي ممر الجمعية حتى البوابة كانت اليافطات التي تروي الحكاية، حكاية لفتا وقرى وبلدات القدس المهجرة، والتي ما زالت تحلم أن تضم أحبتها وأبنائها من جديد، وفي داخل الجمعية كان المعرض التراثي تحت عنوان معرض: أرض بلادي عليها الدار.. لأجول وعدستي تسابقني لتصوير الاحتفال، وما شاهدت من أدوات من التراث احتفظ بها أبناء لفتا، وكل قطعة فيها تروي حكاية، ومجمل الحكايات تروي بعض من ملحمة شعب أختط مسيرته في هذه الأرض المباركة، منذ أول ضربة معول لكنعان الأول، وسيبقى فيها ما شاء الله للدنيا أن تبقى، فبدأ الاحتفال وألقيت الكلمات من رئيس الجمعية ومن بعض الحضور ووزعت دروع التكريم، لكني كنت طوال الوقت أتجول بين تراث الوطن وجماله، أحلم بلحظة الحرية والصباح الأجمل، أتنسم عبق التاريخ والتراث، وأشعر بأرواح الأجداد ترافقني وتهمس: لا بدم من العودة فحذار من التقاعس مهما بلغت التضحيات، فغادرت القاعة بصمت بعد أن جلتها عدة مرات، ولم تترك عدستي زاوية فيها لم توثقها بعدسة القلب، وبقيت لفتا منيرة في القلب ترافقني، كما أنارتها شموع زهرات لفتا في أرض المعرض، على خريطة للبلدة من ترابها ورسمت اسمها منيرا بالشموع، وكأنها شموع الحرية ومشاعلها التي لا بد أن تكون ذات صباح فجر حرية آت.

   صباح آخر لرم الله ونسماتها المنعشة والبكر أتنشقها بعد صحوي المبكر ومعانقتي الشمس وهي تنـزع غلالتها السوداء، أقف لنافذتي وأسقي أزهاري وحوض النعناع وأضع للحمائم والعصافير بعض من فتات الخبز، فهذه الطيور ربطتني بها علاقة محبة منذ زمن، وأحتسي قهوتي برفقة طيفي البعيد القريب، أحتسي قهوتي وأستمع لشدو فيروز: (لا يدوم اغترابي لا غناء لنا يدوم، فأنهضي في غيابي و اتبعيني إلى الكروم، هيئي هالدنانة كرمنا بعد في ربى، يوم تبكي سمانا نشبع القلب و الشفاه، حبيبتي زنبقة صغيرة أما أنا فعوسج حزين، طويلا انتظرتها طويلا جلست بين الليل و السنين).

   فأستعيد ذكرى أول الأمس وإحياء لفتا لذكرى النكبة فأهمس: صباحكم أجمل بني وطني، وأهمس إلى لفتا ووطني المغتصب: لا بد من لقاء يا وطني ولو بعد زمان.

(رام الله في 21/5/2013)

 



4 of 4 Photo(s)

#214 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Sat Jun 1, 2013 4:44 pm
Subject: صباحكم أجمل/ همسات من عبيدية بيت لحم
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ همسات من عبيدية بيت لحم

الحلقة الثامنة

بقلم: زياد جيوسي

 

 

   هي بيت لحم حين تستلب الروح فيفكر زائرها أن يبقى بها أبداً، فليس من السهل بعد التجوال بها أن يتمكن المرء من استعادة روحه التي تكون قد تعلقت ببيت لحم وبلداتها وتراثها وتاريخها حيث الجمال والبهاء والسناء، فبيت لحم من خلال ما شاهدت من جمال وما تنشقت من عبق رايتها حورية كنعانية جميلة تنثر شعرها الغجري في فضاء المكان، فلا يمتلك عاشق للجمال مثلي إلا أن يقع في حبها ولا يقاوم، فمنذ لحظة وصولي إليها بالدعوة الأولى من مؤسسة الباب والتي لم تستمر أكثر من ساعات معدودة حتى شعرت بها قد استلبت روحي، وفي الزيارة الثانية والتي استمرت أحد عشر ساعة كنت قد أصبت بصعقة الحب فلم أمتلك إلا أن أكون عاشقاً يكتب كل قصائد الحب والغزل لمخاطبة المحبوبة، وحين غادرنا أرطاس باتجاه بلدة العبيدية كنت أشعر بنبضات القلب تدق بقوة رغم حجم الإرهاق الذي كنت أشعر به، ومع هذا لم أجد أية رغبة بالتوقف، فحثثت صديقي خالد الصيفي مدير ومؤسس مؤسسة إبداع على السرعة للقاء العبيدية، والذي كنت قد أتعبته كثيراً معي، وإن ما كان يغفر لي أني قد وضعته بالصورة مسبقاً، فمثلي لا يعرف الراحة والهدوء حين يعانق الأمكنة، فكيف حين يكون العناق مع معشوقة كنعانية كل ما في روحها وجسدها قصيدة عشق وجمال؟

 


 

   وصلنا بلدة العبيدية وكان بانتظارنا المربي الفاضل محمد الردايدة (أبو وائل) وولده الشاب الرائع وائل، وأصروا أن يستضيفونا أولاً قبل الجولة كما عرف عن أهل العبيدية من كرم عربي أصيل، لكني اعتذرت وهمست لهم: لندع الضيافة بعد الجولة فأخاف أن يسرقنا الوقت، واتجهنا من العبيدية باتجاه دير مار سابا، وكلمة (مار) تعني السيد وهو أحد القديسين والمؤمنين الذين انتسبوا إلى هذه الأرض، فعشقوها وتعبدوا بها، فدير مار سابا اختار مكانه القديس سابا في مكان منعزل وبعيد وبناه عام (484) م، ويروى أن مار سابا صار راهباً وعمره ثماني سنوات في كبادوكية (تركيا)، وجاء إلى الأرض المقدسة في عمر ١٨عاما، وقد بدأ التعبد في هذا المكان وبنى الدير فيه، ولم يفارقه حتى توفي فيه عام ٥٣٢ م، وبعد سنوات وأثناء الحروب الصليبية والاحتلال الصليبي لفلسطين، حمل الصليبيون جثمانه إلى البندقية في إيطاليا  لأكثر من سبعة قرون، وتمت إعادة الجثمان لمكانه عام ١٩٦٥م  .


 

   وكما كل قصص الأديرة في بيت لحم نجدها بنيت على كهوف يقال إن سيدتنا العذراء مرت بها أثناء فرارها بسيدنا المسيح ابن مريم طفلاً، ويقال في بعض المصادر الضعيفة إن سيدنا المسيح ولد هناك في الكهف الذي كان النواة لبناء الدير، فقطعنا مسافة طويلة في تلال مرتفعة عبر مناطق جرداء، حتى أطللنا على الدير المطل بدوره على وادي القدرون، فأوقفنا السيارة في ساحة وقوف السيارات وبمجرد نزولي وقفت بصمت أمام هذه الأبنية المثيرة للرهبة والتي تروي حكايات عبق تاريخ من وطني، وبدأت عدستي بالتقاط الصور خارج الدير، فالتصوير بداخل الدير غير مسموح به، لذا اهتممت بأن توثق عدستي كل مشاهد الدير من الخارج، وكون الدير مطل على وادي القدرون، ولا يظهر لنا حين الوصول إليه إلا المشهد الخارجي العلوي، فقد اتجهنا إلى المنطقة خلف الدير ونزلنا مسافة طويلة على درج متهدم في العديد من زواياه، ما يشكل خطورة لو زلقت قدم أحدنا، ولكن رغبتي القوية بالتصوير للدير من الواجهة التي تطل على الوادي كانت قريبة، ولا وسيلة إلا النـزول لمسافة طويلة في الوادي، أو الوصول للجبل المقابل وهذا ليس هناك إمكانية له، وأصر صحبي أن يرافقوني النـزول على هذا الدرج المتهالك ولا يتركوني وحيداً.

 




   الدير شهد كما كل المنطقة والأديرة حكايات كثيرة عبر التاريخ، فهو لم يشيد مرة واحدة بل عبر فترات زمنية، ولذا نرى أن نمط البناء لا يتبع نمطاً هندسياً محدداً، وإن كان أشبه بقلعة حصينة تشابه القلاع المنتشرة في بلاد الشام، والدير تعرض للتدمير كغيره من الأديرة على يد الفرس فدمروه عام 614م وقتلوا كل من فيه، كما دمروا الكثير من الأديرة حين احتلالهم فلسطين، وفي داخل الدير مواقع كثيرة ممتلئة بالجماجم لمن قتلوا في الدير، وقد تعرض الدير إلى الهجرة منه أكثر من مرة بسبب الظروف التي أحاطت بالمنطقة، حتى جرت عملية إعادة ترميمه وبناءه عام 1840 م، وأصبح قبلة للزوار وما زال، وللدير قوانينه الخاصة عبر الزمان، فهو ما زال بدون تمديدات ماء أو كهرباء أو اتصالات، وما زال الرهبان يعيشون على ضوء الشموع ومياه نبع يأتي من بطون الجبال، ويعتبرون أن أي وسيلة حضارية تصل للدير ستشوش عملية الاتصال الروحي بالله، ويعتبر هذا الدير من أكثر الأديرة تقشفاً وزهداً، فالزراعة الوحيدة فيه بعض من أشجار الزيتون والليمون، فالرهبان يعتبرون أن الاهتمام بالزراعة الزائدة قد يعطلهم عن العبادة، وأيضاً تمنع النساء من دخول الدير بالمطلق، ويقال إن هناك معتقد أن المرأة إذا دخلته فسيتعرض الدير إلى زلزال، ويروى أن مجندة إسرائيلية من قوات الاحتلال تمكنت من دخول الدير فاهتز، لكن لا شيء يؤكد هذه الحكايات، وينسب للقديس مار سابا أنه من استن قانون منع دخول النساء للدير، وأنه كان يستقبل والدته في غرفة خارج الدير حين تزوره ولم يسمح لها بدخول الدير أبداً، ويقول بعض الرهبان أن سبب المنع هو كي لا يكون هناك شهوة تؤثر على التفرغ للعبادة، وأعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي، ويوجد خارج الدير برج خاص لاستقبال النساء كي لا يدخلن الدير بالمطلق، ومن قوانين الدير أنه يمنع أكل التفاح بالمطلق، وسبب هذا المنع أن القديس مار سابا أراد أن يأكل تفاحة في غير وقت الطعام المقرر، فشعر أن في ذلك شهوة فقرر الامتناع عن أكل التفاح تماماً، فاتبعه الرهبان في ذلك وحرم أكل التفاح منذ ذلك الوقت.



   الدير كما كل الأديرة التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس في منطقتنا يخضع للكنيسة اليونانية بالكامل، وهناك صراع يعود إلى عام 1872م من أجل إعادة تعريب هذه الأديرة والكنائس يقوده المسيحيون العرب الأقحاح من أجل إعادة الإشراف على الكنائس والأديرة للمسيحيين العرب، فهذه الأديرة تراث يعود لهم وتاريخها عروبي فلسطيني، والكثيرون ممن أنشأوا هذه الأديرة وسكنوها هم من أبناء هذه الأرض، ومنهم كمثال يوحنا الدمشقي والمسمى منصور بن سرجون كان من أشهر من سكن هذا الدير، وهو عربي الدم والانتماء وأمثاله كثر، وعدد أبناء الطائفة من العرب يتجاوز المائة وخمسون ألفاً بينما اليونان لا يتجاوزون الألف ويتحكمون بكل شيء، فالقضية وطنية أولاً وأخيراً...

 

    ولعل أهم ما في هذا الدير الذي اضطررت لزيارة أخرى له للدخول بعد أن أغلق باب الدير في زيارتي برفقة صحبي، أن يحتوي على رفات القديس مار سابا في صندوق زجاجي، وقد انكمش قليلاً وذاب بعض جلده ويؤكد الرهبان أن الجثمان لم يحنط وأن بقاءه كما  هو مكرمة إلهية، ويوجد بداخل الدير العديد من الكهوف والكنائس والصوامع ومنها صومعة القديس يوحنا الدمشقي والبرج الذي يرتفع 18م، والذي يحتوي مكتبة ثمينة، وكان يستخدم للمراقبة وبني في القرن السادس الميلادي.


 

   غادرنا دير مار سابا عائدين إلى العبيدية ضيوفاً إلى منـزل المربي الفاضل (أبو وائل) الردايدة، فقد أصر وبكل قوة إصرار أحفاد العبيدي فارس العربي الأصيل الذي أسس العبيدية أن يستضيفنا على العشاء، فاعتذرنا بقوة شاكرين، واحتسينا القهوة والشاي والعصائر في بيته وبحضور الأبناء ومنهم وائل، ولم يتركنا إلا بعد وعد منا أن نتناول طعام الغداء عنده حين أعود مع صديقي خالد الصيفي لاستكمال زيارتي لبيت لحم.

    وغادرنا العبيدية مودعين بمثل الحفاوة التي استقبلنا فيها من المربي الفاضل أبو وائل وأسرته، وقد أصررت على صديقي خالد الصيفي أن يوصلني لموقف السيارات المتجهة لرام الله معتذراً عن  المبيت في ضيافة خالد، فأنا كنت منهكاً جداً ولدي ارتباطات مهمة في رام الله في اليوم التالي الأحد، فأوصلني للموقف وودعته هامساً له: شكراً لك هذه الدعوة والجولة الرائعة، فقد أتعبتك معي.. فهمس لي: بل اسمح لي أنا أن أشكرك فهذه الجولة أعادت إليّ ذاكرة بيت لحم بالكامل في المناطق التي جلناها، وأنتظرك لنكمل زيارة الأماكن التي لم نزرها بعد.. فودعته بمحبة وشكر وامتنان متجها لرام الله العشق والجمال.



 

   وها أنا أصحو من نومي وأجول دروب رام الله متنشقا عبق الياسمين، أستعيد ذاكرة الزيارة لبيت لحم، واعداً نفسي بزيارة أخرى في أول فرصة تتاح لي، فما زال الكثير في بيت لحم لم توثقه عدستي وقلمي، فأعود بعد الجولة الصباحية لصومعتي أحتسي قهوتي برفقة روح طيفي التي لا تفارقني، حالما بزيارة أخرى لبيت لحم ورباها وبلداتها، وأستمع لشدو فيروز تشدو: (ردني إلى بلادي مع نسائم الغوادي.. لم تزل على وفاء ما سوى  الوفاء زادي، حبني هنا حب الحب مالئاً فؤادي شلح زنبق أنا إكسرني على ثرى بلادي)..
فأهمس لبيت لحم: لا بد أن ألتقيك من جديد، وأهمس لوطني ولرام الله ولكم جميعاً: صباحكم أجمل..

(رام الله 12/3/2013)



7 of 7 Photo(s)

#215 From: ziad jayyosi <ziadjayyosi1955@...>
Date: Thu Jun 6, 2013 10:22 am
Subject: صباحكم أجمل/ اللويبدة سيدة النور.. حب وعراقة وتاريخ
ziadjayyosi1955
Send Email Send Email
 

صباحكم أجمل/ اللويبدة سيدة النور.. حب وعراقة وتاريخ


بقلم وعدسة: زياد جيوسي

 

 

   صباح الخير يا عمّان، صباح الخير يا حلوة، عبارات أكررها دوماً للشاعر غسان زقطان كتبها في منتصف سبعينبات القرن الماضي، فالصباح في عمّان له دوماً نكهة الدفلى والشيح، وأسمعها تهمس لي: يا طيفي الحاضر الغائب، إني أعشقك الى درجة الهذيان، فحروفنا التي نقشتها تشعلني بشوق لأضمك وأهمس بصمت: أشتاقك بحب متجدد ومتمرد، أشتاقك بشوق البلابل للشدو يا حبي، فأهمس لها: أيا عمّاني ومناي؛ ها أنا أجلس في بيتي العمّاني أحتسي القهوة مع شدو فيروز وأنت تجلسين معي، وأهمس لكِ: ما أجمل الصباح والتحليق في أفق عينيك وأفقك الممتد حلماً وهوى وتمرداً وجنون حب.

  عمّان التي أعتدت أن أسميها عمّان الهوى، والتي حنت علّي طفلاً ورعتني شاباً، وضمتني بحنان حين بلغ مني المشيب، رغم قسوة بالغة تعرضت لها فيها وأنا في مراحل الشباب، في مرحلة ساد فيها غياب العقل، إلا أن عشق عمّان لم يفارقني، وما زلت أهمس: (أنا وعمان ربينا سوا)، فقد عرفتها حين كانت بلدة صغيرة تنمو وتتألق بهدوء، وأحياناً بطفرات غير محسوبة، لكنها كانت أبداً في ذاكرتي عروس المدائن، وفي العديد من المقابلات الصحافية قلت عن العلاقة التي تربطني بعمان ورام الله: هما رئتا القلب يفصلهما نهر مقدس.

 

 

   عمّان التي كتبت لها الكثير من همسات الجوى والشوق في الحضور والغياب، لا يمكنها وتلها الأخضر المرتفع إلا أن ترافقني، فقد كانت لي دوماً حباً وعشقاً وربى ومنى، وكلما وصلتها من رام الله أو من أي رحلة أخرى أجول ما يمكنني التجوال فيها، أحمل قلبي وقلمي وعدستي، أجول وأجول من الأحياء على الأطراف حتى الوصول إلى قلب المدينة النابض بعبق التاريخ وأدراج المدينة التي يحمل كل منها ذكرى عندي، حتى أن الإعلامية والكاتبة رائدة شلالفة، بعدما جلت بها قلب المدينة ذات مرة أحدثها عن ذاكرة المكان، فاجئتني بنصين شعريين بعنوان "أدراج المدينة" أهدتهما إلى بكلمات: إلى الإنسان الحقيقي زياد جيوسي.

 


   

في كل مرة لا بد أن يكون لجبل اللويبدة بشكل خاص زيارة، فهذا الجبل ارتبط بالذاكرة منذ أوائل سبعينيات القرن الماضي في بدايات الشباب، ربما لأن طبيعته الجميلة والهدوء الذي كان يسوده كان يثير في داخلي التجوال فيه والتأمل، فهو كان وما زال يختلف عن كل تلال عمان وجبالها السبعة بتواصله مع وسط المدينة، فكنت أصل إليه وأجول به وأعود إلى وسط المدينة بسهولة، فلا أتكلف مبالغ أجور سيارات الأجرة التي كانت بالكاد تتوفر لدي، إضافة إلى أن المسير من دوار الحاووز حتى ساحة متنـزه اللويبدة والتي أصبحت حديقة جميلة  تحمل اسم حديقة المتحف الوطني للفنون الجميلة، وهي بالأصل موقع لبستان جميل يعود لعبد القادر طاش، والذي يقال إنه من أقدم الأشخاص الذين تملكوا في جبل اللويبدة، سهل وغير متعب سيراً على الأقدام لقلة المرتفعات والمنحنيات، ودوار الحاووز والذي حين عدت إلى عمّان بعد غياب متواصل استمر أحد عشر عاماً، وجدت اسمه قد أصبح دوار باريس، لكني ما زلت مصراً على التسمية القديمة، حتى أني في زيارتي السابقة ذهبت بسيارة أجرة من خلدا حتى اللويبدة لحضور أمسية في رابطة الكتاب، وقلت للسائق دوار حاووز اللويبدة، فضحك وقال: يظهر أنك من جيل اللويبدة أيام زمان.

 

 

   جبل اللويبدة بمساحته المقدرة بثمانية كيلومترات مربعة لا أظن أن هناك شارعاً رئيساً أو فرعياً أو حياً منه لم أتجول به، فهو كما أسلفت ارتبط بالذاكرة وبدايات الشباب، وزاد من هذا الارتباط أن والدي أطال الله في عمره افتتح على دوار الحاووز محلاً تجارياً استمر به حتى نهاية تسعينيات القرن الماضي، فكنت أزوره للمساعدة أحياناً أو بسبب الشوق إليه وللوالدة رحمها الله، التي كانت تتواجد معه معظم الوقت أو أثناء تجوالي المحبب في اللويبدة، وتنشق عبق الياسمين المنتشر به، واللويبدة كجبل من أقدم جبال عمّان فهو يعود إلى بدايات القرن الماضي، وتميز كثيراً بنمط البناء به، وسكنته عائلات ذات وضع اجتماعي ومالي متميز، فعرفت منه منازل غاية في الجمال ونمط البناء، وما زال منها بالذاكرة بيت عبد الحليم النمر الحمود، والذي تميز بحدائقه ونمط البناء، وهو بالأصل جرى بناؤه على آثار كنيسة بيزنطية قديمة، تشير إلى الدور الذي لعبه جبل اللويبدة عبر التاريخ، وهذا البيت الآن تحول إلى دارة الفنون، إضافة إلى بيت بديع يعيش والذي بني من الحجر الأصفر الموشح بالوردي والمنقوش بجماليات متميزة، ويعتبر من أجمل بيوت الأردن معمارياً في تلك الفترات وما زلت أراه كذلك، وما زلت أحرص أن أتأمله من بين قضبان بواباته المغلقة، فأعتقد أن لا أحد يقيم به الآن، إضافة إلى العديد من المباني ومنها ما عرف بالبيت الأزرق وسكنه حاكم عكا وأصبح أيضاً ضمن دارة الفنون كما بيت الشاعر فؤاد الخطيب وبيت عبد الحليم النمر ، وأجول وأرى غيرها من البيوتات التي ميزت اللويبدة بعبقها وتراثها.

 

 

    اختلف العمانيون حول أصل اسم الجبل، فهناك من قال إن الاسم يعود لنبتة تدعى لويبدة كانت تنبت به، والبعض قال إن الضباع كانت (تلبد) به وتسكنه، والبعض قال إن الاسم يعود إلى أن الرعاة كانوا يرعون مواشيهم فيه و(يتلبدون) بالفراء والصوف، وحقيقة بحثت كثيراً منذ زمن عن أصول الاسم وسبب التسمية ولم أجد جواباً مقنعاً، فعمان تعود بقدمها إلى تاريخ قرية عين غزال شمال عمان والتي أصبحت بعضاً من ضواحيها، ووجدت بها آثار وتماثيل تعود للعصر النيولثي وعمرها ما يقارب عشرة الآف سنة قبل الميلاد، إضافة إلى آثار بيزنطية ورومانية في عمّان من القرن الثاني بعد الميلاد ومنها المدرج الروماني وسبيل الحوريات، واللويبدة وجدت بها آثار بيزنطية، ما يخلق عندي قناعة أن الاسم أقدم بكثير من الذاكرة الشعبية، وأنه قد يكون اسم قديم جرى تحريفه عبر الزمان.

 

 

ما يعنيني الآن أني كلما وصلت عمان أجول اللويبدة، وكلما قرأت اسم شارع استعادت ذاكرتي الكثير من الأدب والشعر، فأسماء الشوارع غلب عليها أسماء شعراء وأدباء وكُتاب وشخوص تاريخية، وأينما تجولت في اللويبدة فذاكرة المكان تشدني ما بين مواقع الثقافة وأمكنتها، فمن رابطة الكتاب إلى رابطة الفنانين مروراً بجمعية مناهضة الصهيونية والعديد من المحترفات الفنية والأبنية التي تروي الكثير من أحاديث الذاكرة والتراث، وما زلت أحرص بين الحين والآخر أن أنزل وسط المدينة عبر درج الكلحة، فأستعيد ذكريات شبابي المبكر حين كنت أصعد عبره وأعود إلى وسط المدينة، والذي ارتبط بذاكرتي بمحل (أبو علي) لحلويات القطائف الرمضانية، ومطعم الكلحة الذي كان يتاح لي أن آكل به الفول والحمص أحياناً، وكم سعدت حين وجدت بناية تراثية تعود لثلاثينيات القرن الماضي على هذا الدرج وقد تحولت إلى مركز ثقافي، وأحرص دوماً حين أكون في عمان أن أحتسي القهوة في مقهى ركوة عرب حيناً وفي مقاه أخرى حيناً آخر، وفي رابطة الكتاب التي سعدت بعودتها إلى اللويبدة كما كانت في الأصل، بعد أن غادرته إلى الشميساني لفترة، وهذه الرابطة التي شهدت حفل إشهار وتوقيع كتابين من كتبي، لها بالقلب مكانة خاصة، فاللويبدة من الدرجة الأولى من درج الكلحة مروراً بسينما الخيام ودوار الحاووز وحديقة متنـزه اللويبدة، وصولاً إلى كنيسة سيدة البشارة ومسجد الشريعة، وكل الدروب فيها لها في الذاكرة ما لها من جمال وذاكرة.

 

 

   صباح آخر لكنه عمّاني النكهة والهوى، يرافقني طيفي الذي لا يفارقني في حلي وترحالي ويهمس لي: لن تفارقك سيدة النور وستخرج منك صهيل الليل وبكاء المطر، وستضمك بكل جنون العشق والحب والشغف بلا حدود، ترافقني به فيروز وهي تشدو لعمّان: (هذا الضحى العمر انتشى وصحا كالحب طاب الحب ذات ضحى، يسألنني فيه صفيه لنا سمي رفضت السر مفتضحا، الله في فرح نعانقه ليلاً وبعد نعيشه صبحا، غنت به الورقاء تعطفه وسما به النسر الذي جمحا، و تمر عمانية فمها من أقحوان أو ندى وضحا، ترمي إلي سؤالها أترى تدرين من حبي ومن جرحا، لقياه لي كانت على طلل صخر به من أهلي الصرحا، وشغاف عمان تطالعنا قلت البطولة وهجها لفحا).

   فأهمس لطيفي ولعمّان ولكم جميعا: صباحكم أجمل.

(عمّان 2/12/2012)



https://www.facebook.com/ziadjayyosi/photos

 



7 of 7 Photo(s)

Messages 198 - 215 of 215   Oldest  |  < Older  |  Newer >  |  Newest
Add to My Yahoo!      XML What's This?

Copyright 2010 Yahoo! Inc. All rights reserved.
Privacy Policy - Terms of Service - Guidelines NEW - Help